English

 

السبت. مايو. 5, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية العراقية

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

مؤتمرا شرم الشيخ.. إدارة بوش تشهر إفلاسها

محمد جمال عرفة

Image
جانب من أعمال مؤتمر شرم الشيخ
برغم أن فكرة عقد مؤتمري شرم الشيخ -"العهد الدولي" و"دول الجوار"- هي في الأساس فكرة أمريكية تهدُف إلى تخفيف العبء عن القوات الأمريكية في العراق عبر السعي ؛ لإقناع أطراف فاعلة أو مؤثرة ومحركة في أزمة العراق بالعمل على تبريد الأزمة نسبيا لتسهيل مهمة خروج القوات الأمريكية في نهاية المطاف، فقد كشفت نتائج المؤتمرين عن إفلاس شديد لإدارة بوش وضعف واضح بلغ مداه حد تعمد وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي عدم لقاء وزيرة الخارجية الأمريكية رغم ترحيب رايس المعلن.

فمؤتمرا شرم الشيخ -شأنهما شأن 16 مؤتمرا سابقا عقدت حول العراق منذ غزوه وأصبحت 18 بعد المؤتمرين الأخيرين- لم يخرجا بنتائج ذات أهمية على أرض الواقع أو نتائج حاسمة، إذ اقتصر الأمر على حفنة توصيات لا جديد فيها، سبق تكرارها في المؤتمرات السابقة وآخرها مؤتمر تركيا، ولا يوجد ما يضمن تنفيذها، أما القضية الأساسية وهي الاحتلال الأمريكي وعلى الرغم من أنها لم تناقش فقد حدث واقعيا نوع من التراجع الأمريكي المخزي هذه المرة أمام قوتي "محور الشر"، سوريا وإيران.


فتوصيات مؤتمري "العهد الدولي" و"دول الجوار" لم تخرج عن التوصيات المعتادة حول "سيادة" العراق على أرضه وحرص دول العالم على "وحدة العراق" والتزامات العراق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان وغيرها، وبقيت هذه التوصيات حبرا على ورق؛ لأن ما يجري على أرض الواقع يختلف عما جرى في أروقة المؤتمر من كلمات طيبة، كما أن القوى المحلية (السنة تحديدا) والإقليمية المؤثرة (سوريا وإيران) ظلتا بعيدتين عن الخطط التي تجري داخل العراق، فضلا عن أن المشكلة الرئيسية وهي "الاحتلال الأمريكي" لم يجر التطرق لها رغم الإلحاح الإيراني عليها.

وربما لهذا كان من الطبيعي أن ينتقد سنة العراق على سبيل المثال وثيقة "العهد الدولي العراقي"، وأن تطالب "جبهة التوافق العراقية السنية" حكومة المالكي ذات الأغلبية الشيعية بـ "عهد وطني" يسبق العهد الدولي الذي أقره مؤتمر شرم الشيخ في 3 مايو 2007، خصوصا أن التمييز بين العراقيين والفصل بين أحياء السنة والشيعة بجدران عازلة على غرار الاحتلال الإسرائيلي قائم على قدم وساق، كما أن الميليشيات المسلحة التي تقتل على أساس المذهب وتخترق أجهزة الشرطة والجيش ما تزال تعمل بحرية.


دول الجوار الإرهابية!


ومع أن مؤتمر "دول الجوار" انتهى بدوره دون تحقيق نتائج حاسمة، واقتصر على الحديث عن "سيادة وسلامة أراضي الدولة والاستقلال السياسي والوحدة الوطنية للعراق وهويته العربية والإسلامية"، فقد كانت تصريحات رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي أشبه بقاموس اتهامات ضد الدول العربية المجاورة للعراق لحد القول إن العراق يطالب دول الجوار بوقف تدفق "الإرهابيين" إلى أراضيه، كأنها تدعمهم، ودون أن يقدم المالكي أو المؤتمر حلا، أو يقول مندوب أي من هذه الدول إن سياسات المالكي الطائفية تشكل أحد الأسباب الجوهرية وراء تصاعد أعمال العنف.


وساعد على تصريحات المالكي هذه أن دول الجوار قدمت له هدية ثمينة هي تخفيض 80% من الديون على العراق، كما صدقت على كل مطالب حكومته بما فيها مطاردة البعثيين السابقين والتعاون الأمني مع حكومته المدعومة من الاحتلال الأمريكي. ولهذا بدا أن المؤتمر جاء في صالح المالكي، كما جاء أيضا في صالح الرئيس الأمريكي جورج بوش، على الأقل لأن المؤتمر انشغل بدول الجوار وأدوارها المنتظرة للحفاظ على استقرار العراق، وأغفل عمدا التطرق لأم المشاكل وهي قضية انسحاب قوات الاحتلال الأمريكية.


تمنّع إيراني وحرج أمريكي


وإذا كان "الحديث العربي" في المؤتمر اقتصر على الحث على أهمية "المصالحة الوطنية" بين العراقيين، فقد كان "السلوك الأمريكي" أكثر وضوحا في التركيز على دوري سوريا وإيران. وهنا يبدو أن الاختراق المهم في شرم الشيخ كان هو الحوارات الأمريكية مع كل من سوريا وإيران بعد طول "تمنُّع" من إدارة بوش باعتبار أنهما من محور الشر. ومع أن هذا تطور مهم خصوصا مع تصدُّع جبهة الاحتلال في العراق (محاسبة الكونجرس لبوش ومجلس العموم لبلير، حتى جبهة أولمرت بعد تقرير فينوجراد)  فلم تقبل إيران -الطرف القوي- بالدخول في حوار مباشر مع واشنطن لأنها تدرك أن المباحثات هنا (بين رايس ومتكي) هدفها الضغط لا التوصل لتسويات، في حين قبلت سوريا -الطرف الأضعف- لأنها في حاجة للخروج من عزلتها.


وساعد على انتهاج واشنطن هذا النهج في الحوار مع سوريا وإيران ليس فقط تقرير (بيكر - هاميلتون) الذي نصح إدارة بوش قبل أشهر بالحوار معهما، وإنما خرق زعماء الديمقراطيين في الكونجرس هذا الحظر والسفر لسوريا والحديث عن استعداد للحوار مع إيران، خاصة أنه تتعالى أصوات داخل الولايات المتحدة وفي صفوف حلفاء واشنطن (أوروبا) تطالب منذ أشهر عدة ببدء حوار مع سوريا وإيران كمدخل لحل مأزق العراق وتسهيل سحب القوات الأمريكية مستقبلا.


ومع هذا فقد تحولت محاولات الولايات المتحدة لعقد لقاء بين وزيرة خارجيتها رايس ووزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي على هامش مؤتمري شرم الشيخ إلى مادة للتندر بين الدبلوماسيين والصحفيين بسبب استمرار تمنُّع متكي عن لقاء رايس، لينتهي الأمر بلقاءات بين خبراء من الجانبين فقط.


وساعد على هذا إحراج "متكي" لـ "رايس" مرتين: الأولى عندما قالت رايس -ومن قبلها الرئيس بوش- إن هناك خططا للقاء متكي نفاها الإيرانيون، والثانية حينما تبادلت رايس ومتكي التحية على مأدبة الغداء، ثم رتبت المراسم المصرية الدبلوماسية لقاء العشاء بحيث يجلس متكي أمام رايس على العشاء تمهيدا لمزيد من "التطبيع الكلامي" وبدء المحادثات للاتفاق على موعد للقاء، فغادر متكي قاعة العشاء قبل وصول رايس بلحظات.


وقد أغضب هذا التمنُّع الإيراني الدبلوماسيين الأمريكيين المرافقين لرايس، فبدءوا يفقدون صبرهم ويسخرون من التبريرات الإيرانية بشأن تفادي متكي الجلوس أمام رايس على مائدة العشاء، قائلين للصحفيين إنهم لا يدرون هل غادر متكي المائدة بسبب الثوب الأحمر الفاضح لعازفة الكمان الروسية في الفندق أم بسبب التوتر من الجلوس أمام رايس، مع أن رايس كانت هي المتوترة بسبب عرض نفسها على متكي ورفضه هو الجلوس معها.


ويبدو أن طهران التي لا تتعجل مثل هذه اللقاءات استهدفت المزيد من الضغط على إدارة  بوش وممارسة حق رفض اللقاء مثلما سبق أن رفضت واشنطن دعوة إيرانية سابقة للحوار المباشر، خصوصا أنهم يدركون الحالة السيئة التي باتت عليها الدبلوماسية الأمريكية ومأزق إدارة بوش في العراق، والذي انعكس في صورة صدام داخلي بين الرئيس والكونجرس حول المخصصات المالية للعراق.


كما يبدو أن التنازل الأمريكي في شرم الشيخ بإعلان لقاءات بين رايس وكل من وزيري خارجية سوريا وإيران، أعطى انطباعا بأن واشنطن المأزومة بدأت تستسلم لحقائق الأمر الواقع في المنطقة، وأهمية التنسيق مع الإيرانيين والسوريين لحل مشكلات تواجه السياسة الأمريكية في العراق ولبنان وفلسطين، وبالتالي ضرورة التعامل مع الأطراف ذات الصلة، وهو ما يدفع الإيرانيين للتشدد النسبي تمهيدا لفرض شروطهم أو ربما لعقد صفقات محتملة سواء في العراق أو فيما يخص البرنامج النووي "السلمي" الإيراني.


أما أكثر ما أحرج إدارة بوش فهو غمز "الديمقراطيين" في الكونجرس برايس ورئيسها بوش عندما سخروا من سعيها للقاء السوريين والإيرانيين بعد طول تمنع، في حين أنها (إدارة بوش) عنفت الديمقراطيين بشدة على سفرهم لسوريا، وهو ما دفع رايس لتبرير لقائها نظيرها السوري وليد المعلم بأن "الظروف مختلفة"! ورغم هذا فقد لخص رئيس لجنة الشئون الخارجية في الكونجرس "توم لانتوس" موقف إدارة بوش السابق برفض الحوار مع سوريا وإيران بأنه مثل "سياسة النعامة"!


ومع أن لقاء (رايس - المعلم) أنقذ ماء وجه رايس وإدارة بوش في ظل الرفض الإيراني، فقد بدا أن رفض متكي لقاءها انعكس على تصريحاتها المستاءة، إذ قالت ردا على أسئلة الصحفيين عن سر عدم اللقاء: "بإمكانكم أن تسألوه لماذا لم يحاول.. ليس من المفترض أن أطارد أحدا"، وهو ما يؤكد رفض متكي لقاءها، لتنتهي رقصة الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران بمجرد تبادل للتحية كمجاملة، وبقاء نقاط الخلاف والصراع كما هي في صورة مطالبة طهران بجدول زمني لانسحاب القوات الأمريكية، ومطالبة واشنطن لطهران بالكف عن التدخل في شئون العراق.


لقد فشل مؤتمرا شرم الشيخ بالتالي في تحقيق القفزة المتوقعة في حل صراع العراق؛ لأنهما لم يتجاهلا فقط القضايا الجوهرية سبب النزاع وخاصة (الاحتلال)، وإنما تجاهلا القوى الهامة على الساحة العراقية نفسها وهي قوى المقاومة والقوى السنية المهمشة. بيد أن أهم ما أظهره المؤتمران هو حالة الضعف التي تنتاب إدارة بوش وإفلاسها في تقديم أية حلول، والسعي لتحقيق أي إنجاز أو مكسب في مواجهة هجوم الداخل والخارج معا ضدها. وإذا كانت البداية بفتح الحوار مع سوريا وإيران، فالنهاية قد تبدو أنها اكتمال المؤشرات على أفول نجم إدارة بوش فيما تبقى لها من وقت ضائع في الحكم، والوقت الضائع إما أن يكون دراماتيكيا مجنونا يقفز على الحقائق ويشعل صداما جديدا بالمنطقة مع إيران، وإما أن يكون عودة لما هو طبيعي، فيتم تحديد جدول زمني للانسحاب من العراق، والتوصل لأفق للحل السلمي لأزمة إيران النووية. 

 

 


المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات