English

 

السبت. سبتمبر. 16, 2000

نماء » قضايا اقتصادية » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا

 

الانتخابات الأمريكية:مراكز القوى تكسب.. والفقراء يخسرون!!

نبيل شبيب

يقول "كاي فون رومور" من مصرف كاوين في بوسـطن: "إن مواقف المرشّحيْن لا تؤثر على أسواق الأسهم المالية إلا هامشيًّا".. ويقول "ماثيو كاسمار" من مصرف دويتشِه بنك في نيويورك: "لن تكون لنتائج انتخابات الرئاسة آثار تستحق الذكر في أسواق الأسهم المالية".. ويقول "بيتر لوشمي" أحد الخبراء بالشئون الأمريكية من جامعة جوتينجن الألمانية: "لا توجد فروق أساسية في السياسات الاقتصادية بين بوش وآل جور"، وقد صدرت هذه الأقوال وأمثالها في الأيام الأخيرة من آب/ أغسطس 2000م، أي بعد انعقاد المؤتمرين العامَّين لحزب الجمهوريين وحزب الديمقراطيين، وظهور الخطوط العامة التي يريد كل من المرشحين لمنصب الرئاسة الأمريكية الالتزام بها، أو يعلن في إطار الحملة الانتخابية الحالية أنه سيلتزم بها.. ولا يُنتظر ظهور تفاصيل كبيرة مختلفة عن هذه الصورة العامة، عندما يتواجه الطرفان ثلاث مرات في المناظرات التلفازية التقليدية قبل الانتخابات، أو عندما يتواجه المرشحان لمنصب نيابة الرئاسة تشيني وليبرمان في مناظرتين مماثلتين على الشاشة الصغيرة.

اقرأ في الموضوع:

أولاً: إحجام الناخبين عن المشاركة 

ثانيًا: أرضية مشتركة، وغياب الفوارق بين الحزبين 

ثالثًا: تركة كلينتون، والوعود الانتخابية الباهتة 

رابعاً: الخاسرون والكاسبون 

أولاً: إحجام الناخبين عن المشاركة 

ويبدو لمن يرصد التحليلات والمتابعات الإعلامية حول مجرى المعركة الانتخابية الحالية، أن بعض الأقلام التحليلية، في وسائل الإعلام العربية - وسواها أيضًا - تبحث عن كلمة عابرة، أو جملة جانبية، أو شعار حماسي، ثم تضخّم من المحتوى؛ للعثور على فارق حقيقي في الأطروحات الاقتصادية؛ لتلفت الأنظار إليه، فتبرر ضخامة المتابعة لمجرى المعركة الانتخابية، يومًا بيوم، وساعة بساعة، إلى درجة غلبة الاهتمام بها على الاهتمام ببعض القضايا الوطنية، أو القومية أو الإسلامية المشتركة.

وقد انتشرت عمومًا الصيغة القائلة: إن آل جور الأشد نقدًا للشركات، والأكثر تركيزًا على الجوانب الاجتماعية، يمثل المرشح الأفضل بمنظور الطبقات الاجتماعية الأضعف نسبيًّا، مقابل بوش الذي يتوجه نحو إلغاء البقية الباقية من تأثير الدولة على ما يصنع أصحاب المال والأعمال، فهو المرشح المفضل لدى هؤلاء، ولكن هل يمكن القبول بهذه الصيغة على إطلاقها؟..

الجواب يتطلب أكثر من إشارة مبدئية إلى عوامل أخرى عديدة، ترتبط بالانتخابات والمفاضلة بين المرشحين، وبنظام الأحزاب، والانتخابات، وبالبنية الهيكلية لصناعة القرار، وموقع صلاحيـات رئيس الدولية فيها، وبدور جماعات الضغوط وفق المصالح المشتركة.. وإذا تجاوزنا تلك العوامل عمومًا؛ فإنه يصعب في إطـار الحديث عن النتائج الاقتصادية المترتبة عن وصول أحد المرشحين للسلطة أن نتجاوز ظاهرة انخفاض نسبة المشاركة في التصويت في الولايات المتحدة الأمريكية بالمقارنة مع البلدان الغربية الأخرى ذات الأنظمة الديمقراطية، لا سيّما عند الإشارة إلى الخطأ المتكرر في تعليلها بأسلوب التجميل، كما في القول الشائع: إن عزوف غالبية الأفراد الأمريكيين عن التصويت؛ يعود إلى تمتعهم بالرفاهية حتى بات اهتمامهم بممارسة حق التصويت ضعيفًا، وتكفي نظرة في تفاصيل توزيع الفئات المشـاركة في التصويت؛ ليظهر نقيض ذلك، فالفئات المرفَّهة اقتصاديًّا تشارك في التصويت بنسبة أعلى غالبًا، بينما تكاد الظروف المعيشية السيئة فقرًا وتشريدًا وبؤسًا تمثل عاملاً رئيسيًّا في الامتناع عن التصويت يأسًا من احتمال التغيير، أو ربما نتيجة الانشغال عنه أصلاً، فإذا خرجنا عن مفعول العامل الاقتصادي الداخلي في المشاركة، نجد الإقبال على التصويت مقترنًا غالبًا بتعبئة بعض الفئات سياسيًّا، وهو ما يسري على الأقليات مثلاً، ويرتبط بذلك ما يلاحظ حاليًا على الأسباب التي يبديها الناخبون المسلمون؛ لتعليل مواقفهم في إطار الحملة الجارية؛ لتنشيط مشاركتهم في التصويت، وفي التأثير على المعركة الانتخابية، وأغلب تلك الأسباب مرتبط بأوضاعهم القانونية وليس الاقتصادية.

4% نسبة الناخبين الحقيقيين:

لم يصل معدّل الناخبين الأمريكيين إلى خمسين في المائة ممّن يحق لهم التصويت إلا نادرًا، وعلى ضوء التأمّل في ظاهرة المهرجان الإعلامي الدعائي الفريدة من نوعها عالميًّا، والمتجدّدة مع كل جولة انتخابية جديدة، يوجد أيضًا محلّلون يطلقون وصف "الناخبين الحقيقيين" على حوالي 4% (أربعة في المائة) فقط من السكان، وهم أولئك الذين يشاركون بالتبرعات المالية لصالح الحزبين الجمهوري والديمقراطي؛ لتغطية نفقات معاركهما الانتخابية، ثم يوجد من هؤلاء من يمكن تبعًا لذلك إطلاق وصف "كبار الناخبين" عليهم، أي الذين يغطّون زهاء تسعين في المائة من التبرعات، ويمثلون أقل من نصف في المائة – أي خمسة بالألف - من السكان.

وإذا نظرنا بهذا المقياس في المعركة الانتخابية الحالية؛ فإننا لا نجد فارقًا كبيرًا بين المرشّحيْن للرئاسة من حيث اهتمام رجال المال والأعمال بهما، فإذا كان التأييد يتناسب طردًا مع نوعية السياسة الاقتصادية المنتظرة من كل منهما، فإنه يمكن تقديره من خلال رصد "حجمه"، وقد كان حتى نهاية شهر حزيران/ يونيو 2000م يعادل 138 مليون دولار لصالح بوش وحزبه الجمهوري، و 119 مليون دولار لصالح آل جور وحزبه الديمقراطي.

ولتقدير مدى ازدياد "رضى" رجال المال والأعمال عن سياسـة الحزبين الاقتصادية؛ تحسن الإشارة إلى أن هذه التبرعات، التي تلقاها الحزبان قبل أن تبدأ المرحلة "الساخنة" من المعركة الانتخابية تعادل ضعف ما تلقاه الحزبان في الفترة نفسها من معركة انتخابات الرئاسة الماضية قبل أربع سنوات.

ثانيًا: أرضية مشتركة وغياب الفوارق بين الحزبين 

الواقع أن مشكلة البحث عن نقاط الافتراق بين الطرفين على صعيد السياسة الاقتصادية وسواها، لا تطرح نفسها على المحللين والمراقبين الإعلاميين فقط، بل تطرح نفسها على المرشّحين والأجهزة القائمة على تحديد مواقفهما وصياغة خطبهما، وتوزيع مواطن الثقل فيما يظهرانه من اهتمام بهذا الجانب أو ذاك من الميادين السياسية المختلفة، فقد تقاربت سياسات الجمهوريين والديمقراطيين اقتصاديًّا على الصعيد الداخلي والخارجي تقاربًا كبيرًا، وبات التعرّف على الفوارق بينهما عسيرًا دون الانطلاق من الأرضية المشتركة التي تجمعهما، ثم محاولة العثور على تلك الفوارق في التفاصيل فقط.. وهي في إطار التفاصيل أيضًا فوارق محدودة للغاية، تقتصر حتى الآن على بعض ما يطرحانه بصدد صرف الفائض المتوقع من الميزانية المالية، وهذا فيما لا يمس المحاور والمرتكزات الرئيسية للسياسة الاقتصادية داخليًّا أو خارجيًّا على السواء.

الكل رأسماليون:

ومن الضروري هنا أن نثبّت من البداية ما نغفل عنه أحيانًا رغم أنه معروف وظاهر للعيان، وهو أن الحزب الديمقراطي حزب رأسمالي عريق، كالحزب الجمهوري الرأسمالي العريق، ولم تصل الفروق بينهما قطّ إلى المقدار المعروف من الفروق والاختلافات بين أحزاب اليمين واليسار في البلدان الأوروبية، علمًا بأن هذه أيضًا بدأت تتلاقى على منتصف المسافة فيما بينها..

ثم توجد عوامل تاريخية قريبة ألغت الفروق أو قلّصتها، فبعد عهد "رونالد ريجان" الذي مال كل الميل نحو رأسمالية متشدّدة للغاية - وتابعه جورج بوش على ذلك جزئيًّا.. وكلاهما من الجمهوريين - تميّز عهد الرئيس الحالي "بيل كلينتون" من الديمقراطيين بالتوجه نحو الوسط بشكل ملحوظ، مثله في ذلك مثل "توني بلير" من حزب العمال في بريطانيا، و"جيرهارد شـرودر" من الاشتراكيين الديمقراطيين في ألمانيا، وذاك ما يحاول هؤلاء وأقرانهم "تسويقه" عالميًّا تحت عنوان الطريق الثالثة، والأصوب وصفها بالطريق الرأسمالية مع بعض أدوات التجميل، ولا يوجد في سائر مواقف آل جور ما يخرج به عن طريق كلينتون اقتصاديًّا، أمّا محاولات التميّز بنفسه عنه فتقتصر على الجانب "الأخلاقي" بعد فضائح كلينتون الجنسية، كذلك فمن الملاحظ على جورج بوش الابن، أنه يسعى للميل بحزبه باتجاه الوسط أيضًا، مما ساهم بدوره في تقليص الفجوات القديمة بين الحزبين على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي.

التشكيك في السياسة الاقتصادية مرفوض:

ويوجد عامل آخر لا يقلّ أهمية عن "مضامين الخلاف" وهو أن السياسة الاقتصادية تمثل عاملاً حاسمًا في هذه الانتخابات – كسواها - بمقدار ما تتوفّر إمكانيات توظيف الشعارات والعناوين المطروحة في المعركة الانتخابية لكسـب أصوات الناخبين.. وهذا ما تقوم عليه الآلة الإعلامية والمالية للمعركة الانتخابية كما هو معروف عن الولايات المتحدة الأمريكية منذ زمن بعيد، وبتعبير آخر وفق الخطط المدروسة من جانب المتخصصين في الحملات الانتخابية، لكسب أصوات فئات بعينها، ونظرًا إلى أن غالبية الشرائح المشاركة في الانتخابات هي – بمنظور العامل الاقتصادي - أقرب من الأصل إلى تمثيل الطبقات الاجتماعية الثرية والوسطى، فليس من مصلحة أي من الحزبين التشكيك في الوقت الحاضر في سياسة اقتصادية أوصلت إلى الوضع الاقتصادي الأمريكي الراهن.. وهو في صالح تلك الطبقات ماديًّا إلى حدّ كبير، وهذا ما تؤكّده المقاييس التقليدية للمدرسة الرأسمالية، أي مقاييس نسب النمو السنوية، في مرحلة متميزة من "الازدهار.. وقوّة الدولار في الأسواق المالية.. وانسياح الشركات العملاقة عالميا".

ثالثًا: تركة كلينتون والوعود الانتخابية الباهتة 

وقد كانت السياسة المتبعة اقتصاديًّا من جانب كلينتون "الديمقراطي" أقرب إلى مواصلة الخطوط العامة للسياسة المتبعة من قبل سلفيه ريجان وبوش الجمهوريين.. وكثيرًا ما قيل: إن السبب هو وجود غالبية من الجمهوريين في "الكونجرس" الأمريكي، ومن العسير القبول بذلك وحده كتعليل مقنع، فمن المؤكد أن كلينتون - ومن معه - يتبنى النهج الذي طبّقه اقتصاديًّا بحماس ونتيجة اقتناع داخلي، وليس نتيجة ظروف نيابية ضاغطة، وهذا ما يتبيّن مثلاً من تحرّكه عالميًّا على صعيد ما يوصف بالطريق الثالث كما سبقت الإشارة.. وقد جعل منه على أرض الواقع طريقًا تطبيقيًّا وسطًا بين الاتجاه المتشدّد من مدارسها والأقلّ تشدّدًا فحسب.

وإذا خلفه آل جور في السلطة، فلا ينتظر منه أن يصنع جديدًا على هذا الصعيد، رغم تركيزه على "خدمة الإنسان الأمريكي.. وتخفيف الضرائب عن الطبقة المتوسطة.. وتحسين الضمانات الاجتماعية.. وتوفير ظروف أفضل للتعليم.."، فجميع ذلك كان موضع الذكر بصورة أشدّ تأكيدًا وأكثر تفصيلاً على لسان كلينتون في معركته الانتخابية الرئاسية الأولى على وجه التخصيص، ولم يكن موضع التنفيذ لاحقًا، وقد جاءت معركته الانتخابية تلك مع نهاية الحرب الباردة، أي بعد المرحلة التي استغلها كثير من المرشحين الجمهوريين لانتخابات الرئاسة، لتبرير رفع النفقات العسكرية، وتطوير التقنيات الصناعية، وتوظيف "القروض الخارجية" في سياسة المواجهة.. وجميع ذلك على حساب الجوانب الاجتماعية، فوجد كلينتون وحزبه الفرصة مواتية في اتجاه التغيير من خلال رفع راية تلك الجوانب الاجتماعية، فلا يكاد يوجد ما يمكن لحزب الديمقراطيين وآل جور أن يزيدوا عليه شيئًا في الوقت الحاضر.

وعود باهتة لم تتحقق:

بل على النقيض من ذلك، فعدم تحقيق ما وعد به كلينتون قبل ثماني سنوات، يُفقد خلفه من الحزب نفسه مصداقية الوعود التي يطلقها بصورة باهتة الآن، ونقف عند المحطات الرئيسية من ذلك، على ضوء ما يتكرّر ذكره في الحملة الانتخابية الراهنة، ويشير إلى أكبر الفوارق المميزة في نطاق التفاصيل ما بين المرشحين الحاليين للرئاسة:

أولاً - كان على رأس الأهداف والشعارات المرفوعة قبل ثماني سنوات، إصلاح شبكة التأمينات الصحية، ولم يتحقق من ذلك قليل ولا كثير، ولم يَعُد لهذا البند وجود في البرنامج الرسمي لحزب الديمقراطيين، وإن بقي يتردّد في بعض كلمات الدعاية الانتخابية الجارية على لسان آل جور، ولا يتردد على لسان بوش، بينما يقترب الطرفان من بعضهما في قطاع التأمينات الاجتماعية من حيث الهدف المطروح، ويفترقان افتراقًا طفيفًا من حيث الوسيلة إليه هل تكون بمشاركة أكبر من جانب الدولة، أم بتحويل جزء من تلك الضمانات إلى القطاع الخاص.

ثانيًا - وكان في مقدّمة الجوانب الاجتماعية المطروحة قبل ثماني سنوات أيضًا تحسين أوضاع التعليم.. ولم يبق ما يستحق الذكر من ذلك، إنما يقال حاليًا: إن أكبر إنجازات كلينتون كان التعجيل في إدخال الحاسوب والشبكة إلى المدارس الأمريكية، ولكن تحقق هذا الإنجاز بالذات على الأرجح؛ لأنه يَعِد بعائدات ضخمة لصالح الشركات القائمة على الصناعات التقنية والبرمجية، وهو ما يفسر وقوفها وراءه ودعمها العملي والمالي له، بينما ما زالت سائر المشكلات المطروحة قبل سنوات مطروحة الآن أيضًا، وبحدّة أكبر في بعض ميادين التعليم، حتى ارتفع عدد أطفال الأسر التي تستفيد من القانون الاستثنائي للأخذ بمنهج تعليم الأبناء والبنات في المنزل، إلى ضعف ما كان عليه وبلغ 1.5 (مليونًا ونصف المليون) من أصل 50 مليون تلميذ أمريكي.. وهنا أيضًا لم يطرح آل جور جديدًا يختلف به اختلافًا كبيرًا عن سلفه أو عن المرشح الجمهوري بوش؛ إذ يريد آل جور تخصيص جزء من فائض الميزانية المتوقع لدعم تدريس أطفال الأسر الفقيرة في المدارس الرسمية، ويريد بوش تخصيص ذلك لدعم تلك الأسر مباشرة؛ لتنقل أطفالها من المدارس الرسمية إلى المدارس الخاصة..

18 مليون عاطل:

ثالثًا - وربما كان "تخفيض البطالة" أكبر المغالطات المطروحة في الساحة الاقتصادية الأمريكية، قبل الانتخابات ولا يبدو أنه سيطرأ عليها تغيير بعدها؛ إذ لا يطرح الديمقراطيون الموضوع إلا على اعتبار ما تحقق إنجازًا، فلا ينتظر من آل جور إلا أن يسير على خطى كلينتون في هذا المجال، كذلك لا يطرح الجمهوريون؛ لأن الوضع الذي أوجده الخصم السياسي هو الوضع الذي يفضلونه على سواه اقتصاديًّا، ويحقق هدفهم من حيث خدمة مصالح أصحاب المال والأعمال لا العمال.. فلا يتوقع من الجمهوريين أيضًا تغيير السياسة الراهنة، ومع ملاحظة أن قضية البطالة على رأس ما يهمّ الفرد العادي من نتائج الانتخابات، يحسن النظر في "مغالطة تخفيض البطالة"، وبالتالي في الوضع الذي لا يريد الطرفان تغييره على النحو التالي:

1 - في مطالع عهد ريجان النموذجي في تطبيق الرأسمالية المتشدّدة كانت الموجة الأولى لنشر البطالة بإلغاء أكثر من مليون مكان عمل في الشركات والدوائر الحكومية على السواء..

2- ومع بداية عهد كلينتون.. كانت الموجة الثانية التي رفعت الرقم المذكور إلى مليونين ونصف مكان عمل..

3 - وكلّما قيل: إن عهد كلينتون حقق نموًّا اقتصاديًّا مطَّردًا، قيل: إنه خفَّض أيضًا نسبة البطالة تخفيضًا كبيرًا في الوقت نفسـه، والغرض من هذا الوصل بين "الإنجازين" لتأكيد أن النمو الذي يعود بالمكاسب العظمى على أصحاب المال والأعمال، لم يكن على حساب الطبقات الأضعف التي تمثل البطالة أشد المحاور تعبيرًا عن فقرها وأزمة أوضاعها الاجتماعية… وليس هذا صحيحًا، فالفارق كبير بين هذين "الإنجازين"..

4 - لقد أعطى النمو الاقتصادي الشركات والمصارف المالية الأمريكية العاملة داخل البلاد وخارجها أرباحًا مادية مباشرة، فضلاً عن مراكز القوى للتأثير على صناعة القرار السياسي والمالي والاقتصادي، مما بلغ مداه في عصر العولمة كما هو معروف، وانعكست آثار ذلك في صور صارخة (انظر الفقرة التالية) على أرض الواقع..

5 - أما البطالة فيعطي صورة واقعية عنها – مثلاً - كتاب "مستقبل الرأسمالية" لمؤلّفه "ليستر ثرو" الذي اختار عام 1995م في منتصف عهد كلينتون، فبين أن البطالة - في هذا العام - وفق الأرقام الرسمية تعادل 5.7 (خمسة وسبعة أعشار) في المائة أي سبعة ملايين ونصف المليون، وأعطت القوانين الصادرة في عهد كلينتون بالفعل فرصة الحصول على مكان عمل، ولكن من الناحية الواقعية كان ذلك على شكل تخيير بين أشد درجات الفقر والجوع والتشرّد وفق المقاييس الأمريكية، وبين العمل بأجر زهيد يسدّ الرمق جزئيًّا، وظروف قاسية لا تلغي الفقر وإن وفّرت للشركات قوى عاملة بتكاليف منخفضة، فيضيف المؤلف ما يتراوح بين 5 و 6 ملايين شخص يعملون دون أن يتوفر لهم حدّ أدنى من معايير العمل المعتبرة، فضلاً عن أربعة ملايين ونصف المليون يعملون أيضًا، ولكن جزئيًّا، لساعات محدودة من النهار، بأجر أدنى لا يكفيهم للمعيشة اليومية.. وبذلك - كما يذكر الكاتب - تصل نسبة البطالة الحقيقية في الولايات المتحدة الأمريكية إلى 14%، أو ما يعادل أكثر من 18 مليون نسمة، وليس سبعة ملايين.

6 - ويبقى التنويه إلى أن المصادر الحكومية الأمريكية أعلنت منذ بداية عام 2000م أنها تتوقع تراجع نسبة النمو الاقتصادي، وارتفاع نسبة البطالة مجددًا، ويصادق على ذلك انخفاض مؤشّر النمو في الشهور الثلاثة الماضية على التوالي.

رابعاً: الخاسرون والكاسبون 

لا يطرح بوش وحزبه الجمهوري مثل تلك الشعارات أصلاً، فالمبدأ الرأسمالي الراسخ لديهم، هو أن المدخل إلى تحسين وضع العامل والفقير والمشـرّد هو إلغاء الضرائب عن الشركات، أي أصحاب المال والأعمال؛ ليتضاعف حجم أرباحها، فتستثمر بعضها، فتنشأ أماكن عمل جديدة.. ولا ينتظر من الجمهوريين إذن اتخاذ إجراءات أو استصدار قوانين في صالح الطبقات الفقيرة، إلا عن طريق "زيادة ثراء الأثرياء"، ولكن لا نجد صورة أخرى مقابل ذلك عند الحزب الديمقراطي وآل جور، وكما أن نجاح كلينتون في الانتخابات الماضية بعد رفعه شعارات التغيير الاجتماعي، لم يؤدِّ إلى تغيير إيجابي على أرض الواقع، إلا في صالح أصحاب المال والأعمال، كذلك فلا ينتظر من آل جور أن يصنع ذلك وهو يخوض الانتخابات الآن بشعارات مشابهة.. فأقصى ما يمضي إليه هو ما صنعه كلينتون وفق ما أسماه الطريق الثالث، مما تتمثّل حصيلته في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، والتي لا ينتظر تحسّنها مهما كانت نتائج الانتخابات.. وفي مقدّمة ذلك:

-   مشكلة التشرّد في أثرى بلدان العالم، وقد بلغ عدد المشرّدين عدة ملايين، وتتوقع المصادر الرسمية وغير الرسمية وصول عددهم إلى سبعة ملايين عام 2005م..

-   ويتصل بذلك انتشار الجريمة وآثارها الأسرية، فأربعون في المائة من المشرّدين مدانون بجرائم، ويقضون عقوبة السجن، ويتبع لهؤلاء أكثر من مليون ونصف المليون طفل يعيش كل منهم في أسرة، يقضي الأب أو الأم فيها عقوبة السجن، كما ذكرت صحيفة واشنطن بوسط يوم 31/8/2000م نقلاً عن وزارة العدل الأمريكية.

-   ومشكلة الفقر التي وصلت وفق المقاييس الأمريكية، في أثرى دول العالم إلى أكثر من عشرين في المائة من الأطفال، وأكثر من ثلاثين في المائة من السكان بمجموعهم، وبالمقابل، فمن الأوضاع الناجمة عن سياسة كلينتون الاقتصادية ولا يتوقع المساس بها، أنه مقابل تزايد الفقر عمقًا واتساعًا في أنحاء البلاد، ازداد تركيز الثروات الكبرى في أيدي عدد محدود من البشر..

-   ذكرت صحيفة نيويورك تايمس بهذا الصدد أن عدد الأسر التي يزيد حجم ثروة كل منها على عشرة ملايين دولار، قد ازدادت خلال التسعينيات الميلادية، وجلّها في عهد كلينتون، إلى أربعة أضعاف ما كان عليه عام 1990م، فبلغ 275 ألفا، ومن ذلك 41 ألف أسرة في نيويورك فقط.

-   وتقول الصحيفة نفسها واصفة السلوك الاستهلاكي لأولاد هذه الأسر بأنهم يمثلون في هذه الأثناء "قطاعًا اقتصاديًّا قائمًا بذاته ويتنامى باستمرار".. وبالمقابل ترتفع نسبة الوفيات نتيجة الإدمان في صفوفهم ارتفاعًا ملحوظًا.

-   وتقول "جان هارفي بيرنيو" أستاذة علوم التغذية بجامعة فيرمونت عن أوضاع "أولاد الأثرياء" الصحية: إن سائر أمراض التخمة انتشرت في صفوفهم انتشارًا واسعًا، وظهرت لديهم أمراض لم تظهر من قبل إلا لدى الأكبر سنًّا كبعض أنواع مرض السكر، ومن المنتظر أن تظهر الآثار الصحية الأبعد مدى خلال عشرين سنة، وقد تسبب أمراضًا وأوبئة تكلف معالجتها المليارات..

-   كما يقول المعهد القومي للصحة إن في الولايات المتحدة الأمريكية - مقابل انتشار الجوع فقرًا وتشريدًا - زهاء 4 ملايين نسمة يعانون من التخمة وعدد من الأمراض المترتبة عليها، ويزيد وزن كل منهم عن الحدّ الوسطي بأكثر من 45 كيلو جرام.. وتصل نسبة الوفيات بين هذه الفئة المتخمة عشرة أضعاف المعدّل الوسطي للوفاة بين العامة من السكان.

إن الفئة المستفيدة من السياسة الاقتصادية للحزبين على السواء، هي الفئة الأقوى ماليًّا واقتصاديًّا، وأفرادها هم الذين يموِّلون المعركة الانتخابية، وهؤلاء هم الجالسون على قمّة هرم الثراء أمريكيًّا، وقمة صناعة القرار الاقتصادي واقعيًّا، وقمة التأثير الحاسم والمباشر على البنية السياسية الأمريكية بمجموعها - ومن خلالها عالميًّا، وهذه الفئة كانت في الماضي، ولا تزال إلى اليوم هي الكاسبة في الانتخابات الأمريكية على الدوام.. وبالمقابل كانت الفئات الأضعف اقتصاديًّا هي فئة الخاسرين على الدوام، ولا يخفى أن النتائج على المستوى الدولي واسعة النطاق أيضًا، فالانتخابات الأمريكية أصبحت تعني بالنسبة إلى دول عديدة حدثًا "مصيريًّا" بالنسبة إلى اتجاهات الحكم وممارسات السلطة فيها، كما تعني بالنسبة إلى بعض المناطق ذات العلاقات المتشابكة مع الأمريكيين كأوروبا الغربية، البحث عن نقاط الضعف، ونقاط القوة في الوضع الناشئ عن الانتخابات للتعامل معه تعاونًا حينًا وتنافسًا وصراعًا على النفوذ والهيمنة العالمية حينًا آخر..

وعلى جميع الأحوال يبقى من الثابت أنه مع كل ما يقال عن الميزات الإيجابية القائمة فعلاً في نظام الديمقراطية الغربية على الطريقة الأمريكية، فالواقع التطبيقي يشهد على أن مفعول المال في صناديق التصويت أكبر تأثيرًا من تمثال الحرية على بوابة نيويورك.


  كاتب ومفكر عربي مقيم في ألمانيا

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم