|
| السلطات السعودية تطارد عناصر القاعدة بالمملكة |
رغم الإجراءات التي اتخذتها المملكة العربية السعودية لمكافحة ظاهرة التطرف والإرهاب خلال السنوات الماضية، فإن الخطر الذي تمثله هذه الظاهرة لا يزال ماثلا وحاضرًا في المشهد السعودي والعربي بصفة عامة، وتتكشف أبعاده بين الحين والآخر، وكان آخرها إعلان وزارة الداخلية السعودية قبل أيام عن "كشف سبع خلايا إرهابية تضم 172 شخصًا غالبيتهم من السعوديين والمقيمين والوافدين، وترتبط بمعسكرات وتنظيمات خارجية، قامت بإرسال بعض عناصرها إلى بلدان أخرى لدراسة الطيران، والتدريب في معسكرات خارجية، وذلك لاستخدامهم في تنفيذ عمليات إرهابية داخل المملكة تستهدف ضرب منشآت نفطية ومصافٍ بترولية، واستهداف قواعد عسكرية في الداخل والخارج".
وبرغم أنها لم تكن المرة الأولى التي تعلن فيها سلطات الأمن السعودية عن اكتشاف خلايا إرهابية "نائمة"، فإن توقيت هذا الإعلان يكتسب أهميته ومغزاه كونه جاء بعد أسابيع قليلة من هجمات المغرب والجزائر التي أعلن تنظيم القاعدة مسئوليته عنها، وبشكل يثير تساؤلات حول إمكانية وجود ترابط بين هذه الخلايا الإرهابية التي تم كشفها في السعودية وبين الخارج؟ وما هي العوامل الدافعة وراء بروز هذه الخلايا والفكر المتطرف الذي يغذيها في المملكة العربية السعودية؟ وطبيعة الإستراتيجية التي تعاطت بها السلطات السعودية مع هذه الظاهرة، وموقع الإصلاح السياسي في هذه الإستراتيجية؟
البيئة الحاضنة للتطرف في المملكة
إن الإعلان عن خلايا إرهابية "نائمة" في المملكة يجد تفسيره في عاملين متداخلين، هما:
أولا: العامل المحلي
ويتمثل بالأساس في وجود تيار جهادي داخل المملكة يجد جذوره في السعوديين العائدين من أفغانستان إبان الثمانينيات في القرن الماضي، وكان لهؤلاء علاقات قوية مع التيارات المتطرفة في مختلف الدول العربية والإسلامية الأخرى مثل جماعة الجهاد المصري وجماعة التكفير والهجرة، وتأثروا بتفكيرهم. وقد أصبح هذا التيار رافدًا من روافد العمل الإرهابي ليس في السعودية وحسب وإنما في باقي الدول العربية.
وقد استفاد هذا التيار الجهادي من عاملين مهمين خلال السنوات القليلة الماضية: الأول الفتاوى العديدة التي صدرت من بعض علماء المسلمين، وكانت تؤكد على تحريم تأييد الولايات المتحدة في حربها ضد أي دولة إسلامية في إطار حملتها ضد "الإرهاب"، كما أن بعض هذه الفتاوى أعلن تأييده للجهاد ضد الولايات المتحدة؛ وهو الأمر الذي دفع ببعض التيارات المعتدلة للانضمام إلى هذا التيار الجهادي، وسلك نهج العنف والتطرف انتقاما لضرب المسلمين في أفغانستان والعراق.
وثانيا استفاد هذا التيار من حالة الاستقطاب الداخلي في المملكة بين ما يعرف بتياري الليراليين والإسلاميين؛ فالتيار الليبرالي كثيرًا ما انتقد المقررات والأدبيات الدينية، وانتهز الفرصة للدخول في معركة أيديولوجية عنيفة مع التيار الإسلامي، فيما انتقد الأخير الخطاب السياسي لليبراليين، واتهمه بتبني أجندة خارجية. وقد استغل التيار الجهادي هذه الحالة من الاستقطاب الفكري، وبدأ يروج لخطابه ونجح في استقطاب عدد من السعوديين يؤمنون بفكره؛ وهو ما أدى إلى ظهور فكر التطرف بين العديد من الشباب السعودي.
وقد غيّر التيار الجهادي من إستراتيجيته التي كانت تقوم على استهداف العدو الخارجي لكي تشمل أيضًا استهداف بعض المنشآت المهمة في الداخل، وهو يتأثر في ذلك بفكر تنظيم القاعدة؛ فالأهداف التي كانت تنوي الخلايا الإرهابية السعودية تنفيذها -كما جاء في بيان وزارة الداخلية السعودية- هي نفسها الأهداف التي كثيرًا ما جاءت في رسائل بن لادن وأيمن الظواهري، وتدعو إلى استهداف المنشآت النفطية والوجود العسكري الأجنبي سواء في داخل المملكة أو خارجها. فمهاجمة المنشآت والمواقع النفطية في المملكة تعد أهدافًا مغرية للجماعات الإرهابية، باعتبارها ذات أهمية إستراتيجية عالية لا يمكن مقارنة قيمتها وأهميتها مع أي أهداف أخرى، كما أن أي هجوم على هذه المنشآت يحقق دعاية إعلامية لهذه الجماعات على المستوى الدولي، فضلا عن أن نسبة كبيرة من العاملين في هذه المنشآت (الخبراء والمهندسين والعاملين) هم من الأجانب وتحديدًا من الولايات المتحدة وبريطانيا، وهما الدولتان اللتان تناصبهما العداء هذه الجماعات الإرهابية.
أما عن استهداف القواعد العسكرية الأجنبية (الأمريكية) الموجودة في السعودية والمنطقة بصفة عامة فهو توجه عام للجماعات الإرهابية، على أساس أنها تمثل رمز القوة الأمريكية واليد الطولى لها، والأمثلة هنا عديدة، من أبرزها: حادث تفجير القاعدة العسكرية الأمريكية في مدينة "الخبر" بالسعودية في يونيو عام 1996 والذي راح ضحيته 19 جنديًا أمريكيًا، والانفجار الذي وقع بالقرب من مقر الحرس الوطني السعودي الذي يعمل فيه عسكريون أمريكيون في 13 نوفمبر 1995، وأسفر عن مقتل خمسة أمريكيين ومواطنين هنديين.
ثانيا: العامل الإقليمي
لهذا العامل دوره في إذكاء خطر التطرف المصحوب بالعنف في السعودية؛ فالخلايا الإرهابية "النائمة" في السعودية التي تم كشفها مؤخرًا لا يمكن فصلها بأي حال عن مجمل التطورات الخاصة بالامتداد "الشبكي" لتنظيم القاعدة في مناطق جديدة من العالم العربي، كان آخر حلقاتها المغرب والجزائر. بمعنى آخر فإن الخلايا الإرهابية السعودية – وإن كانت لا تنتمي تنظيميا للقاعدة المنظمة الأم- فإنها تنتمي أيديولوجيا لفكرها وتؤمن بمبادئها وتستخدم أدواتها في تنفيذ عملياتها الإرهابية. كما أن الأوضاع الأمنية المتدهورة في العراق ألقت بظلالها على ظاهرة التطرف والإرهاب في السعودية، بعد أن تحول "العراق المحتل" إلى قاعدة للعديد من الجماعات المتطرفة والإرهابية في المنطقة، وأصبح منطلقًا لعملياتها في دولها؛ فالأسلحة التي استخدمتها الخلايا الإرهابية التي نفذت تفجيرات الرياض الثلاثة (12/5 ـ 8/11/2003 ـ 21/4/2004) علاوة على تفجير "البقيق" 24/2/2006 تم تهريبها إلى الأراضي السعودية عبر الحدود العراقية.
وهذا يؤكد أن بيئة الأمن الداخلي العراقي لها تداعياتها على المحيط الجغرافي المجاور، خاصة السعودية ودول الخليج العربي، وهي سمة المنطقة منذ نشأة التيارات السياسية الحديثة؛ فالشيوعيون والقوميون والإخوان المسلمون وغيرهم قد امتلكوا تنظيمات وحركات ممتدة بين العراق والخليج.
بيد أن السنوات الأربع الماضية وهي عمر الاحتلال الأمريكي للعراق، أفرزت واقعًا جديدًا نجحت التنظيمات الإرهابية في استغلاله وتوظيفه لصالحها؛ وتحول العراق إلى بؤرة إقليمية جديدة بديلة لأفغانستان تنطلق منها العمليات الإرهابية ضد الولايات المتحدة والغرب ودول المنطقة؛ وهو ما دفعها إلى تشكيل قواعد خلفية داخل دول الخليج من خلال بناء تحالف مع العديد من الجماعات الأصولية في تلك الدول بالتعاون مع بعض الجماعات العراقية الداخلية، وذلك لإدارة ما تسميه "الحرب المقدسة" ضد الغرب.
وتتبنى هذه الجماعات ما يعرف بإستراتيجية "تشتيت الجهد"، وهي إستراتيجية تقضي بتوسيع العمليات الإرهابية في مختلف أنحاء العراق والخروج بها إلى خارج حدود البلاد نحو المحيط الخليجي المجاور؛ بهدف قطع الطريق على احتمال محاصرة الجماعات المسلحة داخل العراق، وفتح ثغرات في أي حزام أمني وقائي قد تلجأ إليه دول الخليج تنسيقًا مع السلطات العراقية.
وبالفعل، تحولت الساحة العراقية منذ بداية عام 2005 من معقل لإيواء المتطوعين العرب والمسلمين وتدريبهم واستيرادهم، إلى ساحة تخريج ومركز تصدير لهم إلى الدول الأخرى، خاصة المجاورة للعراق مثل السعودية والكويت والأردن. فبينما كانت مراكز أجهزة المخابرات الغربية تحاول رصد أماكن توزع هؤلاء المتطوعين وأعدادهم وتحركاتهم، إذا بها ترصد عمليات اختفاء بالجملة لمئات منهم، وقد اتضحت مخاطر ظاهرة "العائدين من العراق" عندما تفجرت الأحداث خلال شهري يناير وفبراير 2005 في أنحاء مختلفة من الكويت، ومن قبلها في السعودية والأردن والدار البيضاء وإستانبول ومدريد.
التطرف والمفهوم الضيق للأمن
وبرغم أن الطابع الأمني غلب على الإستراتيجية السعودية لمواجهة ظاهرة التطرف والإرهاب، حيث تم اتخاذ العديد من الإجراءات الوقائية كوضع ضوابط للحد من حمل السلاح المرخص داخل حدود الحرمين الشريفين وكذلك على بعد 500 متر من المناطق البترولية والعسكرية، إضافة إلى منع استخدام السلاح أو حمله في أثناء حفلات الزواج أو غير ذلك من الاحتفالات والتجمعات العامة، وتشديد الإجراءات الأمنية والرقابية على المواقع الحدودية بهدف ملاحقة المطلوبين وإفشال محاولاتهم للتهريب والتسلل، بتطبيق أحدث تقنيات بيانات "البصمة الحيوية" للتعرف على هويات المسافرين في المطارات والموانئ البحرية والمعابر الحدودية، فإن كافة هذه التدابير لم تكن كافية في مواجهة ظاهرة معقدة الأبعاد والجوانب وخاصة على المدى الطويل.
وهو ما دفع السلطات السعودية إلى إضافة بعض الوسائل في إستراتيجية المواجهة، من أبرزها اللجوء إلى العفو المشروط عن المتطرفين الإسلاميين الهاربين الذين يقومون بتسليم أنفسهم للسلطات والتراجع عن ممارسات وأفكار التطرف والعنف، وكذلك الاستعانة ببعض العلماء الذين بالرغم من تشدد بعض آرائهم فقد رفضوا توجه بعض الجماعات لأفكار العنف والإرهاب وممارستها.
لكن وفي إطار هذه الإستراتيجية أيضا، لا بد من أن يكون لعملية الإصلاح السياسي أهمية مضاعفة في مواجهة الإرهاب والفكر المتطرف الذي يقف وراءه، وذلك على أساس أن تطوير النظم السياسية باتجاه الديمقراطية والإصلاح السياسي هو شرط ضروري لزيادة قدرة هذه النظم على التعامل مع المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية، لتحقيق الأمن القومي بمفهومه الواسع، ومن ثم فهناك علاقة ارتباطية بين التطور باتجاه الديمقراطية والإصلاح السياسي وبين تحقيق الأمن القومي، سواء على مستويات الأمن الداخلي أو على مستوى صنع المخاطر والقدرة على التصدي لها. فمفهوم الأمن القومي المعاصر لم يعد يعتمد بالأساس في تحقيقه على القوة المادية (الأمنية والعسكرية) فحسب، وإنما على عناصر أخرى للقوة قد تزيد في أهميتها في كثير من الأحيان عن أهمية القوة العسكرية، كالقوة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية والبشرية، وهذه العناصر لا يمكن أن تتوفر إلا من خلال الآليات الديمقراطية وتبني إصلاحات سياسية.
وفي ضوء ذلك، فإن مسيرة الإصلاح السياسي التي شهدتها المملكة خلال السنوات القليلة الماضية والتي كانت أهم مظاهرها: إنشاء مركز للحوار الوطني، وإنشاء لجنة لحقوق الإنسان، وإنشاء أول هيئة للصحفيين السعوديين والأخذ بنظام انتخاب المجالس البلدية وتوسيع صلاحيات مجلس الشورى، تعد إحدى الآليات المهمة لمحاصرة الفكر المتطرف ومواجهة الإرهاب في المملكة، وهذا يؤكد العلاقة الجدلية التي تربط بين الأمن والإصلاح؛ فالإصلاح السياسي وفقًا لدوافعه الداخلية هو إشاعة التغيير والتطور السلمي بما يحول دون ظهور أية عوامل سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية تهدد الاستقرار والأمن، كما أن السعي لتحقيق الأمن والاستقرار كمطلب وطني داخلي يفرض اعتماد سياسات التغيير الديمقراطي والإصلاح السياسي، وليس فقط النظر إلى الأمن بمفهومه الضيق الذي يعني تركيز السلطات على الإجراءات الأمنية لفرض الانضباط داخل النظام وخضوع القوى السياسية كافة لأوامر السلطات الحاكمة، مثل هذا النوع من الأمن لا يحقق غير استقرار ظاهري خادع لا يعني في الواقع غير عدم الاستقرار.
وأخيرًا، فإن نجاح السلطات السعودية في مواجهة ظاهرة التطرف والإرهاب سيتوقف على موائمتها بين الاعتبارات الأمنية والاعتبارات الأخرى المتعلقة بالإصلاح السياسي والاقتصادي والتعليمي والديني على حد سواء، وإذا كانت المواجهة الأمنية تبدو فاعلة في المدى القصير، فإن الإسراع بوتيرة الإصلاح بمفهومه الشامل سيكون لها أثره الفعال في مواجهة التطرف والإرهاب على المدى المتوسط والبعيد.
باحث متخصص في الشئون الخليجية.
|