English

 

الخميس. يناير. 30, 2003

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عربية عامة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

مخطط تركيع أوبك

مجدي صبحي

على الرغم من أن حالة سوق النفط العالمية يسودها نوع من توازن القوى بين البلدان المنتجة والمستهلكة للنفط؛ بحيث لا يستطيع أي طرف أن يتجاهل الطرف الآخر عند التعامل في هذه السوق؛ فإن ما يهم الدول الغربية - وعلى رأسها الولايات المتحدة في وسط تزايد حاجتها لاستيراد النفط - هو القوة التي باتت تمتلكها منظمة الأوبك، وهي التي تؤهلها لفرض وجودها على الساحة النفطية العالمية.

ولا يمكن بالطبع أن نتجاهل حقيقة أن الولايات المتحدة باتت مهتمة أكثر من أي شيء آخر بمحاولة إضعاف هذه القوة الجديدة للأوبك، وهو ما يمكّن واشنطن وحلفاءها من تملكهم مزيدًا من القوة في سوق النفط العالمية؛ بحيث يعملون على خفض أسعار النفط إلى مستويات مقبولة من وجهة نظرهم حتى وإن كانت أعلى من تلك الأسعار المنخفضة التي تحققت في السابق.

فالأسعار انهارت في بعض الأوقات إلى نحو 10 دولارات للبرميل، ومع ذلك فالولايات المتحدة تعلم تماما أن الحقائق الموضوعية الصلبة في السوق النفطية العالمية لا تمكنها من فرض هذا السعر إن أرادت. والدليل على ذلك أن العديد من أطراف الإدارة الأمريكية السابقة أعلنوا قبل رحيلهم عن مقاعد الحكم بعدة أشهر أن سعر النفط المناسب من وجهة نظرهم ينبغي أن يتراوح بين 18-20 دولارا للبرميل.

ومن أجل إضعاف قوة الأوبك يمكن القول: إن مساندة الإدارة الأمريكية الحالية الواضحة لمعارضي الرئيس الفنزويلي "هوجو شافيز" يمكن تفسيرها في ضوء هذا الهدف الرئيسي لهذه الإدارة. كما يمكن القول: إن تهديدات إدارة الرئيس بوش بشن حرب ضد العراق، والتي بدأت مع دخوله البيت الأبيض تندرج تحت نفس هذا الهدف الرئيسي ذاته.

وبينما ضاعت جهودنا في محاولة تفسير الإصرار الأمريكي على خوض هذه الحرب، وكان السؤال المطروح منذ هذا الوقت: هل الحرب هي بسبب الرغبة الأمريكية في السيطرة على النفط أم لسبب آخر؟ وذلك بهدف يبدو نبيلا؛ هو محاولة نزع الدافع الأخلاقي أو القانوني عن التهديدات الأمريكية ضد العراق. لكن بغض النظر عن المبررات الأمريكية نجد أن شن الحرب -وفي حالة نجاح الولايات المتحدة في إقصاء نظام الرئيس صدام حسين- سيعني وضْعَ ثاني احتياطي نفطي في العالم (يبلغ حجمه حاليا نحو 112 بليون برميل قابلة للزيادة) تحت سيطرة الولايات المتحدة؛ وهو ما يمكن أن يغير من وضع المعادلة النفطية العالمية، وتمليك واشنطن للمزيد من أوراق الضغط في السوق النفطية العالمية التي تمكنها من تحييد قوة أوبك، أو الحد منها على الأقل؛ بحيث يمكن الوصول إلى أسعار في سوق النفط تقع ضمن النطاق الذي تراه واشنطن مناسبا.

نفط العراق تحت السيطرة

ويدعم الفكرة السابقة العديد من التصريحات والأنباء التي تخرج من الولايات المتحدة ذاتها؛ فقد ذكر وزير الخارجية الأمريكية كولن باول في بداية هذا الشهر "أن القوات الأمريكية إذا وقعت الحرب فستقوم بحماية آبار النفط العراقية، التي وصفها بأنها ملك الشعب العراقي". وأضاف أن "بلاده تنظر في احتمال زيادة إنتاج النفط العراقي أكثر مما ينص عليه برنامج النفط مقابل الغذاء؛ وذلك لتوفير الأموال اللازمة لإعادة البناء بعد الحرب".

ومضى قائلا: "إن قوات التحالف ستقوم بحماية آبار النفط لضمان أنها لمصلحة الشعب العراقي، ولضمان عدم تدمريها أو تخريبها من قبل النظام، وهو يتهاوى ويسقط".

ويترافق مع هذا التصريح ما ذكره بعض المحللين الأمريكيين من أنه لا تزال نسبة الواردات الأمريكية من نفط الشرق الأوسط عالية، أي حوالي 24 في المائة، وهي إن كانت نسبة أقل مما كان سائدا قبل نشوب حرب أكتوبر، ولكنها أكثر بنسبة الثلث قياسا بالسنوات القليلة الماضية. وذكر أحد رؤساء الشركات النفطية الأمريكية "اشترينا حصصا بقطر وعمان، حتى نجد لنا موطئ قدم بالشرق الأوسط، والقرارا ت التي اتخذناها بالتنقيب هناك، ربما لا تنفذ بعد 4 أو 5 أو عشر سنوات. لكننا نحتاج أن نجد لنا موقعا بالشرق الأوسط انتظارا لتلك اللحظة التي يعود فيها العراق وايران إلى الأسرة الدولية"، والمخاوف تتزايد من استمرار تزايد الاعتماد الأمريكي مستقبلا على نفط المنطقة أكثر من أي بقعة أخرى في العالم.

وإذا أدركنا أن الإنتاج العراقي من النفط حاليا يبلغ ما لا يزيد على مليوني برميل يوميا في ظل أسعار النفط السائدة وفقا لخطة النفط مقابل الغذاء، في حين أن طاقته الإنتاجية يمكن ببعض الاستثمارات أن تصل إلى 5 ملايين برميل يوميا في فترة زمنية قصيرة، لعلمنا ما يمكن أن تقدمه هذه الملايين الثلاثة الإضافية من ضغط على أسعار النفط خاصة أنها قد تترافق مع بدء تصدير النفط من منطقة بحر قزوين وبلدان آسيا الوسطى نحو أوروبا والولايات المتحدة.

سيناريوهات مختلفة

لكن ما سبق يتوقف بالطبع على نتائج الحرب إذا وقعت. وهنا نجد أننا أمام عدة سيناريوهات:

السيناريو الأول: هو حرب قصيرة خاطفة تحقق فيها الولايات المتحدة انتصارا عسكريا، وتنصب نظاما مواليا لها في العراق والأقرب للمنطق في هذه الحالة هو حدوث بعض الارتفاع في أسعار النفط خلال مدة الحرب ثم ينهار سريعا بعدها. وقد تستمر الأسعار في الانخفاض لفترة طويلة من الوقت مع عودة الشركات الأمريكية ذات القدرات التكنولوجية والمالية الضخمة للاستثمار في الحقول العراقية بما يمكن من زيادة حجم الإنتاج العراقي بسرعة نسبيا والحفاظ على طاقة إنتاجية مرتفعة لفترة طويلة من الوقت تبررها الثروة النفطية العراقية الضخمة.

السيناريو الثاني: هو وجود ردود أفعال انتقامية من قبل النظام العراقي في حالة امتلاكه للوسائل اللازمة تتمثل في إلحاق دمار ببعض الحقول النفطية في البلدان المجاورة خاصة الكويت والمملكة العربية السعودية. فحتى لو حققت الولايات المتحدة انتصارا عسكريا في نهاية المطاف فإنها ستكبد العالم خسائر كبيرة تتمثل في ارتفاع كبير في أسعار النفط تستمر لفترة من الوقت. ويعتمد ذلك إلى حد كبير على مدى الدمار الذي تم إلحاقه بالحقول النفطية في المنطقة والفترة الزمنية اللازمة لإصلاحها.

فمن المعروف أن الكويت قد استغرق فترة تتجاوز التسعة أشهر في إطفاء الحرائق التي تركها الجيش العراقي عند رحيله عن الكويت في عام 1991؛ وهو ما كان يعد زمنا قياسيا، حيث كان البعض قد تنبأ بأن الفترة قد تطول إلى ما يقترب من العامين حتى تستعيد الكويت قدراتها الإنتاجية السابقة على الغزو العراقي.

السيناريو الثالث: يعتمد على مدى المقاومة العراقية لآلة الحرب الأمريكية، وهو ما قد يعني عدم قدرة الولايات المتحدة على تنصيب نظام موالٍ لها بسرعة ومزيد من الفوضى داخل العراق. والنتيجة المرجحة لهذا السيناريو هي أولا طول فترة الحرب ثم عدم قدرة العراق على إنتاج مستوى كبير من النفط يتناسب مع ما ترغب فيه الولايات المتحدة. وهو ما يعني أن أسعار النفط قد ترتفع لفترة من الوقت أو قد لا تنخفض سريعا إلى المستويات التي ترغب فيها واشنطن بل تستمر ضمن النطاق السعري الراهن أي ما يتراوح بين 22 إلى 30 دولارا للبرميل.

السيناريو الرابع: هو ما يمكن أن نطلق عليه سياسة الأرض المحروقة، وهو السيناريو الذي يقاوم فيه النظام العراقي لفترة من الوقت، وإذا ما أدرك أن هزيمته واقعة فسوف يقدم على إلحاق دمار شديد بحقول النفط العراقية. وهو السيناريو الذي أشار إليه وزير الخارجية الأمريكي في التصريح المذكور سابقا. وفي ظل هذا السيناريو ستتزايد أسعار النفط لفترة طويلة من الوقت. وهي الفترة اللازمة لإصلاح هذه الحقول والعودة لإنتاج النفط العراقي، بل وزيادة مستوى الإنتاج بشكل يكفل تحقيق المستوى السعري المرغوب فيه أمريكيا.

ونحن لم نطرح هذه السيناريوهات في ظل فكرة معينة حول أيهم هو الأقرب للتحقق. ولكن غاية ما كنا نحاول لفت النظر إليه أن السيطرة على النفط العراقي كفيلة بتمكين الولايات المتحدة من استعادة زمام المبادرة في سوق النفط العالمي هذا من جهة، ومن جهة أخرى فقد كنا نريد لفت النظر إلى أن هذا الأمر بدوره مرتبط بعدد من الشروط قد لا تتوفر مع شن الولايات المتحدة لحربها التي تهدد بها ضد العراق.

فالولايات المتحدة في حقيقة الأمر لا تمتلك ما يفترض لها من سطوة في سوق النفط العالمي، ويكفي للدلالة على ذلك الإشارة إلى أن أسعار النفط السائدة في سوق النفط العالمي منذ ثلاثة أعوام على الأقل غير مرضي عنها من قبل واشنطن. كما أنه يكفي فقط الإشارة إلى التضارب الواضح بين الجهات البحثية الأمريكية والمتخصصين الأمريكيين حول مستقبل أسعار النفط، ما بين أطراف ترى أنها سوف تزيد على 40 دولارا للبرميل مع زيادة الاستهلاك خاصة مع حلول العقد القادم، وما بين أطراف أخرى ترى أنه سوف يكون هناك وفرة شديدة في النفط في العالم ستهبط بالأسعار إلى أقل من 15 دولارا للبرميل.

ويبقى المفتاح في نهاية المطاف مرتبطا بالحرب الأمريكية ضد العراق، ومجريات هذه الحرب، والنتيجة النهائية لها.


خبير اقتصادي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، وقد قام خلال عام 2005 بجولة صحفية في عدد من دول أمريكا اللاتينية، والتقى عددا كبيرا من المسئولين الرسميين في هذه الدول.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم