English

 

الاثنين. يوليو. 18, 2005

نماء » قضايا اقتصادية » مصر والسودان

 

مصر.. "الدعم" يصطدم بانتخابات الرئاسة

ممدوح الولي

ترشيد الدعم قد يزيد من موجة الغضب بين المصريين علي الحكومة
ترشيد الدعم قد يزيد من موجة الغضب بين المصريين علي الحكومة

لأن الحكومة المصرية تعرف منذ سنوات طويلة أن ما تنفقه لدعم بعض السلع يذهب جزء كبير منه لغير المستحقين؛ فقد أعلنت عن اتجاهها لترشيد الدعم، وصدرت تصريحات لقيادات حكومية تشير إلى النية في التحول من أسلوب الدعم لبعض السلع وبيعها بأقل من تكلفتها إلى الدعم النقدي من خلال توزيع مبلغ معين للأسر المستحقة للدعم.

إلا أن فكرة التحول إلى الدعم النقدي لم تجد قبولا شعبيا، كما لاقت عدم استحسان من جانب غالبية الخبراء الذين استندوا إلى دراسات للبنك الدولي تشير إلى استفادة الفقراء المصريين من الدعم، وأنه يمدهم بجانب كبير من السعرات الحرارية اللازمة، وأنه تسبب في خروج بعضهم من دائرة الفقر.

ويبدو أن هذه الدعوة جاءت في ظل توقيت من الصعب فيه على الحكومة اتخاذ أي قرارات خطيرة تمس حياة غالبية السكان في إطار الاستعدادات لانتخابات رئاسة الجمهورية في سبتمبر القادم (2005)، فإذا كانت فكرة ترشيد الدعم تتردد منذ ربع قرن فمن غير المعقول حسمها في تلك الفترة الحرجة، خاصة في ظل توالي ظهور عدد من التجمعات الشعبية المعارضة، والتي يمكن أن تستثمر هذه القضية ضد الحكومة.

ومن هنا فقد عادت الحكومة للتأكيد على استمرار الدعم للسلع التموينية، وإن كانت قد خفضت مخصصاته بالموازنة الجديدة (2005/2006) إلى 9.7 مليارات جنيه (الدولار يعادل 5.8 جنيهات)، مقابل 11.6 مليارا بالموازنة الماضية (2004/2005)، وفي الوقت نفسه تواصل استطلاع آراء الجمهور سعيا لخفض عدد السلع التي يتم حاليا توزيعها بالبطاقات التموينية، كما تواصل في الوقت نفسه إجراء دراسة كبيرة من خلال برنامج الغذاء العالمي لترشيد الدعم؛ بحيث يمكن تنفيذ توصياتها بعد الانتخابات.

بطاقات منذ الحرب العالمية

وتعود بدايات توزيع السلع من خلال البطاقات التموينية إلى الحرب العالمية الثانية، حينما أرادت سلطات الاحتلال الإنجليزي تأمين الاحتياجات الأساسية للسكان خلال الحرب، واستمرت هذه البطاقات بعد ثورة يوليو 1952 كمحاولة لتعويض بعض الفئات الفقيرة، وكذلك لتأمين حصول تلك الشرائح الفقيرة من السكان على بعض السلع دون التأثر بالموجات التضخمية المحلية والمستوردة في ظل استيراد جانب كبير من السلع الأساسية.

واتسع مجال السلع التي يتم دعمها خلال فترة السبعينيات من القرن الماضي؛ لتشمل: الدقيق والذرة والفول والعدس، وعلى فترات متقطعة: الحلاوة الطحينية والدواجن واللحوم والأسماك المجمدة والشاي والبن والزيت والمسلى الصناعي والأخشاب والجملاكا والصابون والمنظفات والأقمشة، حتى كان الاتفاق مع صندوق النقد الدولي على برنامج للإصلاح الاقتصادي عام 1976، استهدف خفض عجز الموازنة من خلال ترشيد الإنفاق العام.

وتطبيقا لذلك سعت الحكومة في يناير 1977 لإلغاء الدعم على بعض السلع، واقتصاره على ثلاث سلع أساسية هي: القمح والشحوم الغذائية والأقمشة الشعبية، بالإضافة إلى السلع التي توزع على البطاقات وإعانات المواصلات بالقاهرة والإسكندرية؛ سعيا لتوفير 277 مليون جنيه تمثل نسبة 16% من قيمة العجز الكلي بالموازنة حينذاك.

إلا أن أحداث الشغب التي حدثت نتيجة ذلك دفعت الحكومة إلى التراجع عن قرارات تقليص الدعم مع خسارة الاقتصاد نحو ملياري جنيه نتيجة عمليات التخريب للمرافق، ومنذ ذلك الوقت أصبح من الصعب على أي حكومة أن تقترب بجرأة من ملف الدعم، رغم توالي التصريحات التي تنادي بترشيد الدعم طوال السنوات الماضية.

وسائل لخفض الدعم

ولجأت الحكومات المتعاقبة إلى اتخاذ وسائل جانبية أخرى تهدف لتقليص الدعم، من خلال تقسيم البطاقات التموينية منذ عام 1981 إلى فئتين: خضراء تحصل على دعم كامل وهي موجهة للشرائح الفقيرة، وحمراء ذات دعم جزئي وهي خاصة بأصحاب الدخول الأكبر نسبيا.

ومنذ عام 1989 امتنعت مكاتب التموين بالمحافظات عن إضافة مواليد جدد إلى البطاقات التموينية، ومن هنا فإن المواليد الجدد منذ ذلك الوقت لا يحصلون على مقررات تموينية؛ حيث يبلغ عدد الأفراد المقيدين بالبطاقات 40 مليون فرد من إجمالي 70 مليونا يمثلون مجموع السكان. كما قامت مكاتب التموين أكثر من مرة بتنقية قوائم المسجلين بالبطاقات من الوفيات والمسافرين للخارج، كذلك اتجهت إلى تقليل عدد السلع التي يتم دعمها حتى اقتصرت على ثلاث سلع هي: الدقيق والسكر والزيت.

ومع قرار تحرير سعر الصرف في يناير 2003 الذي أدى إلى زيادة كبيرة في أسعار السلع.. قامت الحكومة بإضافة سبع سلع على البطاقات التموينية التي كانت مقصورة على الزيت والسكر والدقيق فقط؛ ليضاف لها الفول والعدس والأرز والمكرونة والشاي والمسلى النباتي وكمية إضافية من الزيت. وساهمت تلك السلع الإضافية بالفعل في إحداث توازن للأسعار لتلك السلع بالسوق؛ حتى إن بعضها شهد انخفاضا طفيفا، إلا أن الأسعار ظلت أعلى بكثير مما كانت عليه قبل تحرير سعر الصرف.

ونظرا لزيادة مخصصات الدعم بالموازنة العامة من 8 مليارات جنيه عام 2003/2004 إلى 15.6 مليارا عام 2004/2005 تشكل السلع التموينية الجانب الأكبر منه؛ فقد رغبت الحكومة في تقليص مقررات الدعم التمويني خاصة بعد هدوء الأزمة، مستفيدة من تضرر الجمهور من قلة جودة بعض السلع الإضافية التي لا تتوافق مع الأنماط الاستهلاكية لبعض السكان، مثل العدس والفول حيث لا يوجد إقبال على العدس خلال الصيف.

وكذلك ارتفاع نصيب الخبز من الدعم؛ حيث بلغ نصيبه عام 2004/2005 نحو 7.1 مليارات جنيه من إجمالي دعم السلع التموينية البالغ 11.6 مليار جنيه، وهو السلعة المتاحة للجميع بل الأغنياء يستهلكون منه كميات أكثر من الفقراء.

فقراء بلا بطاقات

وعاد الحديث من جديد عن مساوئ نظام الدعم السلعي، وأنه لا يستهدف الفقراء، وأن ثلثي الدعم يذهب لأغنى 60% من السكان، ودللوا بدراسات تشير إلى أن 11% من أفقر 20% من الأسر المصرية ليس لديهم بطاقات تموينية، ونفس الأمر لنسبة 16% من نسبة الـ20% التالية من الأسر المصرية الفقيرة.

وعلى الجانب الآخر فإن نسبة غالبة من الأسر الغنية لديها بطاقات تموينية؛ بل وبطاقات كان أكثرها بطاقات خضراء ذات الدعم الكلي!، وذكروا أيضا أن الخبز المدعم يستفيد منه 75% من غير الفقراء، بينما يستفيد منه 66% من الفقراء.

وبدأ مركز معلومات مجلس الوزراء يعد دراسات عن كيفية التحول إلى الدعم النقدي بتحديد مبلغ 99.5 جنيها شهريا لكل أسرة من الأسر الفقيرة، على اعتبار أن نسبة الفقر 20.1%، وعدد الأسر الفقيرة 2.97 مليون أسرة حسب الأرقام الرسمية؛ لتصل التكلفة الإجمالية إلى 3.5 مليارات جنيه سنويا، وهو ما يخفف الأعباء عن الموازنة التي بلغت مخصصات دعم السلع التموينية بها 11.6 مليار جنيه.

إلا أن تنفيذ أسلوب الدعم النقدي يحتاج إلى حملة قومية للتوعية به لإقناع الجمهور، وكذلك إلى كيان مؤسسي يتولى تحديد الفئات المستهدفة والمبالغ المقررة للأسر، إلى جانب إيجاد بنية أساسية مصرفية للصرف قريبة جغرافيا من أماكن المستفيدين، وهي أمور صعبة في ظل غياب المعلومات التفصيلية عن الفقراء في مصر، خاصة مع تزايد الاقتصاد غير الرسمي، وعزوف الجمهور عن التصريح بالدخول الحقيقية لهم، ويخشى البعض من الدعم النقدي الذي يمكن من خلاله أن تتوجه نسبة من مبالغه إلى السجائر.

تقليص الدعم بالأجل القريب

ومن هنا يبقى الخيار الأقرب في الأجل القريب هو الإبقاء على الدعم السلعي مع ترشيده باستبعاد عدد من السلع الإضافية بالبطاقات التموينية مثل: العدس، والفول والمسلى الصناعي، والاهتمام بتنقية البطاقات لتقليل أعداد المستفيدين، خاصة أنه في ظل انقطاع أصحاب البطاقات الحمراء ذات الدعم الجزئي عن صرف المقررات التموينية يتم إلغاء بطاقاتهم.

كما بدأت الاستعدادات لصرف المقررات التموينية بإحدى المحافظات المصرية من خلال كروت ممغنطة؛ في محاولة لتقليل التلاعب في الصرف من جانب البقالين التموينيين؛ تمهيدا لتطبيقها في محافظات أخرى، كما أن المجال متاح لخفض النفقات من خلال تقليل الفاقد عمليات النقل والتخزين للسلع التموينية.


صحفي اقتصادي، نائب مدير تحرير صحيفة الأهرام المصرية

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم