|
بدأت منظمة المؤتمر الإسلامي كمنتدى سياسي، حيث نشأت في الرباط عاصمة الملكة المغربية في 25/9/1969 عقب محاولة إسرائيل إحراق المسجد الأقصى في القدس الشرقية، وقد اختيرت جدة حينذاك كمقر مؤقت للمنظمة إلى حين إكمال تحرير القدس.
وعلى الرغم من ذلك؛ فقد أدرك من البداية أن العمل السياسي المشترك الفعال ينبغي أن يدعم ويكمل بعمل اقتصادي مشترك واسع النطاق. وفي الواقع؛ فإن ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي الذي تم إقراره في فبراير 1972 أكد على ضرورة التعاون لتحقيق التقدم الاقتصادي، والحاجة إلى مساعدة الدول الأعضاء لتطوير وتنمية مقدراتها الإنتاجية بمعدل سريع. وبهذا؛ فقد تم التمهيد لبدء عملية تنسيق جاد بشأن القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي من أجل اكتشاف مجالات التعاون الممكنة، التي من شأنها توثيق العلاقات فيما بينها ودعم قوتها، ليس فقط من أجل تحقيق أهدافها السياسية المبدئية والعاجلة، ولكن أيضًا من أجل تمهيد الطريق لتحقيق التكامل الاقتصادي باعتباره الهدف النهائي.
أول مبادرة لتعاون الجنوب-الجنوب
وفي هذا الإطار؛ فقد اتخذت عدة مبادرات متتالية من جانب منظمة المؤتمر الإسلامي لوضع القضايا الاقتصادية على أجندة المؤتمرات الإسلامية السنوية لوزراء الخارجية، وللاضطلاع بأنشطة تعاون اقتصادي وفني واسع النطاق.
وهكذا؛ فإنه يمكن القول إن منظمة المؤتمر الإسلامي تعد من المبادرين بالدعوة إلى تعاون الجنوب – الجنوب في المجال الاقتصادي، حيث إن عولمة هذه الفكرة قد جاءت بعد ذلك بقليل عندما أدركت دول الجنوب أن التعاون فيما بينها ممكنًا، وأن من شأنه تعزيز وتقوية وضعها في مواجهة القوى الاقتصادية الدولية على الصعيد العالمي.
ولقد جاءت البداية الحقيقة مع مؤتمر القمة الثاني، حيث قام رؤساء وملوك دول المنظمة في إعلان لاهور في فبراير 1974 بالإشارة إلى التطورات الاقتصادية الدولية والقضايا الاقتصادية الجارية التي تواجه الدول النامية ودول منظمة المؤتمر الإسلامي، والحاجة بالتالي إلى عمل اقتصادي مشترك في إطار المنظمة. وقد صادف ذلك تاريخيًا التطورات الإيجابية في أسواق البترول العالمية، والتي أدت إلى عوائد ضخمة لعدد كبير من الدول الأعضاء في المنظمة. ومن ثَمَّ فتح قرار لاهور أفقًا جديدًا لدول المنظمة من أجل إقامة ودعم وتعزيز أنشطة التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء في زمن قصير نسبيًا. وهكذا فإنه في تعاقب سريع توالت القرارات الجديدة الصادرة عن المؤتمرات السنوية لوزراء الخارجية؛ لتغطي مجموعة متنوعة من الموضوعات الاقتصادية. وتم الاضطلاع بوجه واع لإقامة مؤسسات ووكالات متخصصة عديدة ألحقت بمنظمة المؤتمر الإسلامي من أجل العمل في المجال الاقتصادي.
البنية المؤسسية للتعاون الاقتصادي
في هذا الإطار، يمكن رصد العديد من التطورات المتتابعة التي شكلت في النهاية تطورًا مؤسسيًا هامًا على صعيد المنظمة بهدف التعامل مع وتحقيق التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء.
وكانت الخطوة الأولى على هذا الطريق متمثلة في إقامة "صندوق التضامن الإسلامي عام 1974؛ لتشجيع التعاون الاقتصادي بين الدول الإسلامية؛ ولتقديم الدعم المالي للجهود المختلفة في المجالات الاقتصادية والفنية والمؤسسية والتعليمية والثقافية في العالم الإسلامي.
وفي العام نفسه، تم إنشاء أول منظمة مالية إنمائية إسلامية "البنك الإسلامي للتنمية" في أغسطس 1974، والذي بدأ العمل في العام التالي، وبالتحديد في أكتوبر 1975، وكان إنشاء البنك بمثابة اعتراف وإدراك لحقيقة أن الدعم المالي بالفلسفة الصحيحة وفي الاتجاه الصحيح وبالشروط المناسبة والملائمة إنما هو عنصر جوهري للتنمية.
والغرض من البنك – وفقًا لوثائقه – هو تعزيز ودعم التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي للدول الأعضاء والمجتمعات الإسلامية، سواء بشكل منفرد أو بشكل جماعي؛ وفقًا لمبادئ الشريعة (القانون الإسلامي).
أما وظائفه؛ فتتمثل في المساهمة في رؤوس أموال المشروعات ومنح قروض للمشروعات الإنتاجية، إلى جانب تقديم المساعدة المالية للدول الأعضاء في أشكال أخرى لأغراض التنمية الاقتصادية والاجتماعية. كذلك يقوم البنك بإنشاء وإدارة صناديق لأغراض محددة من بينها صندوق لمساعدة الجماعات المسلمة في الدول غير الأعضاء. كذلك يختص البنك بقبول الودائع Deposits وتعبئة الموارد المالية من خلال صيغ تتفق والشريعة الإسلامية. وهو أيضًا مكلف بالمسئولية عن المساعدة في دعم التجارة الخارجية خاصة في السلع الرأسمالية بين الدول الأعضاء، وتقديم المساعدة الفنية للدول الأعضاء، وتوفير فرص التدريب للمسئولين عن الأنشطة الإنمائية في الدول الإسلامية لتتفق مع الشريعة.
وتضم العضوية الحالية للبنك 53 دولة، والشرط الأساسي لعضوية البنك هو أن تكون الدولة الراغبة في العضوية عضوًا في منظمة المؤتمر الإسلامي، وتكتب في رأس مال البنك وتقبل الشروط التي يقررها مجلس المحافظين.
وجدير بالذكر أن مجلس محافظي بنك التنمية الإسلامي قد عقد اجتماعًا خاصًا في جدة في يوليو 1992؛ تم خلاله اتخاذ قرار بزيادة رأس مال البنك من أجل زيادة قدرته على مواجهة المطالب المتزايدة للدول الأعضاء. وقد زاد رأس المال من 2 بليون دولار أمريكي إلى أكثر من 8.4 بليون دولار أمريكي.
لجنة الشؤون الاجتماعية
واستمرارًا للمسيرة التأسيسية لمنظمة المؤتمر الإسلامي؛ فقد تم إنشاء "اللجنة الإسلامية للشئون الاجتماعية والثقافية والاقتصادية" كلجنة فنية تضم ممثلين عن الدول الأعضاء لدراسة أنشطة التعاون الاقتصادي والثقافي، وعمل توصيات بشأنها من أجل تقديمها للاجتماعات السنوية لوزراء الخارجية لاتخاذ القرارات النهائية بشأنها.
وقد تلا ذلك قيام اجتماعات مجموعة الخبراء بتناول القضايا المختلفة، وتم إعطاء الأولوية للقضايا الهامة والعامة والملحة. وفي هذا الإطار؛ قامت سلسلة من مجموعات الخبراء بمناقشة وصياغة التوصيات بشأن الموضوعات الهامة المختلفة ذات الاهتمام المشترك.
وقد أعقب ذلك إنشاء عدد من المؤسسات المتخصصة بشكل متلاحق وسريع، كان من أهمها:
- مركز الدول الإسلامية للبحث والتدريب الاجتماعي والاقتصادي والإحصائي في أنقرة – تركيا – (sesrtcic ).
- المركز الإسلامي للتدريب والبحث الفني والمهني (ictvtr) والذي أصبح يعرف الآن بالمؤسسة الإسلامية للتكنولوجيا (iit) في داكار – بنجلاديش.
- المركز الإسلامي لتنمية التجارة (icdt) في كازبلانكا بالمغرب.
- المؤسسة الإسلامية للعلوم والتكنولوجيا والتنمية (ifstad) في جدة – السعودية.
- الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية (iaib)، الذي طرح فكرة التعاون في إطار القطاع الخاص، والذي تبعه إنشاء الغرفة الإسلامية للتجارة والصناعة وتبادل البضائع الذي أصبح يعرف الآن "بالغرفة الإسلامية للتجارة والصناعة (icci) وهدفها تشجيع المشروعات المشتركة بين القطاعات الخاصة في الدول الإسلامية.
وهكذا؛ فإنه مع نهاية السبعينيات كانت مبادرات التعاون الاقتصادي تتوالى بسرعة، محددة النماذج والأنماط العامة للعمل.
العمل الإسلامي المشترك
ومع مطلع الثمانينيات انعقد مؤتمر القمة الثالث لمنظمة المؤتمر الإسلامي في مكة والطائف (يناير 1998) وكان تجمعًا هامًا في تاريخ المنظمة؛ حيث تبنى إعلان مكة والطائف، والذي تمثلت المقولة المحورية التي دار حولها في الحاجة إلى تجميع أنشطة منظمة المؤتمر الإسلامي في المجالات المختلفة حول مفهوم أساسي وهو "العمل الإسلامي المشترك".
وتجسيدًا لهذا المفهوم؛ فقد اتخذ المؤتمر إجراءين هامين لتنمية وتطوير التعاون الاقتصادي:
الأول: تمثل في تحديد عشرة مجالات باعتبار أن لها الأولوية في التعاون الاقتصادي وذلك في إطار "خطة العمل للتعاون الاقتصادي بين الدول الإسلامية" والتي رسمت الخطوط العامة للعمل المستقبلي لمنظمة المؤتمر الإسلامي حتى تتمكن الدول الإسلامية في مرحلة مبكرة وبطريقة منظمة – من تحقيق الوحدة والتكامل الاقتصادي من أجل خير الجميع.
الثاني: تمثل في إقامة "اللجنة الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري" (comcec)، وتفويضها في متابعة وتنفيذ القرارات التي تتخذها المؤتمرات الإسلامية، ودراسة كل الوسائل الممكنة لتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في المجالات الاقتصادية والتجارية، ووضع البرامج وإقرار المقترحات التي تطرح لزيادة المقدرات الاقتصادية والتجارية للدول الإسلامية. وقد تمكنت اللجنة الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري من خلال اللقاءات السنوية المنظمة التي يحضرها وزراء الاقتصادي، ليس فقط من تحقيق تقدم ملحوظ على صعيد أجندتها الأولية التي ركزت على قضايا التجارة، ولكنها أيضًا عقدت اجتماعات وزارية في مجالات الزراعة، والصناعة، والنقل والاتصالات، والطاقة، والتعاون الفني، والبنية التحتية، والأعمال العامة.
إلى جانب ذلك؛ فقد شهدت هذه الفترة انعقاد عدة اجتماعات لمحافظي البنوك المركزية، وكذلك عدد كبير من الاجتماعات لمجموعات الخبراء بشأن موضوعات وقضايا اقتصادية عديدة.
أجندة شاملة.. ولكن!!
وهكذا يمكن القول بأن منظمة المؤتمر الإسلامي قد نجحت منذ نشأتها وحتى نهاية الثمانينيات في تطوير أجنده شاملة للقضايا الاقتصادية تغطي معظم القطاعات الاقتصادية ومجالات التعاون المختلفة، كذلك نجحت في إقامة وتطوير هيكلها المؤسسي الضروري لتقديم الدعم الفني والتنظيمي للأنشطة التي تهدف إلى تعزيز وتنمية التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء. وفي هذا الإطار قامت السكرتارية العامة، وكل المؤسسات المتخصصة والمعاونة والتابعة، بتقديم إسهاماتها لتحقيق هذا الهدف، وأجريت الدراسات المكثفة بشأن القضايا الهامة المحددة واتخذت القرارات الخاصة بالعمل المشترك على أعلى المستويات. أيضًا عمدت المنظمة إلى إرساء إطار قانوني شامل؛ لتسهيل تحقيق التعاون بين الدول الأعضاء على أوسع نطاق. وفي هذا المجال، تم تطوير الاتفاقية العامة للتعاون واتفاقية أخرى لتشجيع الاستثمارات ووضعا موضع التنفيذ. كذلك تم الانتهاء من صياغة الكثير من الاتفاقيات وفتحت للتوقيع، من بينها على سبيل المثال: الاتفاقية الإطارية لإنشاء النظام التفضيلي للتجارة بين دول المنظمة the framework Agreement for the establishment of trade preferential (OIC).
اتحادات مهنية مختلفة. وأخيرًا؛ فإن العضوية في منظمة المؤتمر الإسلامي والمشاركة في الأنشطة المختلفة ساعدت على تطوير مناخ إيجابي، وأوجدت الفرص التي من شأنها دعم العلاقات الاقتصادية الثنائية بين الدول الأعضاء.
كلية الاقتصاد- جامعة القاهرة
*نشر هذا المقال بالتعاون مع حولية "أمتي في العالم"؛ وهو تقرير دوري يعنى بشئون العالم الإسلامي، ويصدر عن مركز الحضارة للدراسات السياسية بالقاهرة، ت : 002027356543
|