|
مبلغ الـ300 مليون دولار الذي اقترحته الإدارة الأمريكية الثلاثاء 25-2-2003 ضمن ميزانية الحرب تعويضًا لمصر عن خسائرها من العدوان على العراق، أثار التساؤل حول حجم الخسارة المصرية من هذه الحرب، وهل سيغطي هذا المبلغ أو حتى المعونات الأمريكية السنوية المخصصة لمصر الأضرار المتوقعة أم لا؟
غير أنه قبل الإجابة على هذه التساؤل لا بد من لفت النظر إلى أن التقدير الكمي الدقيق للخسائر يتحدد بمدة الحرب؛ فكلما طالت فإن الخسائر تزداد، والعكس صحيح. كما أنه لا بد من إيضاح أن هذه الخسائر ليست نتيجة مباشرة للحرب فقط؛ فبعضها جاء كنتيجة تراكمية؛ فالاقتصاد المصري منهك أصلاً، ويعاني من عجز مستمر بميزان المدفوعات طوال السنوات الخمس الأخيرة، وكذلك من عجز مزمن بالموازنة العامة للدولة، بلغت نسبته بالعام المالي الأخير 12% من الناتج المحلى الإجمالي، يضاف إلى ذلك ارتفاع حجم الديون الداخلية والخارجية، وندرة عرض العملات الأجنبية؛ وهو ما أوجد سوقًا سوداء للصرف منذ عام 1998 وحتى الآن.
الخسائر المصرية
بحساب الخسائر المصرية من العدوان على العراق؛ فسوف تفقد مصر معظم دخلها من السياحة التي ظلت تجلب لها حوالي 3.6 مليارات دولار كمتوسط سنوي خلال السنوات الخمس الماضية، إلى جانب تأثر الصناعات المحلية المرتبطة بالسياحة، والتي قدرتها منظمات عالمية بنحو 55 صناعة محلية مع انخفاض أعداد السياح القادمين، خاصة من أوروبا التي تشكل الرافد الأول للسياحة لمصر نتيجة افتقاد عوامل الأمان بالمنطقة. وتتوقع وزارة السياحة المصرية أن تصل خسائرها من العدوان إلى ملياري دولار(*).
كما ستفقد مصر جانبًا من صادراتها السلعية، خاصة أن العراق كان يتقبل حوالي 20% من صادراتها في مجالات الأدوية والصناعات الغذائية والهندسية، كما كانت توجد تعاقدات معه بحوالى 4.2 مليارات دولار للسنوات المقبلة، وهي الصادرات التي تساهم في فتح بيوت آلاف المصريين، بل إن بعض الشركات المصرية كانت تخصص إنتاجها بالكامل للعراق.
انخفاض التحويلات
كذلك ستخسر جانبًا كبيرًا من تحويلات المصريين العاملين بالخارج التي بلغ متوسطها السنوي 3.4 مليارات دولار خلال الأعوام الخمس الأخيرة، خاصة مع تأثر اقتصاديات الدول التي يعملون بها، وعودة بعضهم لمصر بسبب ظروف الحرب. ومن ناحية أخرى سينضم بعض هؤلاء إلى طوابير البطالة داخل البلاد.
أيضًا سيقل دخل قناة السويس التي تدر سنويًا حوالي 1.8 مليار دولار نظرًا لوجود سفن حربية أمريكية بالبحر الأحمر؛ وهو ما يزيد من مخاطر مرور السفن بالمنطقة؛ الأمر الذي زاد من تكلفة التأمين على السفن والبضائع المارة بتلك المنطقة؛ وهو ما يدفع كثيرًا من ناقلات البترول والسفن لاتخاذ طرق بديلة.
وسيقل الدخل من خدمات النقل الجوي والبحري للطائرات والسفن الأجنبية التي انخفض عددها مع الحرب، وهي الخدمات التي تدر سنويًا حوالي تسعمائة مليون دولار، إلى جانب تأثر الحرف والصناعات والعمالة المرتبطة بخدمات السفن، والموجودة خارج المواني نتيجة تراجع أنشطة المواني. ويتوقع خبراء أن تنخفض عائدات هذه القطاعات إلى النصف بسبب الحرب.
خروج من البورصة
كما ستخسر مصر معظم الاستثمارات الأجنبية بنوعيها المباشر وغير المباشر؛ حيث بلغ المتوسط السنوي للاستثمارات المباشرة في صورة إنشاء مشروعات جديدة أو شراء نسب كبيرة في شركات قائمة حوالي تسعمائة مليون دولار خلال السنوات الخمس الأخيرة، ونفس التراجع للاستثمارات الأجنبية غير المباشرة بالبورصة المصرية بشراء الأسهم والسندات المصرية، بل إن استثمارات الأجانب التي خرجت من البورصة المصرية خلال الفترة من يوليو إلى سبتمبر من العام 2002 -وهي آخر أرقام رسمية معلنة- بلغت 188.5 مليون دولار في ثلاثة أشهر.
كذلك ستزيد تكلفة فاتورة الواردات المصرية نتيجة ارتفاع أسعار الشحن وتكلفة التأمين على السفن والبضائع، خاصة وقد بلغت قيمة الواردات خلال العام المالي الأخير 14.6 مليار دولار، ولزيادة تكلفة الواردات انعكاسات على زيادة معدلات ارتفاع الأسعار المحلية، وعلى ارتفاع أسعار السلع الوسيطة والسلع الرأسمالية التي ستؤدي إلى زيادة سعر المنتجات المصنعة محليًا، ولهذا أثره في زيادة تكلفة سلع التصدير، وانخفاض عوامل المنافسة بالنسبة لها.
تضرر 81% من الموارد
وباستعراض باقي موارد النقد الأجنبي لمصر لا نجد -حسب أرقام العام المالي الأخير- سوى 1.9 مليار دولار من البترول، و1.1 مليار دولار تحويلات رسمية، و938 مليون دولار كدخل من فوائد ودائع الجهاز المصرفي بالخارج، و188 مليون دولار كمتحصلات حكومية من الرسوم التي تتقاضاها القنصليات المصرية بالخارج. وهكذا تشكل تلك المصادر الأربعة المتبقية نسبة 19% فقط من إجمالي موارد النقد الأجنبي البالغة 21.4 مليار دولار؛ وهو ما يعني التأثر الشديد للعوامل التي تشكل نسبة 81% من موارد النقد الأجنبي لمصر.
وهكذا سيزيد العجز بميزان المدفوعات، وهو العجز المستمر منذ خمس سنوات، والذي يتم سداده من صافي الاحتياطيات من النقد الأجنبي لدى البنك المركزي. وهو أمر يجيء في ظل ندرة للدولار بالسوق؛ وهو ما ترتب عليه وجود سوق سوداء للدولار منذ عام 1998 وحتى الآن. (وصل سعر الدولار في السوق السوداء إلى 6.30 جنيهات).
أيضًا سيزيد العجز المزمن بالموازنة العامة للدولة؛ حيث توقعت الحكومة عند عرض موازنة العام المالي الحالي على مجلس الشعب في شهر مايو 2002 أن يصل إلى 30.1 مليار جنيه (5 مليارات دولار تقريبا) كفارق بين الإيرادات والمصروفات، إلا أن تطورات الأحداث المحلية خلال عام 2003 أدت إلى أنه في جانب النفقات بالموازنة هناك اضطرار لزيادة الدعم للحفاظ على أسعار السلع الأساسية للمواطنين بعد ارتفاع سعر الصرف، كذلك الحاجة لزيادة الأجور لتعويض الموظفين جزئيًا عن ارتفاع الأسعار.
ارتفاع الدين الداخلي
أيضًا ستزيد تكلفة أقساط وفوائد الدين المحلي في ظل التوسع الحالي في طرح أذون الخزانة لامتصاص السيولة من السوق، وكذلك رفع أسعار فائدة أذون الخزانة من 4.5% في منتصف يناير 2003 إلى 11.5% في الأسبوع الثالث من مارس 2003.
كما ستزيد تكلفة أقساط وفوائد الدين الأجنبي مع ارتفاع سعر الصرف. والجدير بالذكر أن تكلفة أقساط وفوائد الدين الداخلي والخارجي بالموازنة الحالية بلغت 38.2 مليار جنيه (7 مليارات دولار تقريبا)؛ وهو ما يمثل ضعف ما تم تخصيصه للاستثمارات البالغ 19.3 مليار جنيه (3.5 مليارات دولار تقريبا)، كذلك تصاعد الدين المحلي الإجمالي إلى 343.5 مليار جنيه (57 مليار دولار تقريبا) بنهاية سبتمبر 2002، وبلغ إجمالي الدين الخارجي 28.3 مليار دولار بنفس التوقيت.
على الجانب الآخر بالموازنة الخاصة بالإيرادات فسوف تقل إيرادات الضرائب العامة وضرائب المبيعات، وكذلك أرباح الشركات والبنوك، في ظل استمرار الركود، وإغلاق السوق العراقية أمام الصادرات المصرية.
كما ستتأثر حصيلة الخصخصة بسبب الركود ونقص السيولة، وهي الحصيلة التي تم رصد 5 مليارات جنيه كإيرادات متوقعة لها بالموازنة، بينما كانت حصيلة البيع لشركات قطاع الأعمال العام خلال عام 2002 كاملاً 71 مليون جنيه فقط (11.5 مليون دولار).
كل هذه الخسائر بالقطاعات المصرية يتوقع حدوثها، وبعضها بالفعل بدأ يتفاعل في الواقع، خاصة في قطاعات السياحة والنقل الجوي والتعاملات التجارية مع العراق، ورغم عدم وجود رقم أعلنته رسميا الحكومة يقدر خسائر كل قطاع على وجه الدقة؛ فإن مركز دعم واتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء قدر إجمالي هذه الخسائر بحوالي 48 مليار جنيه تقريبا (أي 8 مليارات دولار تقريبا)، وهو رقم يستند -طبقا لوجهة نظر البعض- إلى التصور المصري للحرب على العراق أنها ستكون قصيرة، أما الآن فمع المقاومة العراقية العنيفة للأمريكيين فربما تطول الحرب، وبالتالي ترتفع هذه الخسائر.
الضرر أكبر من المعونة
في مقابل هذه الخسائر فإن التعويض الأمريكي لمصر يتضمن عدة عناصر، منها ما هو عاجل مثل الـ300 مليون دولار التي اقترحتها الإدارة الأمريكية على الكونجرس لتعويض مصر، يضاف إلى ذلك حجم المساعدات الأمريكية لمصر البالغة سنويًا 615 مليون دولار كمساعدات اقتصادية تقل سنويًا بنحو أربعين مليون دولار (المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر تصل لـ1.2 مليار دولار سنويا).
وبالنسبة لباقي جوانب العلاقات الاقتصادية الأمريكية المصرية؛ ففي العام المالي الأخير استقبلت الولايات المتحدة نسبة 39% من إجمالي قيمة الصادرات المصرية بقيمة 2.6 مليار دولار، محتلة للمركز الأول جغرافيا بين دول العالم المستقبلة للصادرات المصرية، بينما بلغت قيمة الواردات المصرية من الولايات المتحدة 3.7 مليارات دولار بنسبة 25% من إجمالي واردات مصر في المركز الثاني بعد الاتحاد الأوروبي الذي احتل مكان الصدارة. وهكذا حقق الميزان التجاري لمصر مع الولايات المتحدة فائضًا للولايات المتحدة بنحو 1.1 مليار دولار.
استثمارات محدودة
وفي الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي دخلت مصر خلال العام المالي الأخير احتلت الولايات المتحدة المركز الثاني بعد فرنسا، بقيمة 159 مليون دولار مقابل 208 ملايين دولار لفرنسا. وبالنسبة للسياحة فإن التوزيع النسبي للسياح القادمين لمصر يشير إلى أن نسبة السياح من دول أمريكا الشمالية الثلاثة (الولايات المتحدة وكندا والمكسيك) معًا بلغ 3% فقط من إجمالي عدد السياح القادمين لمصر (أي بقيمة مالية تبلغ 112 مليون دولار من إجمالي قيمة الدخل السياحي المصري)، بينما كانت الصدارة للسياح الأوربيين بنسبة 69% من الإجمالي.
وفيما يخص التحويلات الخاصة من البلاد التي جاءت منها تحويلات خاصة للمصريين العاملين بالخارج؛ فقد احتلت الولايات المتحدة المركز الأول، بقيمة 956 مليون دولار بنسبة 34% من الإجمالي، إلا أن النصيب النسبي لدول الخليج بلغ 46%، وهي عمومًا تحويلات عمالة مصرية، وليست تحويلات رسمية من تلك الدول.
وبمقارنة بسيطة بين الخسائر المصرية والتعويضات الأمريكية سواء أكانت عاجلة أو حتى معونات وعلاقات اقتصادية بين الطرفين.. سنجد أن الجانب المصري خاسر في كل الأحوال، فلو قارنا بين ما قالته جهات رسمية عن إجمالي الخسائر المصرية قد يصل إلى 8 مليارات دولار، في مقابل ما تستفيده مصر من أمريكا، باستثناء المعونة العسكرية (300 مليون دولار، 615 مليون مساعدة سنوية، 956 مليون للتحويلات، 159 مليون استثمارات مباشرة، 112 مليون سياحة من أمريكا بدولها)، أي إجمالي الاستفادة المصرية يصل إلى 2.142 مليار دولار، وهي استفادة يخصم منها الفائض في الميزان التجاري في صالح أمريكا، ويصل 1.1 مليار دولار؛ أي تصل في النهائية الاستفادة المصرية من الولايات المتحدة إلى1.042 مليار دولار، وبطرح هذا الرقم الأخير من الـ8 مليارات حجم الخسائر المصرية فسوف تصل الخسارة الصافية من العدوان على العراق إلى مبلغ يقترب من السبعة مليارات دولار.
وهكذا فالمعونة العاجلة والسنوية الأمريكية ومجمل العلاقة الاقتصادية المصرية مع أمريكا لا تكفي الضرر الذي سيقع على مصر من العدوان على العراق.
نائب مدير تحرير الأهرام - مصر
|