|
| بناء العراق من جديد ليس أمرا سهلا للمحتلين
|
بعد أن هدأت العاصفة، وكادت الحرب على العراق أن تضع أوزارها، يمكن القول إن مهمة إعمار العراق تكاد لا تقل في مشقتها عن تلك التي صاحبت وقوع الحرب ذاتها؛ وذلك نظرًا للواقع الصعب الذي تعانيه مختلفات القطاعات الاقتصادية والاجتماعية العراقية. وتثار التساؤلات حول مدى قدرة الحكومة الجديدة التي ستحل في العراق على مدى الاستجابة لتحديات عملية الإعمار، خاصة في ظل الخلافات التي تتزايد تعقيداتها وتشابكها كل يوم حول طبيعة الأطراف التي ستساهم في عمليات الاعمار، فضلاً عن المجالات التي سيتم البدء بها والتكاليف المتوقعة لها. ولعلّ ما يثير المخاوف هو أن تتجه أغلب مخصصات الإعمار إلى التركيز فقط على القطاع النفطي دون غيره من القطاعات، وهو ما قد ينذر بوقوع كارثة جديدة في العراق على غرار تلك التي حلّت بأفغانستان بعد انتهاء الحرب الأمريكية عليها.
وواقع الأمر فإن معظم القطاعات العراقية تعاني من آثار دمار عنيفة سواء نتيجة لما خلفته مرحلة العقوبات الدولية عليها، أو نتيجة لما تركته الحرب الأخيرة من تدمير لبقية البنية التحتية، وهو ما يتطلب جهودًا شاقة لإعادة ترميمها، وهو ما ينبئ بأن مهمة إعادة الإعمار لن تكون بالسهولة المتوقعة. وللتعرف على طبيعة المعوقات التي قد تعترض عمليات إعمار العراق تجدر الإشارة إلى الحقائق التالية:
الأوضاع الاجتماعية
يعاني العراق من أوضاع اجتماعية سيئة للغاية لم يمر بها أي مجتمع عربي من قبل وهو ما توضحه مؤشرات التعليم والصحة والتنشئة الاجتماعية، فعلى سبيل المثال يوجد بالعراق نحو 4.5 ملايين طفل، تتراوح نسبة الأمية بينهم بين 30 - 40%، ويحاول أغلبهم الالتحاق بالعمل لمساعدة عائلاتهم على تلبية حاجاتها الضرورية؛ وذلك وفقًا لتقرير بمجلة "ميس" الاقتصادية مارس 2003.
ووفقًا لـ "ميس" فتبلغ نسبة الملتحقين بالتعليم الأساسي نحو 7% فقط من إجمالي الأطفال العراقيين، كما أن الكتب والمناهج الدراسية لم يتم تحديثها منذ عام 1989، وحدث تراجع في التعليم الصحي والطبي بصورة واضحة، فضلاً عن نقص الكفاءات العلمية والتعليمية الملائمة. وليس أدل على ذلك من الانخفاض الكبير في عدد الفيزيائيين العراقيين منذ انتهاء حرب الخليج الثانية عام 1991، كما أن استهلاك الوحدات الحرارية التي كانت مقررة للفيزيائي العراقي قد تناقص بنسبة 70% عن عام 1979.
ولذا فقد يواجه العراق مشكلة في توفير الكوادر المؤهلة والمدربة لقيادة عمليات الإعمار والإصلاح، خاصة أن أغلب الكفاءات من الطبقتين المتوسطة والعليا قد هجرت البلاد؛ وهو ما أدى إلى افتقار البلد إلى القدرات البشرية اللازمة للاضطلاع بعمليات الإعمار. ورغم تردد الحديث حول المخططات التي أعدتها الولايات المتحدة لإصلاح النظام التعليمي في العراق، فإن هذه الخطط سوف تصطدم بهذا الواقع البشري المؤلم.
وقد أدت الحرب مع إيران ومن بعدها الحرب على الكويت وانتهاء بفترة العقوبات الدولية، إلى فشل كل جهود التنمية التي بُذلت خلال العقد النفطي وهو عقد السبعينيات. في نفس الوقت يعاني الاقتصاد العراقي من ترهل واضح في مختلف قطاعاته، ويكفي أن نشير في هذا الصدد إلى أن متوسط الدخل القومي حاليًّا لا يتجاوز من 15 - 20% مقارنة به عام 1979، وفي الوقت الذي كان يتراوح فيه معدل الدخل الفردي السنوي ما بين 4000 - 5000 دولار خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي، يصبح الآن محظوظاً من يصل دخله السنوي إلى 800 دولار خاصة في وسط وجنوب العراق.
وقد نجم عن هذه الأوضاع المأساوية بروز العديد من الظواهر الاجتماعية السيئة، ومنها ارتفاع معدلات الجريمة والفساد التي تجلت مظاهرها بوضوح في أعمال السلب والنهب التي أعقبت سقوط النظام العراقي واختفاء السلطة المركزية في بغداد. فضلاً عن ارتفاع معدلات البطالة والتي تفوق حاليًّا 50%، واضطرار قطاعات عريضة من السكان إلى بيع أثاث منازلهم وأجزاء من بيوتهم من أجل توفير الأموال اللازمة لشراء الغذاء والدواء، في حين تدنت معدلات الشعور بالأمن والاستقرار داخل المجتمع.
مشاكل الرعاية الصحية
أدت فترة العقوبات الاقتصادية التي فرضت على العراق طوال عقد التسعينيات من القرن الماضي إلى ضعف شديد في مستويات الرعاية الصحية نتيجة لانخفاض مستوى الإمكانات الطبية والصحية. وليس أدل على ذلك من أن معظم أطفال العراق يعانون حاليًا من سوء التغذية والتي وصلت نسبتها إلى ما بين 30 - 40% بينهم. ولم يشفع لهم برنامج "النفط مقابل الغذاء" التابع للأمم المتحدة في توفير الأدوية والأغذية اللازمة خاصة في منطقة الجنوب، حيث يعيش معظم الأفراد عند الحد الأدنى للمعيشة.
كما أن النظام الصحي في العراق قد تعرض للانهيار بعد أن كان هو الأفضل بين دول المنطقة، حيث رحل معظم الأطباء عن البلاد، فضلاً عن أن هناك نقصًا كبيرًا في الأدوية التي يحتاجها الشعب العراقي، وذلك على الرغم من جهود برنامج النفط مقابل الغذاء.
كما أن الأدوية ليست متوافرة لجميع قطاعات الشعب، بل لمن يستطيع الدفع فقط؛ وذلك نظرًا لوجود سوق سوداء تساهم في ارتفاع تكاليف الأدوية المختلفة. ولعلّ ذلك ساهم في رفع معدل الوفيات خاصة بين الأطفال، وذلك نظرًا لظهور أنواع عديدة من الأوبئة والأمراض المتوطنة ومنها على سبيل المثال "الملاريا، وشلل الأطفال، والرمد، والأزمات القلبية..."، كما أن العراق يُعَدّ حاليًّا من أكثر الدول ارتفاعًا في معدلات التدخين على مستوى العالم.
انهيار القطاع الزراعي
تعرض القطاع الزراعي للعراق للتدمير والإهمال خاصة منذ مطلع التسعينيات من القرن المنصرم، ولم تَعُد الزراعة قادرة على سد احتياجات السكان والذين ينمو عددهم بنسبة تتراوح ما بين 2 - 2.5% سنويًّا. فضلاً عن هذا فإن برنامج "النفط مقابل الغذاء" قد أثّر سلبًا على أوضاع المزارعين، حيث أدى إلى جلب واستيراد محاصيل ومنتجات زراعية بأسعار رخيصة تنافس الأسعار الداخلية، وهو ما أفقد المزارع العراقي القدرة على المنافسة، وبالتالي الشعور بالإحباط وإهمال الأراضي الزراعية. فضلاً عن النقص الكبير في متطلبات العملية الزراعية من معدات وآلات وبذور جيدة، وارتفاع ملوحة الأرض جراء أساليب الري غير المدروس.
كما أثرت الحرب الأمريكية الأخيرة على الأراضي الزراعية العراقية، وهو ما قد تتضح آثاره فيما بعد، وذلك نتيجة للقاذفات الصاروخية التي طالت معظم تلك الأراضي وهو ما قد يؤثر عليها من ناحيتين: الأولى من خلال تدمير مساحات كبيرة من الأراضي الصالحة للزراعة، والثانية من خلال التأثير على نوعية الإنتاج الزراعي مستقبلاً نتيجة تأثر الأراضي بالإشعاعات التي نجمت عن استخدام أحدث الأسلحة مثل قاذفات بي 52، وصواريخ توماهوك.
مشكلة الديون العراقية
رغم اختلاف التقديرات حول حجم الديون التي تسبب فيها النظام العراقي السابق، فإنها تقدر بمليارات الدولارات، ومن شأنها أن تمثل معضلة لمن سيتولى عملية إعمار العراق، وذلك على الرغم من المشاورات التي تدور حاليًّا حول تنازل بعض الدائنين عن أجزاء من ديونهم لدى العراق.
وتشير أغلب التقديرات إلى أن الحجم الكلي للديون العراقية قد يربو على نحو 300 مليار دولار، في حين تشير مجلة ميس MEES الاقتصادية المتخصصة في أحدث تقاريرها حول الديون العراقية إلى أن حجم الديون الخارجية للعراق يتراوح ما بين 103.5 - 129.4 مليار دولار لا تشمل تعويضات حرب الخليج الثانية والتي يقدرها البعض بنحو 44 مليار دولار. وبغضّ النظر عن حقيقة تلك الأرقام فإن ما يلفت النظر في هذا الصدد هو كيف سيتم سداد هذه المليارات في ظل الاحتياج الشديد لإصلاح القطاعات الاقتصادية الأخرى التي دمرتها الحربان الأمريكيتان على العراق ومن قبلهما الحرب العراقية الإيرانية، وذلك في ظل ناتج محلي إجمالي من المتوقع ألا يتعدى 50 مليار دولار سنويًّا تأتي جميعها من عائدات النفط العراقي.
ونتيجة لمدى تأثير هذه القضية الشائكة فقد استحوذت على اهتمام مختلف المؤسسات العالمية والقوى الاقتصادية الكبرى، حيث دعا البنك وصندوق النقد الدوليين إلى ضرورة إعادة جدولة ديون العراق في إطار "نادي باريس"، كما طالبا بضرورة تخلي بعض الدول الكبرى مثل فرنسا وروسيا عن بعض ديونهما لدى العراق حتى لا تتحمل الحكومة الجديدة أعباء هذه الديون وتتفرغ لإعادة الإعمار.
وفي واقع الأمر هناك الكثير من الشكوك التي تحيط بإمكانية الاتفاق حول شطب بعض الديون العراقية؛ وذلك نتيجة للتداخل السياسي مع الاقتصادي في مسألة إعادة الإعمار في العراق؛ وهو ما يعني أن الدول التي قد توافق على شطب جزء من ديونها لدى العراق ستطالب بلعب دور أكبر في صوغ مستقبل العراق السياسي؛ وذلك لضمان مصالحها المستقبلية خاصة المصالح النفطية، فضلاً عن ضمان بعض عقود الإعمار لشركاتها التي تتحين الفرصة للولوج لهذا البلد المنهك تمامًا.
وكدليل واضح على مدى الاستئثار الأمريكي بنصيب الكعكة في إعمار العراق، تطالب بعض الأصوات في الإدارة الحالية المتطرفة بأن تقتصر عقود الإعمار على الشركات الأمريكية وبعض الشركات في الدول الحليفة مثل بريطانيا وبولندا، في حين يمكن لبقية القوى أن تساهم في إعمار العراق من خلال إسقاط جزء من ديونهم عن كاهل الإدارة الجديدة التي ستحكم العراق، وقد جاء التعبير عن هذا الاتجاه صراحة من خلال اقتراح نائب وزير الدفاع الأمريكى بول وولفوفيتز بأن تقوم كل من فرنسا وألمانيا وروسيا بشطب ديونها الضخم لدى العراق كأسلوب للمساهمة في إعادة إعمار العراق، وهو ما يعبر عن قمة الصفاقة الأمريكية.
الانقسام حول توزيع الكعكة العراقية
وضح جليًّا منذ اندلاع الحرب على العراق أن الولايات المتحدة سوف تحتكر عملية الاعمار برمتها وأن الشركات الأمريكية سوف تستأثر دون غيرها بمعظم عقود الإعمار، وهو ما أثار حفيظة بقية الشركات العالمية خاصة تلك التي تنتمي للدول الحليفة التي شاركت في الحرب وساهمت في تحمل بعض من تكلفتها وعلى رأسها الشركات البريطانية.
ومن المفارقات أن تُصِرّ الولايات المتحدة على الاضطلاع بعمليات إعمار العراق، دون إعطاء أي دور يذكر للأمم المتحدة سوى مجرد المساهمة في تقديم المساعدات الإنسانية، في الوقت الذي لم تعبأ فيه بمحاولات الإعمار في أفغانستان أو غيرها من البلدان التي أنهتكها الحروب والنزاعات.
وعلاوة على الخلاف الذي نشأ بين واشنطن ولندن حول طبيعة الأدوار في مرحلة إعمار العراق، فقد بدت بعض الخلافات بين واشنطن وبقية العواصم العربية والأوروبية حول الاعتماد على النفط في تمويل عمليات إعادة الإعمار والتي قد تتعدي 100 مليار دولار، وهو الخلاف الذي أشارت إليه جريدة الواشنطن بوست الأمريكية أوائل شهر إبريل 2003 حين أوضحت أنه في الوقت الذي تخطط فيه الإدارة الأمريكية للاعتماد على عائدات النفط لإعادة بناء العراق، وهو ما أثار حفيظة بعض القوى الأوروبية والشرق أوسطية حول مدى شرعية الولايات المتحدة في إدارة منشآت النفط العراقية، وما يعنيه ذلك من تحقيق مصالح الشركات الأمريكية أكثر من الشروع في عمليات إعادة البناء والإعمار. وواقع الأمر فإن عمليات إعادة الإعمار ستكون بمثابة المرآة التي ستكشف حقيقة النوايا الأمريكية تجاه العراق وهو ما لا يمكن لأي عاقل أن يتجاهله.
خبير اقتصادي مصري
|