|
| الخليج يدفع ثمن الاحتلال
|
أبو ظبي- يبدو أن إعادة العراق إلى سوق النفط بكامل طاقته بعد احتلاله من قبل الولايات المتحدة ستكون وبالا على الدول المصدرة للنفط وفي مقدمتها دول الخليج الست، خاصة أن أمريكا بعد هذا الاحتلال تنوي رسم سياسة نفطية جديدة تهوي بأسعار البترول إلى أدنى مستوى يقدره المراقبون ما بين 10 إلى 15 دولارًا للبرميل دون أن ينازعها في ذلك أحد.
وقد بدت مؤشرات انخفاض الأسعار واضحة بعد الحرب؛ حيث تراجع سعر خام برنت في لندن إلى 23.97 دولارًا للبرميل في الأسبوع الأخير لشهر إبريل الجاري 2003 بعدما كان قد تجاوز 30 دولارًا خلال شهر مارس 2003.
ورغم محاولات أوبك لخفض الإنتاج للسيطرة على الأسعار فإن بعض المراقبين يرون صعوبة الحفاظ على السعر الحالي، خاصة في ظل رغبة أمريكية في تقليص دور أوبك. والسؤال الآن: كيف يمكن أن يكون احتلال نفط العراق وبالا على دول الخليج التي فتحت أراضيها لقوات الاحتلال؟
العراق بديل مضمون
يشير تقرير نشرته صحيفة "الفانينشيال تايمز" البريطانية في عددها الصادر الخميس 13 مارس 2003 إلى أن حاجة الولايات المتحدة الأمريكية إلى تأمين مصادر بترول يمكن الاعتماد عليها بدت ملحة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ فقد تزامن مع ذلك أن علت أصوات في أوساط اليمين الأمريكي تطالب بضرورة تحجيم الاعتماد على المملكة العربية السعودية؛ استنادًا إلى الحجة الرائجة بأن 15 من أصل 19 من المنسوب إليهم التورط في أحداث سبتمبر.. سعوديون (المعروف أن أمريكا تعتمد على سدس احتياجاتها من النفط من السعودية)، ثم زاد من إلحاح إيجاد مصادر نفط بديلة وفق ما تؤكده الصحيفة ما أحدثته أزمة فنزويلا (محاولات الإطاحة بالرئيس الفنزويلي بمعاونة أمريكية) من حجب أكثر من 15% من الصادرات البترولية للولايات المتحدة.
هذه الأسباب ربما عجلت من مخططات احتلال العراق المعدة سلفًا؛ فالعراق يمكنه ضخ كميات كبيرة من النفط في السوق تهوي بأسعاره إلى مستوى معقول من وجهة النظر الأمريكية.
كما أنه -بحسب خبراء تحدثوا للفانيانشيال تايمز- يمكنه خلال 5 سنوات أن يحتل المركز الأول من حيث إنتاج النفط، ويحل محل السعودية التي تملك احتياطيًا مقداره 260 مليار برميل توازي أكثر من 20% من الاحتياطي العالمي، ذلك إذا ما أعيد رسم الخريطة النفطية العراقية من جديد، وضخ استثمارات كبيرة للتطوير والاكتشافات.
واستنادًا إلى تقرير قدمته الولايات المتحدة وبريطانيا لمجلس الأمن، وتسربت بعض تفاصيله للصحافة الغربية (الجارديان ونييورك تايمز) قدرت الدولتان قيمة مساهمة عائدات النفط العراقية في تكاليف الحرب وإعادة الإعمار بنحو 40 مليار دولار؛ حيث سيصدر العراق حوالي 2.3 مليون برميل يوميا (لم يصدر العراق منها سوى 1.7 مليون برميل يوميًا، وفق برنامج النفط مقابل الغذاء الذي بدأ عام 1996) على أن ترتفع إلى 3.6 ملايين برميل بحلول نهاية 2004.
أي أن العراق سيضخ للسوق العالمية ضعفي ما كان يضخه سابقًا قبل تتم أي عمليات تطوير لحقوله أو محاولة اكتشاف حقول جديدة، وبالتالي فإن ضخ مثل هذه الكميات ستؤدي بطبيعة الحال إلى انخفاض أسعار النفط لمستويات متدنية للغاية تتراوح بين 10 و15 دولارًا للبرميل.
عجز "أوبك"
هناك من يعتقد أن منظمة الدول المصدرة للنفط "الأوبك" يمكنها مواجهة تراجع الأسعار من خلال الالتزام بحد أدنى للأسعار كانت قد حددته سلفًا ما بين 22 و28 دولارًا –أي نحو 25 دولارًا كمتوسط سعر– لكن التجربة العملية تثبت عكس ذلك، وتؤكد أنها لم تنجح مرة في ضبط السعر صعودًا أو هبوطًا إلا إذا كانت القوى الكبرى في أمريكا والغرب الصناعي لا تمانع ذلك أو على الأقل لا تشعر بخطر كبير جراء زيادة الأسعار أو حتى بقائها عند معدلات معقولة.
فحين تراجعت أسعار النفط في الأسواق العالمية وهبطت بصورة كبيرة إبان هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وخسر سعر برميل النفط أكثر من 25% من قيمته.. وقفت المنظمة ككتلة ترعى مصالح أعضائها صامتة أمام الضغوط الشديدة التي تعرضت لها دول أوبك لخفض سعر النفط؛ حتى إن سعر البرميل هوى إلى أقل من الحد الأدنى ليصل في أكتوبر 2001 إلى نحو 18.54 دولارًا؛ فقد كان بقاء أسعار النفط عند معدلاتها المتوسطة كارثة على الولايات المتحدة الأمريكية، والدول الصناعية الكبرى تضاعف تكاليف الحرب عليها، وتصل بها إلى حد لا يحتمله الاقتصاد الأمريكي المهتز أساسًا؛ لذلك لم توفر هذه الدول وسيلة لممارسة ما بوسعها من ضغوط على منتجين كبار في أوبك وخارجها لإبقاء الأسعار منخفضة حتى تضمن إمدادات رخيصة لحملتها العسكرية وتخفيض تكاليف الحرب في أفغانستان إلى أقل مستوى.
وتدلل هذه التجارب على أن المنظمة لن يمكنها مواجهة انهيار الأسعار المتوقع بعد أن يبدأ العراق في ضخ إنتاجه من النفط في السوق العالمية. وبالتالي فليس أمام الدول المصدرة للنفط إلا أن تتكيف مع السياسة النفطية الجديدة بآليات داخلية، ليس بينها العمل علي الصعود بالسعر بل العمل على التكيف الهيكلي لاقتصادياتها، والحد من الإنفاق في دولها.
أمام هذه الصورة ما هي التداعيات التي ستلحق بدول الخليج الست باعتبارها تمثل أكثر من نصف عضوية الدول المصدرة للنفط "أوبك"؟
عجز كبير في الموازنات
تفاوتت البيانات النهائية للموازنات السنوية لدول مجلس التعاون الخليجي لعام 2002 عن تلك البيانات التي أُعلنت في بداية عام 2001. وقد جاء هذا التفاوت نتيجة لأن موازنات عام 2001 احتسبت على أساس 16 دولارًا كمتوسط لسعر برميل النفط، في حين احتسبت موازنات العام الذي يليه على أساس سعر متوسط للبرميل 24 دولارًا نتيجة للكثير من التطورات السياسية والأمنية في منطقة الخليج والشرق الأوسط خلال هذا العام.
وحسب تقرير أصدره مصرف الإمارات الصناعي حول مؤشرات الموازنات في دول الخليج وتأثيرات أسعار النفط؛ فإن زيادة سعر النفط إلى 24 دولارًا في حساب ميزانيات عام 2002 شجع دول الخليج دون استثناء على زيادة مصروفاتها العامة، وأدى إلى انخفاض ملموس في العجز الإجمالي لهذه الدول ليبلغ 6.5 مليارات دولار، مقابل 17.4 مليار دولار عام 2001.
وبالتأكيد فقد كان لارتفاع المصروفات وانخفاض العجز تأثيرات إيجابية على مجمل تطورات الأوضاع الاقتصادية في دول التعاون؛ فقد أعلن العديد من هذه الدول عن اعتماد مشاريع إضافية، وبالأخص في مجال البنية التحتية والخدمات العامة، كما ساهمت هذه التطورات في تنشيط بعض القطاعات الاقتصادية تزامنًا مع ارتفاع الإنفاق الحكومي على المشاريع المختلفة.
وبالرغم من أن تقرير مصرف الإمارات نفسه قد بدا متفائلا حين حدد سعر برميل النفط بعد الحرب واحتلال العراق بين 16- 18 دولارًا للبرميل؛ فإن توقع ارتفاع العجز في الموازنات الخليجية عام 2003 بنسبة حادة تصل إلى 44% تقريبًا، وذلك وفق الموازنات المعلنة.
وإذا كانت كل الدلائل تشير إلى انخفاض أسعار البترول عن هذه المستوى بكثير لتتراوح بحسب مراقبين بين 10 و15 دولارًا للبرميل؛ فإن الكارثة كبرى على دول الخليج كافة؛ حيث سيتجاوز حجم العجز المعلن في الموازنات الخليجية الأرقام الواردة في هذه الموازنات.
وأشار التقرير إلى أن انخفاض أسعار البترول بصورة كبيرة من شأنه أن يقلل من معدل الإيرادات التي أشارت إليها بيانات الموازنات العامة لدول مجلس التعاون الخليجي عام 2003، فبرغم أن هذه البيانات توقعت أن يرتفع إجمالي حجم الإيرادات بنسبة 26.5% ليصل إلى 95.5 مليار دولار في العام الحالي، مقابل 75.5 مليار دولار في العام الماضي؛ فإن اعتماد الدول الخليجية على أكثر من 70% من إجمالي إيراداتها على النفط سيبدد هذه التوقعات، وسيتجه بحجم الإيرادات نحو انخفاض شديد قد يقل عن حجمها عام 2001، ذلك إذا ما صحت توقعات معظم الخبراء حول انهيار أسعار النفط إلى ما دون 15 دولارًا للبرميل؛ وهو ما سيزيد من الأعباء المالية على الموازنات الحكومية في هذه البلدان لا سيما في ظل استمرار التوجهات الخاصة بتحمل الدولة لكافة تكاليف الخدمات ومرافق البنية التحتية، والتي تتضاعف في فترات زمنية قصيرة نسبيًا نتيجة للزيادات السكانية التي تفوق معدلاتها العالمية.
ومما يعقد من المشكلة أن بيانات الموازنات الخليجية نفسها أشارت -دون أن تأخذ في الاعتبار مواجهة أعباء الحرب على العراق- إلى أن إجمالي المصروفات في الدول الخليجية سيرتفع بنسبة تصل إلى نحو 30%؛ أي ما قيمته 120 مليار دولار في عام 2003، مقابل 92.6 مليار دولار في عام 2002.
السعودية الأكثر تضررًا
وإذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي الست تشترك في نفس المصير؛ فإن المملكة العربية السعودية تظل الأكثر تضررًا، ليس فقط لأنها ستواجه منافسة كبيرة مع العراق الذي يأتي في المرتبة الثانية واللاحقة لها من حيث احتياطات النفط، بل نتيجة لتراكم من العجز المالي الممتد عبر سنوات والوضع الذي لا يحتمل انهيارًا جديدًا في أسعار السلعة التي تشكل مصدرها الأساسي للدخل.
فالمملكة التي تنتج 8.5 ملايين برميل يوميا (ارتفع إنتاجها إلى ما بين 9.5 إلى 10 ملايين برميل يوميا أثناء العدوان على العراق) كانت تتعامل مع أسعار النفط التي تتراوح بين 21 و22 دولارًا للبرميل باعتباره الحد الأدنى المقبول لمواجهة حاجات الاقتصاد السعودي الأساسية، وبالتالي فإذا هوى هذا الحد المقبول إلى النصف أو أكثر قليلا فمعنى ذلك أن حاجات مهمة في الاقتصاد السعودي ستتأثر بصورة ربما يصح القول معها بأنها ستكون مفزعة؛ فمن المعروف أن انخفاض دولار واحد في سعر البرميل يعادل خسائر ما بين 27 إلى 28 مليار دولار في السنة.
وبالتالي فمن المفزع -على ما يبدو- أن يخسر الاقتصاد السعودي المليارات من إيراداته الرئيسية؛ وهو الأمر الذي سيترتب عليه فتور في الاقتصاد، وانخفاض في حجم التشغيل، وزيادة في عدد العاطلين عن العمل الذين تبلغ نسبتهم حاليا حوالي 18%... وما لذلك من تداعيات سياسية واجتماعية كثيرة، لا سيما أن المملكة تعاني من عجز سنوي في ميزانيتها بلغ في ميزانية 2002-2003 حوالي 39 مليار ريال سعودي (أي حوالي 10.4 مليارات دولار)؛ حيث قدرت الميزانية نفقات المملكة بمبلغ 209 مليارات ريال (55.7 مليار دولار)، في حين بلغت إيراداتها العامة 170 مليار ريال (أي حوالي 45 مليار دولار).
وكان العجز الفعلي في ميزانية عام 2002 قد بلغ حوالي 21 مليار ريال (أي حوالي 5.6 مليارات دولار)، في حين كان قد بلغ 45 مليار ريال (12 مليار دولار) في ميزانية عام 2000.
ومن هنا وبعد أن أصبح أمر السيطرة علي نفط العراق واقعًا لا محالة لم يعد أمام دول الخليج سوى الاستعداد -ومن الآن- لتطبيق برامج للتقشف وخفض الإنفاق الحكومي، كما لا بد من إعادة تهيئة مجتمعاتها لضرورة الاعتماد على الذات في سوق العمل، والتخلي عن مظاهر الرفاهية التي اعتادوا عليها، لا سيما أن تراجع مصدر الدخل الرئيسي لهذه البلدان سينعكس بطبيعة الحال على نصيب الفرد منه؛ بحيث ينخفض متوسط دخل الفرد إلى مستويات لم يتعودها وقد لا يحتملها؛ وهو الأمر الذي يحمل الكثير من المخاوف لمستقبل هذه البلدان السياسي والاجتماعي قبل مستقبلها الاقتصادي.
مراسل موقع إسلام أون لاين.نت في الإمارات
|