English

 

الأحد. ديسمبر. 26, 1999

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عربية عامة

 
روابط خارجية

باكستان:المحكمة العليا تقود انقلابًا اقتصاديًا

Image

في خطوة تاريخية يوم الخميس الماضي 23/12 أصدرت المحكمة العليا بباكستان حكمًا بالإجماع ينص على منع التعامل المالي بجميع أشكال الفائدة المعمول بها حاليًا في البنوك وغيرها على اعتبار أنها مخالفة لنصوص الشرع والدستور، وتقع تحت بند الربا المحرَّم، وترجع أهمية الحكم إلى كون المحكمة العليا أعلى جهة قضائية في باكستان، وإلى البرنامج المحدَّد المتدرج الذي تضمنه الحكم للتخلص من التعامل الربوي.

مكافحة الربا ...محطات تاريخية

تاريخ "الحرب" المعلنة والخفية بين قوانين الربا والتوجه الإسلامي يرجع إلى الأيديولوجية الإسلامية التي تقف وراء إنشاء جمهورية باكستان الإسلامية في 1947م، ثم غدا مطلبًا جماهيريًا بعد تبلور برامج التيار الإسلامي، وبروز أكثر من تجربة عملية لتطبيق مفهوم التعامل المالي اللاربوي؛ وقد مرت هذه الحرب بمحطات تاريخية هامة:

-1980: الحكومة الباكستانية -وبتوجيهات من رئيس الجمهورية آنذاك الجنرال ضياء الحق- تعلن عزمها إلغاء التعامل بالربا، وتحرك "آلية" التطبيق.

-1981: المجلس الأعلى للفكر الإسلامي في باكستان -وهو الجهة الرسمية العليا للاستشارات الدينية- يقضي ببطلان قانون الفائدة الذي سُنّ في 1839م، ويدعو إلى تهيئة الأجواء لتنقية التعاملات المالية من الربا، غير أن وزير المالية آنذاك غلام إسحاق خان -الذي أصبح رئيسًا فيما بعد- يقف في وجه تنفيذ القرارات الخاصة بالموضوع.

- 1992: محكمة الشريعة الفيدرالية تصدر قرارها التاريخي الذي يصف جميع أنواع الفائدة بأنها ربا، والحكومة الباكستانية برئاسة نواز شريف تلجأ إلى الاستئناف ضد القرار.

- 23 /12/ 1999: المحكمة العليا تقر -بالإجماع- حكم محكمة الشريعة الفيدرالية بربوية جميع أنواع الفائدة.

الحكم... نصًا ومعن

ينص الحكم على إبطال التعامل بجميع أنواع أسعار الفائدة، وحتى يوضح الحكم مفهوم الربا، فقد أوضح أنه يشمل ثلاثة أنواع من التعامل:
1 - تبادل عن طريق المقايضة مع كون السلع من نفس الجنس، ولكن المقادير غير متساوية، أو أن التسليم من أحد الطرفين يكون مؤجلاً.
2 - تبادل عن طريق المقايضة مع كون السلع من جنسين مختلفين، ويكون التسليم من أحد الطرفين مؤجلاً.
3 - تعامل نقدي -أي مال مقابل مال- بمقادير غير متساوية؛ سواء كان التبادل عاجلاً أم آجلاً.
 وقد أوضح حكم المحكمة أن النوع الثالث والأخير هو السائد في المعاملات المعاصرة، وهو المقصود أساسًا بحكمها.
The embedded asset does not exist:
Asset Type: Image_C
Asset Id: 1177156133869
PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic

وهذا التعريف المحدَّد الذي قدمته المحكمة للربا يشمل جميع الأنشطة التجارية، بما فيها أنشطة البنوك، وشركات التمويل، وعمليات الحكومة للاستفادة من بنود التمويل عن طريق سندات الدين العام والدين الخارجي؛ أي قطاعات المصارف والأسهم والسندات، مما يعني أن جميع هذه الأنشطة "وهي تغطي المساحة الاقتصادية بالكامل" ستكون مطابقة لأحكام الشريعة اقتداء بتجارب أخرى لاقت نجاحًا في أنحاء مختلفة من العالم، مما دفع بالمحكمة العليا -بعد استماعها إلى شهادات مفصلة من كبار رجالات الاقتصاد والمالية- إلى القول بأن تجربة الأسلمة الناجحة، والتي تمارسها حوالي 200 مؤسسة مصرفية إسلامية لا تدع مجالاً أبدًا لاستمرار النظام الربوي في باكستان.

مراحل التنفيذ المتدرج

نظرًا لاقتناع القضاة بضرورة توفير الوقت للتطبيق المرحلي للقرار الذي يعتبر ملزمًا للحكومة -لكونه صادرًا عن المحكمة العليا وغير قابل للنقض أو الاستئناف- فإن دخوله حيز التنفيذ سيمر بمراحل مختلفة حتى لا يؤدي إلى حدوث هزات اقتصادية أو رعب مالي يكون له أسوأ الأثر على اقتصاد البلد، وهذه المراحل هي:
24 يناير 2000:
- تقوم وزارة المالية والبنك المركزي بإنشاء خلية عمل لوضع الأسس التفصيلية لعملية التحول إلى اقتصاد خال من الربا، وستضم اللجنة علماء في الشريعة والاقتصاد إضافة إلى صيارفة ومدققي حسابات محلفين.
- تكون وزارة العدل لجنة تخولها مهام صياغة القانون النهائي لتحريم التعامل بسعر الفائدة إلى جانب مراجعة القوانين التي تنظم التعامل في القطاع المالي من أجل إعادة صياغتها بما يتوافق مع روح الشريعة.
24 مارس 2000:
تنهي اللجنة المكلفة من قبل وزارة المالية والبنك المركزي إعداد مسودة التقرير النهائي بعد عرضه على شريحة واسعة من المهتمين من مختلف القطاعات من أجل الاستفادة من ملاحظاتهم وآرائهم.
31 يوليو 2000:
يتم التدقيق النهائي على جميع التعاملات المالية من قبل البنك المركزي الذي يعاين الأمور قبل إصدار "براءة" التحول إلى النظام الجديد.
 حكم المحكمة وإشكالات الواقع

الدين الداخلي: وتزامنًا مع الجهد الفكري الذي سيبذل في الاتجاه المذكور أعلاه يتوجب على وزارة المالية وفقًا لقرار المحكمة إنشاء لجنة أخرى مهمتها تحويل الدين الداخلي "الغول الذي يهدد الاقتصاد" إلى دين مربوط بتمويل مشاريع معينة بحد ذاتها، مما سيعني ضمان مشاركة الممولين في تقاسم الأرباح المرتقبة للمشاريع الممولة، وإمكانية تبادل هذه الحصص التي ستكون في شكل أسهم قابلة للتداول، وكبح جماح الحكومة من الاستمرار في اللجوء إلى هذه الوسيلة السهلة والمميتة -أي بيع سندات حكومية عامة غير مرتبطة بمشاريع محددة- لتمويل العجز في الميزانية إلى جانب التحكم في تقليص النفقات الحكومية غير الاستثمارية، وهو الهدف الذي نصت عليه مسودة القرار، غير أن هذا يرتبط بمدى تقبل الممولين لنظام التمويل الجديد هذا، خاصة في ظل الركود الاقتصادي الذي تشهده البلاد، وتخوف رأس المال من المخاطرة لعدم توفر ضمانات تطمئن المستثمرين على "سلامة" المركز التنافسي للقطاع العام، وهو ما سيعني بالتالي حرمان هذا القطاع من المدخرات التي سيضطر أصحابها إلى توجيهها نحو مجالات أكثر أمنًا، خاصة في ظل كون مشاريع القطاع العام تتسم ببطء المردود.

المشاركة بدل الإقراض: كما دعا إلى اعتماد مبدأ المشاركة بدل الإقراض أن هذا ربما أدى -حسب قرار المحكمة - "إلى تقليل الاعتماد على البنوك"، مما يضع أكثر من علامة استفهام على الدور الذي يراد للبنوك أن تلعبه مستقبلاً.

الربا المقنع: يحذر قرار المحكمة من السقوط مرة أخرى في نفس الفخ؛ أي اعتماد وسائل تمويل ظاهرها متطابق مع نصوص الشريعة، ولكن تطبيقها الميداني يحمل صورة "الربا المُقَنَّع" مثلما حدث في باكستان سابقا مع أساليب: الربط والمرابحة والبيع المؤجل، مما يكشف عن صرامة منتظرة في تطبيق القرار بحيثياته INDEXATION.

الديون الخارجية: كما دعا نص القرار إلى بذل كل الجهود الممكنة من أجل تخليص باكستان من الدين الخارجي -الذي يصل إلى حوالي 35 بليون دولار- مع ضرورة دفع الالتزامات التي أصبحت حالَّة الدفع، حتى لا تعد البلد في وضعية الإفلاس، وتصنف في خانة التهرب من إرجاع الديون، ولكن المراقبين يرون أن حلم التخلص من الديون الخارجية أمر قد يكون بعيد المنال، لأن وضعية البلد المالية لا تبعث على التفاؤل، إلى جانب الشروط المجحفة التي تشترطها الجهات الدائنة من أجل إعادة جدولة الديون، وهو ما يهدد الاستقرار السياسي الذي يعتبر ضروريًا لنجاح السياسات الاقتصادية، وبخاصة تلك التي تتطلب تضحيات من المواطن العادي.

شرعية المساعدات الخارجية: وأوضح القرار أن المساعدات الخارجية Foreign Aid ستقبل إذا كانت متطابقة مع نصوص الشريعة الإسلامية، مما يعني العزم على إعادة النظر في جميع أشكال المعونات الأجنبية.

ردود أفـعال متـباينة

The embedded asset does not exist:
Asset Type: Image_C
Asset Id: 1177156133913
PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic

 اختلفت ردود الأفعال حول القرار الصادر عن المحكمة العليا؛ حيث رأت فيها الجماهير والأحزاب الإسلامية -وعلى رأسها الجماعة الإسلامية بقيادة القاضي حسين أحمد- تتويجًا لكفاح طويل من أجل "أسلمة" المجتمع الباكستاني، وخطوة في الطريق الصحيح، كما أن كثيرًا من الاقتصاديينعبروا عن ارتياحهم من تخلص الاقتصاد الباكستاني من حبال الفوائد الربوية، موضحين أن طرق التمويل الإسلامي البديلة قادرة على دفع التحدي، شرط توفر الإرادة السياسية والتخطيط الصحيح، إلا أن شريحة كبيرة من رجال الأعمال أبدوا دهشتهم من صدور القرار متخوفين من إمكانية أن يؤدي إلى إحداث رعب مالي يدفع إلى مزيد من هجرة رؤوس الأموال الوطنية، وعزوف المستثمرين الأجانب، كما أن المرحلة الانتقالية TRANSITORY PERIOD سوف تشكل عبئًا إضافيًا على كاهل اقتصاد متدهور أصلاً في ظل موجة العنف الطائفي والأعمال الإرهابية وما أحدثه انقلاب العسكر في 12/10 الماضي من آثار سيئة على المناخ العام.

أما من جهة الحكومة فإن التصريحات ما زالت حذرة، وصرح وزير العدل والمدعي العام السيد عزيز منشي أنه لا داعي للقلق والفزع، حيث إن القرار لن يدخل حيز التطبيق في القريب العاجل، ويرجع المحللون السياسيون هذا "الحذر" الحكومي لأمرين هما:

(أ) شعور الحكومة -والسلطة العسكرية عمومًا- أن هذا القرار يحمل بين طياته نتائج إيجابية وأخرى سلبية، والإيجابية تتمثل في كون القرار سيمثل مادة إعلامية دسمة لفترة طويلة تمكن الحكومة من تجاوز مرحلة البداية الحرجة لحكم غير ديمقراطي، أما السلبية فإن العسكر يرون أن هذا القرار جاء ليضيف "هـمًا" جديدًا على المستويين المالي والسياسي داخليًا وخارجيًا، يصعب الآن التعامل معه.
(ب) تخوف العسكر من أن يفتح هذا القرار "شهية" المحكمة العليا لتصدر حكمًا تاريخيًا آخر يقضي ببطلان الانقلاب العسكري الذي أطاح بحكومة نواز شريف، حيث تعكف المحكمة الآن على دراسة دعوى تقدم بها حزب الرابطة الإسلامية للطعن في شرعية خطوة العسكر

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم