English

 

الأحد. يناير. 23, 2000

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عربية عامة

 

التقارب الإندونيسي - الإسرائيلي

منافع محتملة في مواجهة أطماع مؤكدة

Image

الخسارة وليس الربح هي نصيب إندونيسيا من علاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع إسرائيل، تلك هي النتيجة النهائية التي يتوقعها كثير من المحللين السياسيين والاقتصاديين من تحليل تطورات العلاقة بين الدولتين وذلك في ضوء علاقات إسرائيل مع دول عربية عديدة، ويشير هؤلاء المحللون إلى أن إسرائيل ستكون قادرة في نهاية الأمر من السيطرة على القطاع المالي الإندونيسي وإخضاع شعبها المسلم للسيطرة الصهيونية، إلا أنه يمكن للحكومة في إندونيسيا أن تتفادى ذلك الخطر إذا ما تنبهت لحقيقة الروابط السياسية والاقتصادية مع إسرائيل، ودورها في مجال الإرهاب الدولي وتخطيط الدمار الاقتصادي لهذا الجزء من العالم.

الحكومة الإندونيسية: آمال..أم سراب؟

لعل السؤال الذي يطرح نفسه عند تناول هذا التقارب الإندونيسي - الإسرائيلي هو لماذا يحدث هذا الآن؟ ولماذا لم تضع حكومة "جاكرتا" في اعتبارها المعارضة العارمة له من فئات لها ثقلها السياسي والاجتماعي هناك؟!

الحقيقة أن الحكومة الإندونيسية على عكس ما يراه المحللون والمراقبون ترى أن التقارب مع إسرائيل سوف يحقق لها منافع جمة ربما تفوق ما يمكن أن تحققه إسرائيل من مكاسب، ووفقًا للتصريحات الصادرة من رئيسها "عبد الرحمن واحد" ووزير الخارجية "علوي شهاب" فإن هذه المنافع تتحدد في مجموعة من النقاط على النحو التالي:

- إظهار رغبة الرئيس والحكومة في إبراز التعددية في العلاقات الدولية بغض النظر عن إطار الدولة المرجعي وأيدلوجيتها.

- أن تستخدم تلك العلاقات كمنفذ ووسيلة للإصلاح الاقتصادي بالداخل عن طريق الاستفادة من علاقات إسرائيل القومية بالمؤسسات المالية والاقتصادية الدولية.

- تخفيف الضغوط الدولية على إندونيسيا فيما يخص انتهاكات حقوق الإنسان في تيمور الشرقية وآتشية.

- الضغط على الدول العربية لمساعدة إندونيسيا في أزمتها الاقتصادية.

- وقف الدعم الإسرائيلي لبعض الجماعات العرقية داخل بعض الأقاليم الإندونيسية، فضلاً عن مساندة الولايات المتحدة - صديقة إسرائيل - في الحفاظ على وحدة الأراضي الإندونيسية.

- الحصول على الأسلحة والأجهزة الإسرائيلية بثمن أرخص.
ويبدو من تحليل تلك المنافع أن الحكومة في إندونيسيا تكوّن لديها اعتقاد بأن إسرائيل هي طوق النجاة والملاذ الأخير لها للخروج من أزمتها السياسية

والاقتصادية، ولعل هذا الاعتقاد يكشف عن وجود قناعة لديها لم تفصح عنها رسميًّا بأن لإسرائيل دورًا كبيرًا فيما تعرضت له سياسيًّا واقتصاديًّا.

منافع إسرائيلية.. وغضب عربي

على الجانب الآخر فإن إسرائيل سوف تجني هي الأخرى العديد من الثمار من وراء هذه العلاقات، أبرزها انفتاحها سياسيًّا واقتصاديًّا مع رابع أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان، وهي في ذات الوقت أكبر دولة بجنوب شرق آسيا، عن طريقها يمكن النفاذ لبقية الدول الآسيوية، هذا فضلاً عن استغلال الفرص الاستثمارية المتاحة في إندونيسيا، والنفاذ بمنتجاتها إلى باقي أسواق الدول الإسلامية والغربية، ولعل هذا الهدف الأخير مثَّل محور مفاوضات الوفد التجاري الإسرائيلي الذي زار "جاكرتا" مؤخرًا، وذكرت الصحف هناك أن مفاوضات تجري حاليًا بين الحكومة الإندونيسية والملياردير اليهودي العالمي "جورج سوروس" لشرائه أسهمًا في شركة الاتصالات الإندونيسية، وقد أكد وزير خارجية إندونيسيا أن الرئيس تلقى عرضًا بالفعل في هذا الشأن، لكنه لم يرد عليه حتى الآن، إلا أنه أعلن مباركته للعرض ما دام لا يتعارض مع مصالح البلاد.

وعلى الصعيد الدولي تباينت ردود الأفعال حول هذا التقارب - وبينما أعلن "هيوبرت نيس" مدير صندوق النقد الدولي لآسيا الباسفيك عن ترحيبه بتوجه إندونيسيا نحو إسرائيل، مشيرًا إلى أن هذا التوجه سيؤدي إلى الإسراع بالإصلاح الاقتصادي الإندونيسي باستغلال الشبكة التجارية لإسرائيل في العالم الغربي نجد أن دولًا عربية كثيرة أعلنت عن رفضها لهذا المسلك، مشيرة إلى أن هذا التقارب سيؤدي إلى أضرار بالغة بالعلاقات العربية الإندونيسية.
ومن جانبه حاول الرئيس الإندونيسي ووزير خارجيته التخفيف من مخاوف العرب واعتراضاتهم، حيث أكد أن العلاقات مع إسرائيل لن تكون على حساب العلاقات مع الدول العربية، وأن بلدهما حريصة لأقصى درجة على استمرار علاقاتها العربية بشكل جيد ودون منغصات.. وزادا على ذلك قائلين: "يتعين على الدول العربية ألا تنزعج كثيرًا من التقارب الإسرائيلي - الإندونيسي؛ لأنه بنهاية الأمر سوف تسلم بحقيقة غير مجهولة، هي أن العديد من الدول العربية على اتصال مع إسرائيل، وبعضها يتم معها علاقات دبلوماسية، وهو ما أعلنت "جاكرتا" عدم استعدادها له حاليًا؛ لارتباطها الوثيق بإيجاد تسوية عادلة وشاملة للنزاع العربي - الإسرائيلي.

إذًا لماذا تُحرِّمون علينا ما تسمحون به لأنفسكم؟!

معارضة داخلية

وعلى الصعيد المحلي داخل المجتمع الإندونيسي كانت ردود الفعل أكثر سخونة، وكانت الآراء المعارضة هي الأعلى صوتًا طيلة الأيام الماضية.. ففي سوربايا أكد هـ. ساروسو إمام زاد جولي- الخبير الاقتصادي لجامعة إيرلانجادج- أن العلاقة بين إسرائيل وإندونيسيا غير مفيدة للإندونيسيين على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

وذكر أنه إذا كانت الحكومة الإندونيسية ترى بدًّا من التعامل مع إسرائيل فيجب أن يكون ذلك من خلال القنوات الدبلوماسية فقط؛ لأن العلاقات الدبلوماسية قد تحوي قرارات سياسية، ولكنها ستكون ممارسات شرعية لا تؤثر على روابط إندونيسيا مع الشعوب الأخرى.

ويرى المسلمون في إندونيسيا أن فتح الأبواب على مصراعيها لإسرائيل - والذي يدينونه بشدة- يعني أن تفقد إندونيسيا استقرارها السياسي والاقتصادي نتيجة نشاط إسرائيل في مبيعات وتوزيع الأسلحة؛ مما يعطي فرصة كبيرة لبيعها للحركات الانفصالية داخل إندونيسيا.

وقال أحد رجال الأعمال المسلمين: "إن إسرائيل لا تكترث بالوحدة الإندونيسية، وإنها ستمول غير المسلمين، وتوزع الأسلحة بسهولة مما يعني صراع الأقاليم الداخلية من أجل الانفصال مثل: إيربان جايا ومالوكو".

ويعتقد أصحاب نظريات التآمر ضد الإسلام أن هناك علاقة وطيدة بين إسرائيل والمخدرات، وأنها تقف دائمًا خلف المافيا الدولية التي تخترق دول العالم الواحدة تلو الأخرى في مزايدة لتحطيم الشعوب، وخاصة الدول ذات الأغلبية المسلمة مثل إندونيسيا.

وتشتهر إسرائيل بمرونتها تجاه المخدرات والدعارة والتي تنتشر في إندونيسيا على الرغم من المحاولات القائمة للسيطرة على الوضع هناك، كما أنها مصدر لكل هذه الآفات الاجتماعية، كان ذلك الرأي لكثير من معارضي العلاقة مع إسرائيل، الذين يراهنون على أن إندونيسيا سوف تتورط في مزيد من الفوضى.

التزيين الإعلامي

على صعيد آخر فإن متابعة مراحل التقارب الإندونيسي - الإسرائيلي تكشف الدور المهم الذي قام به الإعلام في التمهيد لمثل هذا التقارب، وذلك لشهور عديدة قبل الإعلان الرسمي عنه، وقد استخدمت إسرائيل في ذلك الصحافة الدولية والصحف المحلية المملوكة لاقتصاديين إسرائيليين في بعض الأقاليم الإندونيسية.. وفي هذا الصدد تشير التقارير إلى أن إسرائيل فازت بالمقالات الافتتاحية لكل من جريدتي آسيا في أسبوع، والعرض الاقتصادي للشرق الأقصى " ع.أ.ش.أ " خاصة أعداد يوليو 99.. وقد تكهنت "النيوز مجازين" - المملوكة لاقتصاديين إسرائيليين في الإقليم بأن "حسن تيرون -المسئول عن حركة آسية الانفصالية، المؤيد لأمريكا- قد استغل الوضع في غيريان جايا، وذكرت "الينوز مجازين" أن معلوماتها عن تلك الأقاليم استقتها من المخابرات المركزية الأمريكية، والتي يفترض أنها شديدة القرب لتيرو .. إلا أن حركة آسية الانفصالية قد رفضت هذه الاتهامات، واستشاط تيرو غضبًا؛ محررًا مقالات طويلة في الصحف المحلية والدولية عن دور اليهود والمسيحيين في عملية التنصير في إندونيسيا.

وعلى هذا النحو أيضًا استخدمت مجلة آسيا الأسبوعية كوسيلة للدعاية الصهيونية. وفي الوقت نفسه ما زالت بعض الجرائد الإندونيسية تحت سيطرة قوية للهيئات مناهضة للإسلام، وقد استخدمت هذه الجرائد في الانتخابات لصالح ميجاواتي ومن بينها جريدة "كومباس" اليومية التي تمثل قاعدة قوية يستند إليها حزب ميجاواتي "حزب الكفاح الديقراطي "PDIP" وقد نشرت تلك الجريدة مؤخرًا مقالة تدعو فيها الملياردير اليهودي "جورج سوروس" لاستثمار أمواله في صناعة الاتصالات المحلية في إندونيسيا، وهو أمر - في حالة حدوثه - لا يعني سوى الهيمنة المباشرة على شركة الفضائيات الإندونيسية، ومن ثم السيطرة على الفضاء والتلفزيون وشبكات الاتصالات، ذلك إلى جانب اهتمام "سوروس" بمجالات تنمية أخرى في إندونيسيا مثل: شركة الاتصال عبر الطرق السريعة PTCMNP"".

الحصار من محور سنغافورة وماليزيا

ويرى المحللون أن إندونيسيا أصبحت في مأزق في الآونة الأخيرة بعد أن أكدت المعلومات وجود نوع من الحصار الإسرائيلي لها من خلال التواجد المكثف بالدول المجاورة لها، فعلى محور سنغافورة تشير المعلومات إلى وجود إسرائيلي قوي في سنغافورة، يأخذ شكل ممثلين رسميين ومعاهد مالية، إلى جانب تدريب إسرائيل للجيش السنغافوري وتزويده بالمعدات الحربية، إضافة إلى نشاط المخابرات الإسرائيلية هناك، وتجسسها على ماليزيا وإندونيسيا وبروناي، وهي الدول التي استهدفتها إسرائيل لإقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية لسنوات طويلة.

أما المحور الماليزي فقد شهد مشادة بين رئيس الوزراء الأسبق "أنور إبراهيم" ورئيس الوزراء "مهاتير محمد" حول موضوعات عديدة كان من أبرزها العلاقات مع إسرائيل.

حيث كان "أنور إبراهيم" يرفض إقامة أية علاقات بتلك الدولة، إلا أن "مهاتير محمد" رئيس الوزراء انتدب مسئولاً للقدس بمكتب رئاسة الوزراء، مما أثار حفيظة المعارضة الإسلامية.

وكما يقول المحللون فإن خفوت ضوء "أنور إبراهيم" واضطراب الوضع السياسي نتيجة الصراع والأزمات المالية أدى إلى إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل، هذا ويعتقد المحللون في ماليزيا ضلوع يد المخابرات الصهيونية في تنحية "أنور إبراهيم" وتدبير الخطط لتدمير مستقبله السياسي.

وإذا كان "سيد حامد البر" وزير خارجية ماليزيا قد نفى مؤخرًا تصريحات رئيس إندونيسيا التي يشير فيها إلى أن ماليزيا طلبت من إندونيسيا التوسط لإقامة علاقات ماليزية إسرائيلية قائلاً: إن بلاده غير راغبة في هذه العلاقات، وأن القضية حساسة لماليزيا بشكل أكبر بكثير مما في إندونيسيا.
فإن الواقع يؤكد أن إقامة مثل هذه العلاقات لا تعدو عن كونها مسألة وقت فقط، وأن الأيام القادمة ستشهد إقامة مثل هذه العلاقات بشكل أو بآخر.

أيضًا مع هذا الحصار الإسرائيلي لإندونيسيا تشير التحليلات إلى أن إسرائيل كان لها يد في تدبير ثورة الطلاب في عهد "حبيبي"؛ حيث كانت معظم هذه المظاهرات من طلاب غير مسلمين وأدت إلى تولي ميجاواتي الأمر بدلاً منه، وهي صاحبة نزعة إسرائيلية، وأعلنت خلال حملتها الانتخابية أن العلاقة مع إسرائيل ستكون رسمية إذا حقق حزبها النصر بأغلبية ساحقة، وكما قال طالب جامعي عن حبيبي: "يجب خلعه، وعندها يتسع الأفق أمام إسرائيل لغزو إندونيسيا".
وفي ظل هذا الحصار الخارجي وتورط إسرائيل في اضطراب الوضع السياسي في إندونيسيا ورغبتها العارمة في التطبيع مع إندونيسيا لم يجد عبد الرحمن واحد مفرًا من الارتماء في أحضان إسرائيل وإقامة علاقات اقتصادية معها.

والمؤكد أن الأيام القادمة ستكشف صحة هذا المسلك من عدمه من واقع فاتورة الأرباح والخسائر التي تحقق من هذا التقارب

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم