English

 

الأحد. أبريل. 30, 2000

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عربية عامة

 

الاقتصاد التركي.. للخَلْف دُر!

Image

بينما كانت الصحف ووسائل الإعلام الأخرى مشغولة منذ أسابيع في تركيا بقضية إعادة أو عدم إعادة ترشيح سليمان ديميريل للمرة الثانية لمنصب رئيس الجمهورية؛ إذ بمعهد الدولة للإحصاءات يقوم بنشر تقريره السنوي في 31/3/2000م حول نسبة النمو في الاقتصاد التركي لسنة 1999م، وجاءت الأرقام والإحصاءات المقدمة فيه؛ لتؤكد حقيقة لا يمكن تجاهلها وهي أن الاقتصاد التركي سجَّل تراجعًا حادًّا في تلك السنة، وشهد تقلصًا في جميع القطاعات تقريبًا، فقد بلغت نسبة التراجع في إجمالي الناتج القومي غير الصافي 6.4% في سنة 1999م مقارنة بعام 1998م، وهي أكبر نسبة تراجع وتقلص في الاقتصاد التركي منذ خمس وخمسين سنة.

ورغم الأهمية الفائقة لهذا الموضوع إلا إنه ضاع وسط صخب وضوضاء موضوع الساعة، وهو - كما قلنا - موضوع انتخاب رئيس جديد للجمهورية أو إعادة انتخاب الرئيس الحالي، وإذا استثنينا بعض الصحف التي قدمت هذا الخبر بعناوين كبيرة وبعض التحليلات الاقتصادية نستطيع القول: إن التقرير لم يلقَ الأهمية التي يستحقها، وتعمدت الصحف الموالية للحكومة فرض الصمت حوله وتشتيت الانتباه إلى موضوع الانتخابات مستغلة سخونته.

كما تشير البيانات فإن أكبر تراجع وتقلص شهده الاقتصاد التركي في العهد الجمهوري كان في عام 1945م أي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وهو العام نفسه الذي انتقلت فيه تركيا إلى نظام تعدد الأحزاب، وبلغت نسبة التقلص في الاقتصاد التركي آنذاك 15.3%، ويمكن فهم وتبرير ذلك الهبوط والتراجع بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية التي أكلت الأخضر واليابس ودمرت اقتصاديات دول عديدة من بينها دول أوروبية متقدمة، ولولا مشروع مارشال الذي أنقذ الاقتصاد الأوروبي من الدمار لعانت هذه الدول مشاكل اقتصادية كبيرة.

إلا أن الاقتصاد التركي بدأ يسجل منذ عام 1950م تقدمًا مطردًا حتى عام 1998م، إذا استثنينا بعض الأزمات التي مرت بها ولاسيما في عام 1994م، فقد بلغ متوسط دخل الفرد في تركيا عام 1998م أكثر من ثلاثة آلاف دولار في السنة ( 3224 دولارًا)، بينما بلغ متوسط نصيب الفرد في العالم آنذاك - حسب تقرير البنك الدولي لعام98 - 2950 دولارًا في السنة، أي تجاوزت تركيا في عام 1998م المتوسط الدولي لدخل الفرد في العالم، ولكن وبعد هذا التقلص الشديد في الاقتصاد التركي هبط معدل دخل الفرد في عام 1999م إلى 2878 دولارًا، أي هبط دون المستوى المتوسط لدخل الفرد في العالم.

وتدل الأرقام الإحصائية الواردة في التقرير السنوي لمعهد الدولة للاتصالات على أن رفاهية الفرد التركي قد ارتفعت أكثر من ستين ضعفًا منذ تأسيس الجمهورية حتى عام 1998م، ففي عام 1923م ( وهو عام تأسيس الجمهورية ) كان دخل الفرد 45 دولارًا في السنة، وكان إجمالي الدخل القومي 723 مليون دولار. ارتفع إلى 200 مليار دولار تقريبًا عام 1998م أي أن الاقتصاد التركي كان يكتسب قوة متصاعدة في معظم السنوات الماضية.

التقلص في قطاعات الاقتصاد التركي

اسم القطاع

نسبة التقلُّص

الزراعة

4.6%

الصناعة

5%

البناء

12.7%

التجارة

6.8%

المواصلات والاتصالات

4%

الأعمال الحرة والخدمات

4.8%

ضريبة الواردات

5.7%

(وفق إحصاءات معهد الدولة للإحصاءات)

بينما كانت هناك بعض القطاعات الاقتصادية التي سجلت بعض التقدم وأهمها :

البنوك والمؤسسات المالية 5.3%، والبناء والتشييد وتملك العقارات1.1%، وخدمات الدولة 2.7%، المؤسسات التي لا تستهدف الربح 2.5%.

غير أننا إذا أخذنا في الاعتبار مجموع الزيادة والتقلص نرى أن الناتج الإجمالي سلبي ويبلغ (-6.4%).

وإذا كان الاقتصاد التركي في تصاعد مستمر في معظم الأعوام - كما ذكرنا - عدا بعض أعوام الأزمات (وأهمها عام 1994م)، فإن النظرة السريعة على سير الاقتصاد في السنوات القليلة الماضية تظهر الصورة الآتية لمعدل النمو الاقتصادي:

معدل نمو الاقتصاد التركي

السنوات

معدل النمو الاقتصادي

1995

+ 8%

1996

+ 7.1%

1997

+ 8.3%

1998

+ 3.8%

1999

- 6.1%

(وفق إحصاءات معهد الدولة للإحصاءات)

وكما يوضح الجدول فقد جاءت سنة الأزمات ( أي سنة 1999م) فهبط الاقتصاد التركي هذا الهبوط الكبير.

جنوب شرق آسيا والزلزال سبَّبا التراجع

عندما نستفسر عن أسباب هذا الهبوط والتقلص في الاقتصاد التركي، نجد جواب الحكومة والصحف والأقلام الموالية لها والأحزاب المشتركة في الائتلاف يربط هذا التراجع بسببين:

السبب الأول : هو سبب خارجي، أي الأزمة العالمية في الاقتصاد التي ظهرت في بلدان جنوب شرق آسيا ثم تسربت إلى أقطار عديدة. وكانت للأزمة التي أصابت الاقتصاد الروسي تأثيرات سلبية على الاقتصاد التركي، نظرًا للحجم الكبير للتبادل الاقتصادي بين البلدين، ولاسيما "تجارة الشنطة"، حيث بلغ مقدار هذه التجارة أكثر من 7 مليارات دولار في السنة في بعض الأعوام قبل حدوث هذه الأزمة، وبعد حدوث الأزمة الكبيرة في الاقتصاد الروسي تراجعت هذه التجارة تراجعًا كبيرًا.

السبب الثاني: هو سبب داخلي، متعلق بالزلزال الكبير الذي ضرب تركيا في 17 أغسطس من نفس العام، والذي أضر الاقتصاد ضررًا بالغًا؛ لأن الزلزال حدث في أهم منطقة صناعية تحتوي على 30% من مجموع المعامل والمنشآت الصناعية لتركيا وقدَّر البعض قيمة الأضرار التي تسبب فيها هذا الزلزال بما بين ( 150- 200) مليار دولار.

أسباب غير مقنعة للمعارضة

صحف المعارضة والعديد من المحللين الاقتصاديين غير مقتنعين بهذا التبرير، ويرون أن هذا التراجع والتقلص في الاقتصاد التركي جاء نتيجة للسياسة الاقتصادية الخاطئة للحكومة الحالية والحكومة السابقة ( وهي حكومة مسعود يلماز)، فالحكومة السابقة توجهت لأعمال الطرق الباهظة الثمن لمشاريع شابَتْها شكوك كثيرة في سوء الاستغلال، كما توجهت الحكومة السابقة والحالية إلى إصدار سندات حكومية بنسب فائدة كبيرة في محاولة لسد عجز الميزانية، مما أدى إلى انسياب رؤوس الأموال لشراء هذه السندات بدلاً من استثمارها في توسيع الصناعة وامتصاص فائض البطالة.

يقول الصحفي والمحلل يا لجين دوغان: " كان هناك تراجع في جميع القطاعات الاقتصادية في عام 1999م، تراجع في الإنتاج.. وفي التصدير.. والسياحة.. والبناء.. والخدمات.. والصناعة والاستثمار، ولا يحق لأحد ربط هذا التراجع بحادثة الزلزال؛ لأن التراجع كان مستمرًا طيلة الأشهر التسعة لعام 1999م، بينما وقع الزلزال في 17 أغسطس من نفس العام، أي أن تركيا كانت متجهة للفقر الاقتصادي قبل الزلزال؛ لذا لا يجوز لأحد القيام بوضع مسؤولية التراجع الاقتصادي على أكتاف الزلزال".

ارتفاع التضخُّم السبب الرئيسي

إذن فلم حدث هذا التراجع والتقلص الذي ضرب الرقم القياسي ؟

يتفق الخبراء الاقتصاديون على أنه كان للتضخم العالي تأثير سلبي كبير، مما أدى إلى هبوط شديد في القيمة الشرائية للعملة المحلية، وأثَّر هذا بدوره على الطلب على السلع في الداخل وفي الخارج، وتبع هذا هبوط في الإنتاج وهبوط في التصدير وزيادة في البطالة، وربما كان السببان المقدمان من قبل الحكومة قد ساهما في زيادة التراجع، لكن التضخم كان بمثابة القشَّة التي قصمت ظهر البعير (الاقتصاد التركي).

والحقيقة أن صندوق النقد والبنك الدولي - كالعادة - لم يكونا يتوقعان هذه النتيجة، ولاسيما وأنهما يجريان مباحثات حول قروض طلبتها الحكومة التركية، فهل ستتغير شروطهما، وهل ستضاف شروط أقسى في مباحثاتهما المقبلة مع تركيا ؟ هذا ما ستكشف عنه الأيام القادمة والمباحثات المقبلة بين الطرفين.

علاج البطالة والتضخُّم أساس الاستقرار

كان رئيس الوزراء بولند أجاويد يدَّعي أن دوام الاستقرار مرهون بانتخاب الرئيس سليمان ديميريل للمرة الثانية غير أن الاستقرار الاقتصادي هو أهم شروط استقرار البلد، ولا يمكن الحديث عن استقرار في بلد فيها هذه النسبة الكبيرة والمتزايدة من البطالة، والتضخم الذي يؤدي إلى هبوط القيمة الشرائية للعملة المحلية باستمرار، ولاشك أن لهذا آثاره السلبية لاسيما عند طبقة الموظفين والطبقة المتوسطة والفقيرة.

ومن ثَمَّ فعلى جميع الحكومات بذل مجهود أكبر والاهتمام بالقضايا والمشاكل الاقتصادية للبلد، ومحاولة إعادة الأمور إلى نصابها في الساحة الاقتصادية، ومعالجة مشاكل التضخم والبطالة، وهي مشاكل حلتها دول نامية عديدة، وليس من الصعب على تركيا تجاوزها وحلها

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم