English

 

الجمعة. يونيو. 8, 2001

نماء » قضايا اقتصادية » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا

 
   
روابط من إسلام أون لاين

سناك بروكسل.. إسلامي!

خالد شوكات

Image

إذا كنت في بروكسل وتبحث عن محل للوجبات الخفيفة أو كما يسميه البلجيكيون "سناك"snack  فستجد غالبا أصحابه من المسلمين إما من القادمين من المغرب أو من تركيا. أما إذا فكرت في شراء ملابس فستجدها أيضا عند المسلمين في شارع "برابند" أكثر شوارع بروكسل حيوية، ويسيطر عليه المسلمون الذين تم الاعتراف بدينهم من قِبل الحكومة البلجيكية منذ أكثر من نصف قرن دون أن يُحدث الأمر قدراً من الضجيج والصخب على غرار ما حدث في بلدان أوروبية أخرى.

واستطاع مسلمو بلجيكا خلال العقود الماضية رسم خريطة لنفوذهم الاقتصادي في البلاد بجوار الأقليات الأخرى.. وهو ما جعل هناك شبكة مصالح اقتصادية مع الدولة، وساعدهم في ذلك التركيبة الجغرافية والسياسة للدولة البلجيكية.

فحين قرر البلجيكيون تعزيز الحكم اللامركزي في بلادهم أوائل التسعينيات من القرن العشرين وذلك بتقسيمها إلى ثلاث مقاطعات تتمتع بالاستقلال الذاتي، من بينها العاصمة بروكسل؛ كان الوجود الإسلامي الكثيف في بعض مدنها أحد العوامل التي لعبت دورا في صياغة ملامح هذا التقسيم، خصوصا من الناحية الاقتصادية، حيث يشكل المسلمون مصدر قوة وضعف في نفس الوقت.

لقد انطلق التقسيم البلجيكي بالأساس، على قاعدة الصراع الفلاماني – الوالوني، أي الصراع بين الناطقين بالهولندية في مقاطعات الشمال أو ما يعرف اليوم بـ"فلاندرا"، والناطقين بالفرنسية في مقاطعات الجنوب المسماة "والونيا"، لكن بروز العاصمة بروكسل الموجودة جغرافيا في فلاندرا، والناطقة في غالبيتها السكانية بالفرنسية (80%)، والمتعددة ثقافيا وإثنيا، حيث يشكل المسلمون ربع ساكنيها (25%) - جعل هذا التقسيم ينحى منحى الثلاثية بدل الثنائية، محولا البلاد بذلك إلى فيدرالية مكونة من ثلاث دويلات عوض الدويلتين المفترضتين.

وبالقدر الذي شكل الوجود الإسلامي- المتمثل فيما يزيد عن نصف مليون نسمة من مجموع عشرة ملايين بلجيكي طبقا لإحصاءات رسمية عام 2002 - عنصر تباعد بين الدويلتين "فلاندرا" و"والونيا"، حيث سعت كل منهما إلى التخلص من أكبر نسبة من هؤلاء العمال الفقراء القادمين في غالبيتهم من المغرب وتركيا.. بقدر ما شكّل عنصر تميز وهوية خاصة، وخصوصا حركية اقتصادية واجتماعية، للعاصمة بروكسل ودويلتها الناشئة، فبروكسل خلافا لفلاندرا ووالونيا لم تؤسس على قاعدة قومية، ولم تعد منذ اتخذها الاتحاد الأوربي عاصمة عابئة بالأصول القومية أو الثقافية أو العرقية، ويعتقد أهلها بأن ديمومة ازدهارها مرتكزة بالأساس على مواصلتها دور الاستقطاب السياسي والاقتصادي والسياحي، الذي استمدت منه ذاتها ويستمد منه سكانها أرزاقهم.

الليبرالية الاقتصادية

وخلافا للطابع القومي الذي يسيطر على الدورة الاقتصادية في مقاطعتي "فلاندرا"، و"والونيا" ومن منطلق مخاوف القوميين في المقاطعتين من فقدان الخصوصية الإثنية واللغوية والدينية، فإن اقتصاد بروكسل قد تبنى، منذ نشأة المقاطعة، نهجا ليبراليا خالصا، يقوم على تشجيع المبادرة الفردية والمنافسة، وفتح السوق أمام الرأسمال بصرف النظر عن هويته، باعتبار أن هوية المقاطعة مستمدة أصلا من التعددية.

وفي حين يلاحظ الباحث أن كلا من "أنتفربن" -عاصمة فلاندرا- و"نامير" -عاصمة والونيا-، ليستا سوى "جيتوين" اقتصاديين بمعنى الكلمة، تتحكم في اقتصادهما البرجوازية التقليدية، ولا يزيد إجمالي الاستثمار الخارجي فيهما عن 7% -بحسب الإحصائيات الرسمية- من دخلهما الإجمالي العام.. فإن النسبة ذاتها تصل في بروكسل إلى 31% كما تشير إلى ذلك مصادر حكومتها المحلية، في نشرة صادرة عنها سنة 2000.

ويؤكد الناشطون الاقتصاديون من أصل مسلم في بلجيكا أن المبادرة في أسواق فلاندرا ووالونيا مغامرة حقيقية ليست مضمونة العواقب، خصوصا على الرأسمال الناشئ الذي لم يشتد عوده بعد، كما هو حال الرأسمال الإسلامي، فالاعتبارات القومية عادة ما تتدخل حفاظا على بقاء الاقتصاد تحت سيطرة مجموعة نافذة بعينها، تمتلك في نفس الوقت مصالح سياسية فاعلة.

ويضرب بعض هؤلاء الناشطين مثلا بالحضور الاقتصادي لإحدى الجماعات اليهودية الأرثوذكسية في "أنتفربن"، التي يعود وجودها في المدينة إلى ما يزيد على أربعة قرون، وتسيطر بشكل شبه مطلق على أنواع من التجارة بعينها، كتجارة "الماس" و"الصرافة" و"الاتصالات"، وتفرض بطرق غير مرئية احتكارها للعملية الاقتصادية في هذه المجالات الحيوية، وتمارس في ذلك قدرا كبيرا من التضامن الذي يمنع أي إمكانية للاختراق الداخلي، وهو ما دفع الأقليات الجديدة -ومن بينها الأقلية المسلمة- إلى البحث عن مجالات جديدة للاستثمار بدلا من الدخول في صراعات غير متكافئة.

شارع "برابند" إسلامي!

لقد وجد المسلمون في "بروكسل" مناخا خصبا وملائما لتطوير قدراتهم الاقتصادية وإطلاق العديد من مبادراتهم التجارية الطموحة، التي ارتبطت إلى حد كبير بطبيعة المدينة الجديدة، بعد اتخاذها عاصمة للاتحاد الأوروبي، كما حاولت استثمار هذه الطبيعة لنيل حصة من تجارة التوزيع على الصعيد الأوروبي التي ازدهرت في العاصمة البلجيكية في العقود الأخيرة بعد اتخاذ العديد من الشركات العالمية مكاتب تمثيل أوروبي لها فيها.

ومن مظاهر هذا التوجه الاقتصادي، ظهور مجموعة من الشركات المملوكة للمسلمين التي تنشط في قطاع "تجارة الجملة"، ولم تكتف في نشاطها بشبكة المحلات المنتشرة في بلجيكا، بل تعدتها إلى المحلات التجارية المماثلة في هولندا وفرنسا وألمانيا والدول الأوروبية الأخرى المجاورة، ومن ذلك أن 85% من محلات البقالة الإسلامية في الدول آنفة الذكر، تتزود ببضائعها - جزئيا أو كليا - من مؤسسات تجارة الجملة في العاصمة البلجيكية، على النحو المذكور في نشرة لجمعية المقاولين المسلمين الشباب في بلجيكا، صدرت في مارس 2002.

ويعتبر شارع "برابند" "Rue de Brabant" في الضاحية الشمالية لمدينة بروكسل، رمزا ساطعا للطبيعة الأوروبية لاقتصاد مسلمي العاصمة البلجيكية، فمن مجموع ما يقارب ستة ملايين زائر سنويا - بحسب النشرة نفسها - أي ما يعادل 16.500 زائر يوميا، يأتي 64% من خارج المقاطعة، من بينهم 80% من الدول الأوروبية المجاورة، وفي مقدمتها هولندا وفرنسا.

ويعرف شارع "برابند" - الفريد من نوعه على الصعيد الأوروبي لاحتوائه ما يقارب ثلاثمائة محل تجاري تبيع منتجات وسلعا مستوردة غالبيتها من الدول العربية والإسلامية - بأنه دويلة إسلامية حقيقية داخل المجموعة الاقتصادية الأوربية، وهي مجموعة مسيحية كما هو معروف، فاللغات المعتمدة في هذا الشارع هي لغات العالم الإسلامي (العربية، والتركية، والأوردية، والأمازيغية...)، والزبائن مسلمون من مختلف الأعراق والقوميات، والسلع مستوردة كما هو مشار سلفا من الدول العربية والإسلامية.

وتهيمن على الشارع الإسلامي في بروكسل الشمالية، أجواء ثقافية وحضارية إسلامية، تذكّر بتلك السائدة في أسواق القاهرة وإستانبول ودمشق وطهران وكراتشي ولاهور وفاس وغيرها من المدن الإسلامية، والرواج الاقتصادي لا يقل عن مستوى الرواج السائد في الأسواق البلجيكية الأخرى.

وبحسب شهادات بعض التجار المسلمين في شارع "برابند" فقد تمكن بعضهم من تطوير رأسماله إلى حد يفوق كل التقديرات، فيما تشير بعض المصادر غير الرسمية إلى أن رقم المعاملات الإجمالي في هذا الشارع قد يناهز "مليار دولار"، وهو رقم مقبول إذا ما قيس بعدد الزوار المعلن أعلاه (بمعدل 167 دولار للزائر الواحد).

التجارة في المقدمة

 لقد كان وجود المسلمين في بلجيكا منذ منتصف القرن العشرين وجودا عماليا صرفا، حيث استقدم غالبية أبناء الجيل الأول من المسلمين خلال عقدي الستينيات والسبعينيات للعمل في مصانع "فلاندرا"، ومناجم الفحم الحجري والصلب في "والونيا"، وبشكل عام للمساعدة في إعادة إعمار مدن ومنشآت المملكة التي خربتها الحرب العالمية الثانية.

لكن طبيعة هذا الوجود سرعان ما تغيرت مع الزمن، وذلك بتغير طبيعة الصناعة الفلامانية التي لم تعد في حاجة إلى يد عاملة كثيفة بعد عصرنتها، وإغلاق مناجم الفحم والصلب الوالونية التي نضب معينها بعد قرنين من الاستغلال المتواصل، فانتقل أغلب المسلمين إلى العاصمة بروكسل، خصوصا بعد استقدامهم لعائلاتهم وتقدمهم في السن، وأعلنت الأجيال الناشئة الأكثر تعليما والأعظم طموحا، تدريجيا، عن رغبتها في الخروج من جلابيب آبائها.

وفضلا عن تجربتهم في شارع "برابند" ذائع الصيت في بروكسل، فقد اقتحم المسلمون مجالات اقتصادية عديدة، لم يعتمدوا فيها على رأسمال موجود بشكل مسبق، بل فقط على مواهبهم الذاتية وما اكتسبوه من خبرات في المدارس، وفي شركات ومقاولات عملوا فيها لسنوات طويلة كموظفين أجراء.

وعلى نحو المذكور في نشرة إلكترونية تابعة لجمعية "الخريجين المسلمين من الجامعات والمعاهد البلجيكية"، فإن الاقتصاديين الشباب من أصل مسلم، يمتلكون 323 شركة صغرى ومتوسطة في مقاطعة بروكسل وحدها، من بينها 102 في قطاع الاتصالات الحديثة (الكمبيوتر، الإلكترونيات، الاتصالات الهاتفية، الإنترنت...)، و78 في قطاع الخدمات (النقل، التنظيف،...)، و113 في قطاع المطاعم والفنادق، و30 في بقية القطاعات.

وفضلا عن هذه المقاولات والشركات الصغرى، فإن مسلمي بلجيكا، خاصة بروكسل، يمتلكون شبكة واسعة من محلات البقالة والجزارة والحلاقة، تقدم خدماتها لأبناء الأقلية المسلمة بالدرجة الأولى، لكنها تجد رواجا كبيرا أيضا لدى المواطنين البلجيكيين الذين تستهويهم المأكولات والمواد الغذائية الإسلامية.

وقد أصبح الوجود الاقتصادي الإسلامي جزءا لا يتجزأ من مظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية في العاصمة البلجيكية، فقد أصبح البلجيكيون على سبيل المثال يسلمون مسبقا بأن محلات الأكلات السريعة أو ما يعرف في بلجيكا بـ"سناك Snack"، يجب أن تكون مملوكة لأحد أبناء الأقلية المسلمة، وهو غالبا إما من أصل تركي أو مغربي، كما لم يعد أحد من البلجيكيين يفكر في فتح مقهى في حي "ميدي" وسط بروكسل؛ لأنه لن يكون قادرا على منافسة المقاهي المغربية، التي تقدم "الشاي المنعنع" و"المسمن" (نوع من أنواع الفطائر).

غير أن كثيرا من الناشطين المسلمين في بلجيكا، لا يزالون يعتقدون أن البون الذي يفصل رقم معاملات المسلمين الاقتصادية مقارنة بأرقام أقليات دينية أخرى أقل عددا، لا يزال شاسعا جدا، وأن التضامن المطلوب بين أبناء الأقلية المسلمة لتقوية مواقعهم الاقتصادية والاجتماعية ما يزال ضعيفا إن لم يكن منعدما، ولكي يتحول الضعف إلى قوة حقيقية مستقبلا فإن على مسلمي بلجيكا التسلح بمزيد من الشجاعة والتكافل والأخذ بالأسباب في إطار يتفق مع سنة التوكل على الله وتحقيق رسالته في البشر.


  كاتب وباحث تونسي مقيم في هولندا

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم