English

 

الأربعاء. نوفمبر. 5, 2003

نماء » قضايا اقتصادية » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا

 
   
روابط من إسلام أون لاين

تجارة "الحلال" بأوروبا

خالد شوكات

شعار الحلال على منتجات اللحوم
شعار الحلال على منتجات اللحوم

ارتبطت تجارة اللحم الحلال في الدول الأوروبية الغربية على نحو وثيق بوجود الأقليات المسلمة في هذه الدول، حيث كان همّ المسلمين المقيمين فيها الحصول على منتجات غذائية تستجيب لشروط عقيدتهم الدينية، ومن ذلك حصولهم على لحوم حمراء وبيضاء مذبوحة على الطريقة الإسلامية، أُهل عند ذبحها لله، وسمّى من ذبحها وكبّر.

ومع نمو عدد أبناء الأقليات المسلمة في دول غرب أوروبا خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وبلوغ بعض هذه الأقليات مستوى الملايين (*)، نشأ قطاع تجاري متعدد الاتجاهات، مرتبط في مجمله بتجارة اللحم الحلال، وظهرت إلى الوجود آلاف المؤسسات والمحلات والشركات التي تستمد شرعيتها من عبارة "حلال"، التي أصبحت بمثابة "الماركة" المسجلة أو تأشيرة الدخول إلى الأسواق المعنية بالمستهلك المسلم.

وعلى الرغم من عدم وجود إحصائيات دقيقة تقدر حجم تجارة اللحم الحلال، فإن تقديرات كثيرة غير رسمية تشير إلى أن الرقم ربما يصل إلى عشرات بلايين الدولارات، خصوصا أن الأمر أصبح يتجاوز سوق المستهلك المسلم المقيم في الدول الغربية، إلى المستهلك في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، حيث تستورد العديد من الدول الإسلامية كميات كبيرة من اللحوم الحمراء والبيضاء، سواء في شكلها الطبيعي، أو في شكل منتجات مشتقة منها، وتحرص دوائرها المعنية على ضمان صفة الحلال فيها.

نشاط متنوع

ويمكن للمهتم بموضوع اللحم الحلال في دول أوروبا الغربية، أن يعتمد التصنيف التالي في متابعته لشئون المؤسسات والشركات والهيئات المعنية بهذا النوع من التجارة:

1- مسالخ الذبح على الطريقة الإسلامية

2- شركات توزيع اللحم الحلال على المحلات التجارية

3- المجازر الإسلامية أو محلات بيع اللحم الحلال (محلات الجزارين)

4- مصانع منتجات اللحم الحلال (اللانشون، اللحوم المجففة،...)

5- هيئات مراقبة اللحم الحلال (شركات متخصصة في منح تأشيرة الحلال)

6- المطاعم ومحلات الوجبات السريعة التي تقدم منتجات اللحم الحلال

7- وسائل الدعاية والإعلام المتخصصة في الترويج للحم الحلال (مجلات، إنترنت،...)

ولا شك أن لهذا التنوع في النشاط التجاري المرتبط باللحم الحلال مصادر وعوامل متعددة ساهمت في إيصاله إلى هذه الدرجة من التباين والتكامل في الوقت نفسه.

 فقد كان الأمر في بدايته متصلا برغبة مجموعة قليلة من المهاجرين المسلمين في الالتزام بشعائر دينهم، وعدم تناول لحوم وأطعمة أُهل بها لغير الله، ولم يُذكر اسم الله عليها عند ذبحها، لكنه وصل بعد عقود قليلة إلى منتج تجاري مميز لا يهم المسلمين وحدهم، بل يتطلع إلى جذب قطاع واسع من غير المسلمين، بالاعتماد على صيغ ترويجية تركز على الفوائد الصحية للحم المذبوح على الطريقة الإسلامية، وعلى معايير الصحة والأمان والنظافة المتوفرة بشكل أكبر في المنتجات الغذائية الحاصلة على ماركة "حلال".

لقد سجل مهتمون بتجارة اللحم الحلال في الدول الغربية أيضا، دخول عوامل سياسية كمساهم في تنمية هذه التجارة، حيث ظهرت في بعض الدول الأوروبية خلال السنوات الأخيرة تجارب متميزة في مجال مطاعم الوجبات السريعة، استندت في اجتذابها لزبائنها على معطيين اثنين، أولهما توفيرها لمنتجات تشتمل على لحم حلال، وثانيهما تمثيلها بديلا عن المطاعم الأمريكية العالمية التي تستحق -برأي كثيرين- مقاطعة وغضب المسلمين.

ومن هذه التجارب التي قامت على الجمع بين شعاري "الحلال" و"المقاطعة" على سبيل المثال، سلسلة مطاعم "تشيكن حلال" التي ظهرت أول الأمر في إنجلترا، ثم امتدت لتفتح فروعا لها في عشرات المدن الأوروبية الأخرى، وتحقق أرباحا عالية في ظرف زمني قياسي، حيث تتحدث مصادر في هيئتها الإدارية عن وجود 165 فرعا للشركة، موزعة على 11 بلدا أوروبيا، وبرقم معاملات سنوي يصل إلى 7.5 ملايين يورو.

هيئات رقابية

The embedded asset does not exist:
Asset Type: Image_C
Asset Id: 1177156086968
PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic
مجلة حلال 
لقد أفرز التوسع الذي عرفته تجارة اللحم الحلال في بعض الدول الأوروبية ظهور عدد من الهيئات والمؤسسات الرقابية المتخصصة في ضمان جودة ومصداقية المنتجات التي تحمل عبارة "حلال"، أو التي تُقدم للمستهلكين -المسلمين وغيرهم- على أنها معدة أو مصنوعة وفقا لشروط ومعايير الشريعة الإسلامية.

وقد نشأت هذه المؤسسات، بعد تسجيل العديد من مخالفات الغش والتزوير، حيث ادعت بعض محلات بيع اللحم والمطاعم، أنها تقدم لمستهلكيها لحما حلالا، في حين ثبت أنها تشتري بضائعها من شركات توزيع أوروبية لا تراعي في ذبحها أية معايير دينية، ولا تتحمل أية مسئولية في تسويق منتجاتها تحت مسميات غير حقيقية.

ومن أهم هيئات الرقابة التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة في أوروبا الغربية، "مؤسسة خدمة الحلال في دول البنليكس"، التي تغطي أنشطتها 3 دول أوروبية هي هولندا وبلجيكا ولوكسمبورج، وتطال عملياتها أكثر من ألفي محل بيع لحوم ومطعم وشركة، تهتم جميعها بالحصول على إفادات بضمان تطابق منتجاتها مع شروط الشريعة الإسلامية في اللحم والطعام الحلال.

وتمنح مؤسسة خدمة الحلال المعروفة بمختصر اسمها "إيتش إس بي" (HSB)، شهادات "الحلال" للشركات والمحلات التي تطلبها، بعد التأكد من خلال إجراءات الرقابة، من مطابقة الذبح للشروط الشرعية، والتأكد من مصادر اللحم في حال تعلق الأمر بمنتجات مصنعة ومشتقة.

وقد أضحى بينًا لدى عدد كبير من المستهلكين المسلمين في هولندا مثلا، التأكد من وجود شهادة "الحلال" المستخلصة من مؤسسة خدمة الحلال، معلقة على أحد جدران محل البيع أو المطعم، للمضي في عملية طلب أو شراء المنتج، حيث أصبحت هذه الوثيقة بمثابة ضمان تبعد كل شك ممكن لدى المستهلكين.

وتعمل مؤسسة خدمة الحلال، كما ورد في موقعها على شبكة الإنترنت (www.halalfood.nl)، تحت إشراف ورعاية جمعية الأئمة في هولندا، حيث تعمل على تنظيم زيارات دورية لمجموعات من أئمة المساجد والدعاة، إلى المسالخ ومحلات إنتاج اللحم، لمراقبة عمليات الذبح والاطمئنان على التزام العمال والمشرفين بقواعد الشريعة الإسلامية.

المسلمون أكثر استهلاكا

The embedded asset does not exist:
Asset Type: Image_C
Asset Id: 1177156087035
PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic
منتجات لحوم حلال 
ومما يضيف إلى أعباء هيئات الرقابة على اللحم الحلال في دول أوروبا الغربية، التوسع المطرد الذي يشهده هذا القطاع التجاري جراء نمو عدد المستهلكين من جهة، وإقبال المسلمين من جهة ثانية على استهلاك اللحم ومشتقاته بمعدلات تفوق تلك المسجلة لدى نظرائهم من السكان الأصليين، خصوصا في المواسم والأعياد الدينية، كشهر رمضان على سبيل المثال.

وبحسب مجلة "حلال مجازين" (www.halalmagazine.com)، فإن أبناء الأقلية المسلمة الهولندية يستهلكون 8% من مجموع 600 ألف طن من اللحم المستهلك سنويا في البلاد، على الرغم من أنهم يشكلون فقط 5% من إجمالي عدد السكان البالغ 15.9 مليون نسمة وفقا لتقدير عام 2001.

وبالاعتماد على نفس المصدر فإن المهاجرين الأتراك والمغاربة الذين يشكلون غالبية أبناء الأقلية المسلمة، يستهلكون على مستوى الفرد بنسبة 25 إلى 30% من اللحوم أكثر مما يستهلك الفرد من أبناء المواطنين الأصليين، وذلك لاختلاف العادات والتقاليد الغذائية لدى أفراد الأقلية الإسلامية، ودخول اللحم كمكون أساسي في جل الوجبات الغذائية.

وتشير المجلة إلى أن غالبية المستهلكين المسلمين يشترون حاجياتهم من "المجازر الإسلامية" المنتشرة في جل المدن الهولندية بكثافة، والتي تبيع مختلف أنواع اللحم الحلال، إلا أن لحوم الدجاج أو اللحوم البيضاء تظل المفضلة لدى المستهلك المسلم، وتحل ثانيا لحوم الضأن، وبعدها اللحم البقري، وأخيرا أنواع اللحوم الأخرى، كلحوم الطيور والأرانب وغيرها من أنواع اللحم الحلال.

وبحسب بعض المصادر، فإن حجم تجارة اللحم الحلال في هولندا يتراوح بين 240 و260 مليون يورو سنويا، هذا دون احتساب رقم المعاملات التجارية للشركات الهولندية مع دول العالم العربي والإسلامي، حيث تعتبر هولندا واحدة من أهم الدول المصدرة للحوم والألبان على الصعيد الدولي، وتدر الصادرات الهولندية من هذه المنتجات ما يصل إلى 15 بليون يورو سنويا، ترجع نسبة 18% منها إلى دول إسلامية.

مؤتمرات وحملات توعية

ومع اتساع رقعة النشاط التجاري لمؤسسات وشركات اللحم الحلال، فقد ظهرت مبادرات عديدة خلال السنوات الأخيرة، لإيجاد روابط وهيئات اتحادية، تساعد الفاعلين في هذا القطاع على الاستفادة المشتركة من تجاربهم، وعلى تنظيم حملات دعاية وتوعية مشتركة للمستهلكين المتوزعين على مساحة جغرافية كبيرة، خصوصا بعد ظهور مشاكل وتحديات متشابهة في مختلف الدول المعنية بمنتجات الحلال الإسلامية.

ومن أهم المنظمات الاتحادية التي نشأت للاضطلاع بمهمة التنسيق بين العاملين والشركات الناشطة في قطاع اللحم الحلال، منظمة الطعام الحلال (Halal Food Organization)، التي تتخذ من الرياض في المملكة العربية السعودية مقرا لها، والتي تأسست للقيام بوظيفة مزدوجة، الأولى هي الاهتمام بمنتجات اللحوم المصدرة إلى دول العالم الإسلامي، والثانية هي الاهتمام بالمنتجات المقدمة للمستهلكين من أبناء الأقليات المسلمة.

وقد نظمت منظمة الطعام الحلال، أول مؤتمر دولي من نوعه للحم الحلال في الفترة ما بين 24 و27 سبتمبر 2001، اجتمع خلالها 1000 خبير متخصص من المعنيين باللحم الحلال جاءوا من 40 بلدا من مختلف أنحاء العالم، من بينهم رجال أعمال وخبراء صحة وإعلاميون، فضلا عن أئمة وعلماء متخصصون في الفقه والشريعة الإسلامية.

وقد كشفت فعاليات المؤتمر عن معطيات لم تكن معروفة من قبل، منها أن الدول الإسلامية تعتبر المستورد الأكبر للحم ومشتقاته في العالم، فالمملكة العربية السعودية وحدها تستورد بما يساوي 7.2 بليون دولار سنويا من اللحوم ومشتقاتها، وهو ما يعني أن تجارة اللحم الحلال لم تعد موضوعا هامشيا يقتصر الاهتمام به على فئة قليلة من أبناء الأقليات المسلمة في الغرب، بل أضحت أحد أهم القطاعات الاقتصادية، التي تستوجب اهتمام الفاعلين الرسميين والأهليين من نشطاء القطاع الخاص على السواء.

هوامش ومصادر:


  كاتب وباحث تونسي مقيم في هولندا

نظرا لعدم وجود إحصاء رسمي بعدد المسلمين في أوروبا؛ حيث تقدر بعض المصادر غير الرسمية الأقليات المسلمة في أوروبا بـ15 مليون نسمة.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم