منتدى دافوس " 30 عامًا": من الاقتصاد إلى زعامات الغد وصياغة المستقبل
تحول لقاء دافوس الذي بدأ عام 1970م بمشاورات دون جدول أعمال بين زهاء مائة شخص من قطاع العلوم وإدارة الأعمال إلى مؤتمر ضخم، يستقطب هذا العام أكثر من 1200 شخصية من مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والعلمية والإعلامية .. وينعقد على مدى أربعة أيام، تشهد عدة مئات من المحاضرات وندوات النقاش، موزعة على سبعة قطاعات رئيسية... ولكن ربما كان أهمها من حيث تأثيره البعيد المدى ما يخصص من المؤتمر للشئون الثقافية وللمسائل العلمية والطبية ، فهي تتناول أرضية الأفكار والتصورات والمعتقدات التي تحرّك مجرى الأحداث حاليًا .. والصورة التي يراد أن تتخذها مستقبليًّا فمن أصل 88 ندوة ومحاضرة لا يشغل الاقتصاد إلا ثمانية منها.
فما هو منتدى "دافوس" الذي ينعقد سنويًّا منذ عام 1970م، تحت عنوان "المنتدى الاقتصادي العالمي" .. ويطرح قضايا سياسية وفكرية وثقافية، لا القضايا الاقتصادية فقط كما قد يوهم عنوانه، فهذا واضح من لقاءاته الماضية ومن برنامج لقاء عام 2000 للمؤتمر الحالي في الفترة من 27/1 إلى 1/2/2000 م ..
The embedded asset does not exist: Asset Type: Image_C Asset Id: 1177156091957 PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic
ثم ما الذي يدفع ذلك العدد الكبير من الرؤساء والزعماء والمشاهير في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية إلى المشاركة في المؤتمر، رغم أنه لا يخرج بقرارات ملزمة، ولا بيان معتمد، وليس له أي سلطة يعتمد عليها اعتمادًا مباشرًا أو غير مباشر ؟!..يحمل "المنتدى الاقتصادي العالمي" اسم "دافوس": نسبة إلى البلدة الجبلية السويسرية التي انعقد فيها لأول مرة، وما يزال ينعقد فيها، رغم تعرضها أحيانًا لعواصف ثلجية وقت انعقاد المؤتمر كما كان عام 1999 م، ورغم نشأة مقر جديد للمنتدى في ضاحية "كولون" التابعة لجنيف. أخطبوط دافوس ومنتدى "دافوس" يتخذ مكانه إلى جانب بعض الهيئات والمؤتمرات العالمية المشابهة، مثل: "نادي روما" أو "ندوة ميونيخ لقضايا الأمن الدولي" .. ويشكل معها أرضية صناعة القرار السياسي والاقتصادي والأمني على أعلى المستويات . ويجدر التنويه هنا إلى أن "القمة الاقتصادية" للدول الصناعية الرئيسية في العالم، إنّما بدأت أيضًا على شكل "لقاء غير رسمي"، دون وفود كبيرة، ولا جداول أعمال ملزمة أو قرارات وبيانات ختامية .. ورغم ذلك كان لها في السنوات الأولى تأثير أكبر من تأثيرها الحالي في صناعة القرار الدولي، على صعيد العلاقات بين الشرق والغرب، وفي قضايا التسلح والأمن، فضلاً عن قضايا اقتصادية ومالية حاسمة كعلاقة الدولار بالمصرف المالي العالمي، ودور صندوق النقد الدولي على صعيد الاستثمارات وغير ذلك.ولا يقلل من أهمية منتدى "دافوس" إذن عدم صـدور قرارات ملزمة عنه، بل على النقيض من ذلك ترتكز أهميتـه على الاكتفاء بتأثير الجهات القادرة على ممارسة الضغوط المالية وغيرها على صناعة القرار، دون أن يأخذ ذلك صورة استعراضية تجاه الرأي العام .. فيسبب ردود فعل مضادة.لا ينفي ذلك أن فكرة ولادة المؤتمر في حدودها الظاهرة للعيان كانت إيجابية، ناجمة عن تأثر المتخصص الجامعي في إدارة الأعمال "كلاوس شفاب" الألماني الأصل- بما رصده من وجود هوة فاصلة بين ما تقول به الأطروحات النظرية، وما تمضي إليه السياسات والتطبيقات الاقتصادية، فوجّه عام 1970م دعوة إلى كبار المسئولين في إدارة أعمال ساحة الاقتصاد الأوروبية للالتقاء مع متخصصين جامعيين في هذا القطاع، والحوار حول قضايا الساعة الاقتصادية .. وكان التجاوب في أول منتدى انعقد في الشهر الأول من عام 1971 م كبيًرا ، فتأسس "صندوق المنتدى الاقتصادي العالمي"، وأصبح أساسًا لتمويل نشاطاته المتنامية عامًا بعد عام، ويضم في هذه الأثناء أكثر من ألف شركة عالمية معروفة، ونشأت إلى جانبه مؤسسات أخرى، مثل: مجموعة "روّاد الإعلام" أو مجموعة "زعماء الغد"، وتضم الأولى: كبريات المؤسسات العاملة في ميدان الإعلام، والثانية تضم: كبار "المرشحين" لمناصب قيادية في أنحاء العالم ممن لم تصل أعمارهم إلى 45 سنة.ولئن كانت البداية مؤتمرًا سنويًّا، أصبح هو المناسبة التي يطرح فيها اسم "دافوس" في وسائل الإعلام، أو أصبح بمثابة الصورة المعروفة والغالبة على طبيعة المنتدى، فالواقع أنّ المؤتمر السنوي لا يمثل سوى جانب محدود من النشاطات الجارية على مدار العام، أو هو بمثابة ساعات للحوار المباشر حول قضايا بقيت مطروحة وموضع اهتمام ومتابعة في أعوام ماضية أو ينتظر أن تكون كذلك في أعوام تالية.وعلى سبيل المثال بدأ في عام 1973م تأسيس " منتديات قطرية "، وكان من نشاطاتها بعد زهاء عشرين سنة ما يقدر بخمسمائة لقاء وندوة محلية وإقليمية .. فضلاً عن التقارير والدراسات التي تصدر بالعشرات حول بلد أو منطقة إقليمية بعينها كتقارير دورية حول الهند وتركيا وجنوب إفريقيا وغيرها ، أو حول قضايا يراد إبرازها للعيان كالتقرير الصادر عام 1997م حول " المؤتمر الاقتصادي الدولي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا ".. والجدير بالذكر أن التوزيع الإقليمي لنشاطات المنتدى يضع جزءًا من البلدان العربية والإسلامية والتي شاعت تسميتها بالشرق الأوسط في " منطقة إفريقيا والشرق الأوسط " ويضع الجزء الآخر في نطاق " منطقة آسيا ".وكان عام 1973 من المحطات الرئيسية لمنتدى "دافوس" بعد ثورة أسعار النفط الخام، وما ترتب عليها على الأصعدة المالية والاقتصادية والأمنية ، بما في ذلك العلاقات المالية الأوروبية-الأمريكية وولادة قمة البلدان الصناعية .. ويسري شبيه ذلك على المحطة الرئيسية التالية عام 1982 م على ضوء أزمة المكسيك التي طرحت قضية الديون الخانقة على كاهل الدول النامية ، جنبا إلى جنب مع بوادر متغيرات جديدة في العلاقات بين الشرق والغرب على ضوء سياسة الانفراج الدولي باتت ترجّح الوفاق بين المعسكرين ، وإن لم تصل التنبؤات آنذاك إلى مستوى سقوط الشيوعية نفسها. مسبك التغييرات العالمية وكثير من القضايا ذات الأبعاد المتعددة كان لتطوراتها ركائز أولى أو ركائز رئيسية في دافوس .. كالانفتاح الأوروبي عام 1987 م -قبل الأمريكي- على مبادرات "جورباتشوف" ، أو التقارب التركي-اليوناني عام 1988 م لأول مرة منذ حرب قبرص، أو اللقاء الحاسم عام 1989م بين زعماء شطري ألمانيا وتمهيدًا لإعادة وحدتها .. وهكذا مما يكشف عن حجم ما وصلت إليه نشاطات المنتدى على الأصعدة السياسية ، ولم تكن منعدمة من قبل ، ولكنها بلغت في النصف الثاني من الثمانينيات مداها ، وتابعت ذلك في التسعينيات الميلادية ، فرافقت انهيار المعسكر الشرقي ، ثم أحداث البلقان ، وأصبح لمنتدى دافوس دور رئيسي على الساحة الفلسطينية بتحرك مكثف للغاية ، وكان قد بدأ الاهتمام بالقضية منذ السنوات الأولى لنشأة المنتدى نفسه.ووضع لهذه النشاطات وسواها بأشكال أخرى في جنوب إفريقيا وإيرلندا الشمالية عنوان " الخدمات السلمية "، ويضم المنتدى تحت هذا العنوان القيام بمشاريع معينة في قطاعات التربية والصحة والإعلام والثقافة والسياحة والاتصالات بالإضافة إلى القطاع المالي والمنشآت العامة .. ويلاحظ من العناوين ومن طبيعة النشاطات نفسها أنها تتطلع إلى ما هو أبعد بكثير مما يوحي به العنوان الشائع " المنتدى الاقتصادي الدولي " .. فالمشاريع المعنية وكذلك النشاطات الجارية على صعيد " الزعامات المستقبلية " ، كاللقاء الذي خصص لها عام 1999م ضمن فعاليات المؤتمر، جميع ذلك مؤشرات على اتجاه الريح -إذا صح التعبير- أو على ما يسعى المنتدى لتحقيقه عبر نشاطاته.وما دامت النسبة العظمى من المشاركين في المؤتمر مما يسمّى " النخبة " السياسية والاقتصادية، بمعنى القائمين على صناعة القرار في مواقع رئيسية من الساحة العالمية، وبمشاركة الأطراف الأقرب إليهم وإلى توجهاتهم من داخل البلدان النامية أو ما يسمى العالم الثالث ، وهذا ممّا يدفع إلى التساؤل عمّا ينتظر من المنتدى إذن بالنسبة إلى الأطراف الأضعف سياسيا واقتصاديا في عالمنا المعاصر، لا سيما بعد استفحال أضرار ظاهرة العولمة وثورة الاتصالات، وكلاهما في موقع الصدارة من لقاءات ماضية ومن اللقاء الثلاثين الراهن لمنتدى دافوس ؟..الواقع أنّ التسعينيات الميلادية شهدت -بغض النظر عن النوايا الأولى لصاحب فكرة المنتدى ومؤسسيه- تطوّرا كبيرا في طبيعة نشاطاته وتوجّهاته ، وسيان هل كانت مسيرته مقصودة في هذا الاتجاه من البداية ، أو تمخضت تلقائيا عن توجهات جديدة ، فالنتيجة واحدة، وهي أن المنتدى أصبح من الأدوات الفعالة والرئيسية للتحرك " السلمي " الذي يمكن أن يكمل التحركات الأخرى ما بين الضغوط السياسية والاقتصادية وحتى توجيه الضربات المالية والعسكرية ، لتحقيق حصيلة سلبية لا نجد لوصفها تعبيرا أنسب من " الهيمنة " في إطار ظاهرة العولمة ، وعلى مختلف الأصعدة الفكرية والسياسية والأمنية لا الاقتصادية فقط. وكان المنتدى قد أعطى لظاهرة العولمة مكانة الصدارة في برامج لقائه السنوي عام 1997 م، ويسري هذا على لقاء 2000م أيضا مع إضافة جوانب رئيسية منها ثورة الاتصالات وتقنية شبكة العنكبوت.وقد تحول اللقاء الذي بدأ عام 1970 م بمشاورات دون جدول أعمال بين زهاء مائة شخص من قطاع العلوم وإدارة الأعمال إلى مؤتمر ضخم ، يستقطب هذا العام أكثر من 1200 شخصية من مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والعلمية والإعلامية .. وينعقد على مدى أربعة أيام ، يشهد عدة مئات من المحاضرات وندوات النقاش ، موزعة على سبعة قطاعات رئيسية، في مقدمتها " القطاع المشترك " الذي يحضره جميع المدعوين ويشهد إلقاء الكلمات الرئيسـية ، ومنها قطاعات القضايا العامة ، والقضايا الإقليمية ، والمسائل الاقتصادية .. ولكن ربما كان أهمها من حيث تأثيره بعيد المدى ما يخصص من المؤتمر للشؤون الثقافية وللمسائل العلمية والطبية ، فهي تتناول أرضية الأفكار والتصورات والمعتقدات التي تحرّك مجرى الأحداث حاليا .. والصورة التي يراد أن تتخذها مستقبليا فمن أصل 88 ندوة ومحاضرة لا يشغل الاقتصاد إلا ثمانية منها.وهذا ما يدفع إلى طرح السؤال : مع مواكبة قضايا الساعة في المؤتمر ، ما هو أسلوب معالجته لقضايا الإسلام والأديان العالمية عمومًا ، لا سيما وأنّ كثيرًا من القضايا التي يناقشها، كالتقنية الوراثية، أو تقنية الاستنساخ، أصبحت من القضايا التي تحظى باهتمام خاص عند من يخشون أن تسيطر المصالح المادية المحضة من دون القيم والأخلاق على صناعة القرار المتعلق باستخداماتها التطبيقية المختلفة في واقع الحياة البشرية .. هذا علاوة على طرحه بعض الأسئلة بصورة مباشرة كالمحاضرات وندوات النقاش تحت عنوان " الإسلام السياسي " أو تحت عنوان " الطبيعة أم الله ؟.. " وغيرها ، ويحتاج الجواب على السؤال المذكور إذن متابعة مجرى المؤتمر نفسه وما يرافقه من نشاطات خلال هذه الأياملمزيد من المعلومات عن المنتدى أنظر:موقع منتدى دافوس