|
| الطبقة الوسطى تعاني من مشكلات عديدة في المنطقة العربية
|
في إحدى زياراته الدورية التي كان يقوم بها للعاصمة الفرنسية والتي شارك خلالها بندوة في معهد العالم العربي، أثرت مع الرئيس (رئيس الوزراء السابق) الشهيد، رفيق الحريري، موضوع التراجع الهائل في نسبة الطبقة الوسطى في لبنان، وإمكان إعادة إحيائها، خصوصا أنها كانت تشكل عشية الحرب اللبنانية سنة 1975 ما يقارب الـ67 في المائة من مجمل القوى العاملة -المعدل الأعلى بين الدولة العربية كافة في حينه- مقابل نحو من 18 في المائة سنة 2004.
اعتقدت لدى طرحي هذه المسألة بأنني قد شرعت بعض الشيء وكأنني قد خرجت من موضوع الساعة، خصوصا عندما نظر إلى من أحاط به بتعجب كونه كان يتسابق في الإشادة بالإنجازات الاقتصادية والإعمارية التي حققها حتى الآن. لكنني فوجئت بمدى اهتمام رئيس الوزراء الراحل بهذا الجانب إلى حد أنه أجابني منهيا بذلك عملية "مسح الجوخ" الحاصلة قائلا: "إن الانكفاء التدريجي للطبقة الوسطى في لبنان هو بمثابة فقدان أحد صمامات الأمن الاجتماعي الرئيسة". وخلص إلى القول بأن هذه "القضية توازي بنظره التحدي المفروض، سواء لناحية إعادة إعمار البلد وبنياته التحتية، أو لناحية استعادة موقعه على الساحة الدولية". وقبل أن يغادر القاعة، عاد وتوجه إلي بالقول: "سيكون إن شاء الله للبحث تتمة".
أردت من سرد هذه الواقعة أن أشير إلى أن رفيق الحريري كان فضلا عن مشروعه السياسي والإنمائي يملك مشروعا مجتمعيا يشكل إحياء الطبقة الوسطى في لبنان أحد أعمدته، فالذي أعاد هذا الموضوع إلى ذاكرتي اليوم، هو تعدد التصريحات الصادرة عن مسئولين عرب يعدون فيها مجتمعاتهم بالعمل على تعزيز الطبقات الوسطى، عنصر الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، بحسب قولهم، داعين الحكومات إلى إدراج هذا البند، من الآن فصاعدا، في قلب مشاريعهم المجتمعية.
لكن شتان ما بين الوعود وتنفيذها. لسبب بسيط، هو أن غالبية المنادين بإحياء هذه الطبقة وتعزيزها -ما عدا تونس التي تحتل المرتبة الأولى في هذا الميدان بمعدل 69 في المائة تقريبا- لا تملك الرؤية الواضحة، ولا الخطة، ولا الأدوات الكفيلة بتحقيق هذا الهدف. ناهيك عن القناعة بالفكرة من أساسها.
دور الطبقة الوسطى
ينبغي على أي حال، التذكير بأنه تسود بعض المجتمعات العربية في هذه الفترة بالذات، نقاشات دائمة ومتشعبة حول ماهية هذه الطبقات الوسطى وحقيقة دورها في عملية النهوض الاجتماعي.
ففي حين يعتبرها البعض بمثابة رافعة للاقتصاد الوطني وعنصرا فاعلا في خفض معدلات الفقر، إضافة إلى أنها تشكل السد المنيع بوجه حالات التطرف المتنامية، يتساءل البعض الآخر فيما إذا كانت هذه الشريحة تشكل حقيقة اجتماعية أم أنها مجرد أداة للتعبئة السياسية خدمة لنظام معين؟ وهل أن مفهوم هذه الطبقات هو ثمرة التاريخ ومحركه في آن؟ باختصار، يمكن القول إن مفهوم طبقات وسطى يعني مستوى أفضل للعيش وقوة شرائية أفعل، وكذلك نشوء منطقة سياسية عازلة تضمن استقرار البلد المعني.
فبغض النظر عن التحليلات والنيات والتساؤلات، فإن اكتشاف بعض الدول العربية اليوم لأهمية عنصر الطبقات الوسطى ودورها في المجتمع، دليل وعي حتى ولو جاء متأخرا. وتذكر أيضا بالتجارب في هذا المجال وبالخسارات التي لحقت به جراء تراجع الحيز الذي كانت هذه الطبقات تمثله في عدد من البلدان، وانعكاسات ذلك فيما بعد على أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية، وحتى على مستوى الثقافة السياسية.
ومن بين الدول التي فقدت الكثير نتيجة وهن طبقتها الوسطى، العراق، الذي بعد أن بدأ بتسجيل قفزات نوعية في هذا المجال في منتصف السبعينيات وحتى بدايات الثمانينيات – في ظل الطفرة النفطية – عاد للتراجع بعد دخوله حربه الضروس مع إيران. ما جمد نمو هذه الطبقة. وجاء اجتياح الكويت من جانب جيش النظام السابق وما ترتب عنه من حصار وإفقار للمجتمع العراقي، ليوجه ضربة قاصمة لهذه الطبقة الوسطى الواحدة في العالم العربي.
وينطبق واقع التراجع هذا على الجزائر، مع فارق كبير بالطبع بين الظروف والأسباب. إذ تركت السياسات الاجتماعية والاقتصادية المتخبطة التي اعتُمدت مع دخول البلاد في دولة ما يشبه الحرب الأهلية ببداية عقد التسعينيات، آثارها السلبية على الطبقة الوسطى الجزائرية بحيث فقدت هذه الأخيرة مواقعها المتميزة نسبيا لمصلحة قوى اجتماعية طفيلية تمكنت عبر الخلل القائم وبواسطة إمساكها بخيوط السوق الموازية من إضعافها في شكل لافت.
التجربة التونسية
تبقى تونس، البلد شبه الوحيد الذي لم يحافظ على مستويات طبقته الوسطى فحسب بل عمل على تعزيزها منذ بداية العقد الماضي وحتى هذا التاريخ. ولقد ساعدت المبادرات الاجتماعية التكاملية التي اتخذتها الدولة عبر إنشاء ما يعرف بـ"صندوق 26/26" لدعم المناطق الأكثر فقرا، و"بنك التضامن التونسي" الذي يُعنى بتقديم القروض الصغيرة (المايكرو – كريديت)، وأخيرا، هذه السنة، مع إنشاء "البنك المتخصص بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم" -على تقوية الطبقة الوسطى.
تجدر الإشارة هنا أيضا إلى دور هذه الطبقة في تدعيم عملية النمو الاقتصادي بحيث تمكن هذا الأخير طوال أكثر من 10 سنوات من المحافظة على معدل منتظم بحدود الـ5 في المائة. ناهيك عن الدور الذي لعبته هذه الشريحة من المجتمع، والتي تشكل الغالبية، في مواجهة التيارات الدينية المتطرفة التي حاولت بنهاية الثمانينيات انتزاع السلطة.
إحياء ضروري
ويتوقع الخبراء في الشأن الاقتصادي والاجتماعي اليوم أن تصبح مسألة إحياء الطبقات الوسطى في العالم العربي، قضية محورية، خصوصا بعد اكتشاف عدد من المسئولين أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به هذه الشرائح لناحية امتصاص حدة الأزمات وإجهاض تفجرها من جهة، ومن جهة أخرى، في تشكيل صمام أمان للنظام السياسي من خلال طبقة محكومة بأن تدافع عن مصالحها، وحتى عن امتيازاتها.
فاكتشاف أهمية هذه الطبقات لم يعد، على ما يبدو، حكرا على العالم العربي اليوم. إذ إنه من الملاحظ، أن الكثير من حكومات دول الاتحاد الأوربي وفي طليعتها فرنسا وألمانيا، بدأت تركز في طروحاتها ودراساتها، وحتى في الطب التي يلقيها وزراؤها، على ضرورة إحياء الطبقات الوسطى وعدم المساس بمكتسباتها.
وتفيد خلاصة التقارير التي أعدها فريق من الخبراء الأوربيين بتكليف من لجنة الشئون الاجتماعية في بروكسيل أن أي بلد من بلدان الاتحاد، غنيا كان أم فقيرا – في إشارة للدول العشر الأخيرة المنضمة – لا يمكن له أن يتقدم في ظل العولمة، إلا في ظل طبقة وسطى قوية.
وإذا كان بعض العالم العربي قد أصاب باكتشافه مجددا حسنات هذه الطبقات الوسطى فإنه لم يسع مع الأسف إلى المبادرة بإعداد الدراسات اللازمة المساعدة على نموها وتطورها. إذ بقيت في إطار النظريات والتمنيات. الأكثر من ذلك أن أيا من مؤسسات الدراسات المنتشرة حاليا بكثافة في الدول العربية لم تعمد إلى تخصيص ندوة أو حلقة دراسية بين العشرات التي تنظمها سنويا لمناقشة هذه المسألة.
*نقلا بتصرف عن صحيفة الحياة، 10-4-2005، والعنوان الأصلي للمقال "وجهة نظر اقتصادية: العالم العربي يكتشف أهمية طبقاته الوسطى".
|