|
تحت الحصار أنت أقوى اقتصاديا.. ليس ذلك مجرد وهم يردده حالمون يرفضون الهيمنة الاقتصادية الغربية، إنما هناك من صنعوا على أرض الواقع تجربة تستحق الرصد، فرغم الحصار المضروب علي إيران منذ قيام الثورة الإسلامية 1979، فإنها استطاعت أن تقيم صناعة سيارات وصلت في نهاية المطاف لإنتاج سيارة وطنية تم تصميم وتصنيع 85% منها داخل البلاد.
وتسعى حاليا شركات صناعة السيارات الإيرانية للنفاذ إلى الأسواق العالمية بعد أن شهد هذا القطاع الصناعي قفزات نوعية خلال السنوات الأخيرة، إثر دخوله في مشاريع استثمارية مشتركة مع كبريات الشركات العالمية، واعتماد حكومة الرئيس محمد خاتمي لسياسة التوسع في الخصخصة، وسَنّ قوانين لتشجيع الصادرات وحماية المنتجات الوطنية.
وقد أدى ذلك إلى أن تمثل هذه الصناعة 2.5% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، و18% من القيمة المضافة الإجمالية للمنتجات المصنعة في إيران، حسب الإحصاءات الرسمية لعام 2001.
ويطمح الإيرانيون في الوقت الحاضر إلى منافسة شركات صناعة السيارات العملاقة في الأسواق الإقليمية بما في ذلك أسواق غرب آسيا ومنطقة آسيا الوسطى، وذلك في إطار خطة اقتصادية طموحة للاقتداء بتجربة النمور الآسيوية.
اهتمام حكومي
بعد أن كانت هناك شركة واحدة لصناعة السيارات في عهد الشاه -هي شركة إيران خودرو- شهد هذا القطاع تطورًا ملموسًا في عهد الثورة الإسلامية، سيما مع بداية عقد التسعينيات حيث خصصت الحكومة جزءًا كبيرًا من موازنتها العامة لدعم صناعة السيارات، وأفسحت المجال أمام القطاع الخاص للدخول في مشاريع استثمارية مشتركة مع القطاع العام على هذا الصعيد، وتم إثر ذلك تأسيس 9 شركات جديدة في أواسط التسعينيات هي: "بارس خودرو، سايبا، كيش خودرو، شهاب خودرو، كاوة، زامياد، بهمن، سهند، ران إيران"، ويبلغ في الوقت الحاضر عدد العاملين في هذه الشركات 450 ألف عامل، حسب إحصائيات وزارة الصناعة والمناجم الإيرانية في عام 2002.
واتخذت حكومة الثورة الإيرانية عدة إجراءات لحماية الإنتاج الوطني في مجال صناعة السيارات، ومن هذه الإجراءات:
1- منع استيراد السيارات من الخارج، وفرض ضرائب بنسبة 200% من قيمة السيارة على الذين يُسمح لهم بإدخال سيارات خارجية إلى إيران من قبيل المسؤولين وبعض لاعبي كرة القدم.
2- إلغاء الضرائب الخاصة بإنتاج السيارات.
3- توفير خدمات ما بعد البيع للمستهلك المحلي بأسعار مناسبة، ورفع سقف الضمان لكل من يقتني سيارة من إحدى شركات القطاعين العام والمختلط.
4- مقاربة المقاييس الوطنية مع مقاييس الدول الأوروبية في جودة المنتج المحلي؛ حيث بلغت حاليا نسبة 80%.
5- توفير فرص البيع بالأقساط لموظفي الدولة.
6- توفير القطعات الاحتياطية للسيارات الإيرانية بأسعار مخفضة مقارنة بقطعات السيارات الأجنبية.
7- ضمان سعر صرف مناسب وثابت للعملة الصعبة في البنوك الوطنية بالنسبة لمصدِّري السيارات المحليين.
8- تشجيع أصحاب رؤوس الأموال الإيرانيين المقيمين في الخارج على الاستثمار في قطاع صناعة السيارات عبر تقديم محفزات خاصة من قبيل ضمان عدم التأميم وحرية إدخال وإخراج العملة الصعبة بسعر السوق الموازية.
وفي الآونة الأخيرة شرعت الحكومة الإيرانية في إجراء إصلاحات في قطاع صناعة السيارات استعدادا للدخول في منظمة التجارة العالمية (جات)، ومن ذلك إلغاء الموديلات القديمة والفاقدة للمقاييس العالمية من السوق المحلية، وإيقاف صناعتها بصورة تدريجية، والتوسع في الوقت ذاته في إنتاج موديلات عصرية تنسجم مع ذوق المستهلك بما يمكن شركات صناعة السيارات المحلية من منافسة مثيلاتها الأجنبية عند الدخول إلى الجات.
وفي الملتقى الدولي لصناعة السيارات الذي نظمته وزارة التجارة الإيرانية في الخامس والعشرين من يونيو 2002 طالب وزير التجارة "محمد شريعتمداري" أصحاب مصانع السيارات بالاهتمام بتحسين الجودة، والحد من التلوث، والارتقاء بمعدلات الأمان والسلامة وخدمات الصيانة، ومراعاة أذواق ورغبات المستهلكين.
وانتقد شريعتمداري ما وصفه بـ"الدعم غير المدروس لصناعة السيارات في إيران"، وقال: "يجب أن يكون دعم هذه الصناعة على أساس ضوابط منطقية محددة وواضحة"، مشيرًا إلى أن الحكومة ستولي اهتمامًا أكبر لهذا القطاع من الصناعة في خطتها الخمسية الثانية.
إيران خودرو.. الأمل
The embedded asset does not exist: Asset Type: Image_C Asset Id: 1177156081590 PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic |
|
حافلة من إنتاج إيران خودرو
|
وفي الوقت الذي تتسابق فيه الشركات الإيرانية لمواكبة تحديات عولمة التجارة تبدو شركة إيران خودرو الكبيرة الأوفر حظًّا لكسب السوق المحلية، والمنافسة في الأسواق الإقليمية مع الشركات الأخرى.
وتُعد هذه الشركة بعد تحولها إلى القطاع المختلط أضخم الشركات الإيرانية وواحدة من أكبر شركات صناعة السيارات وأدواتها الاحتياطية في العالم، وهي تسيطر على 64% من سوق السيارات الإيرانية.
وتقع منشآت شركة خودرو إيران في غرب العاصمة طهران؛ حيث تمتد على مساحة 3.5 ملايين متر مربع، وترتبط بسكك الحديد مع محطات الشحن والتسويق. ويعمل فيها 12 ألف عامل ومهندس، إضافة إلى 238 ألف عامل في خطوط إنتاج قطع الغيار التابعة لها.
وبدأت إيران خودرو مسيرتها بمشروع استثماري مشترك مع شركة إنجليزية عام 1962م لإنتاج سيارة صالون من نوع "بيكان - السهم"، ثم شهدت قفزة نوعية على صعيدَي الكمّ والكيف عندما تعاقدت عام 1990م مع شركة بيجو الفرنسية لإنتاج موديلات مختلفة من سيارات الصالون، ومنها "بيجو 1600"، "بيجو 206"، "بيجو 405"، و"بيجو بيرسيا".
وارتفع معدل إنتاج الشركة السنوي لسيارات الصالون ليصل في سنة 2001م إلى 350 ألف سيارة، أما إنتاجها من حافلات "إيران خودرو" ذات الطابق الواحد والطابقين فبلغ 6000 حافلة سنويا، إضافة إلى 30 ألف من سيارات الميني باص (ذات الـ 18 راكبًا) من نوعي هونداي وبنز، و20 نوعًا من سيارات الحمل والنقل.
وتُصدِّر الشركة حاليا منتجاتها من السيارات والحافلات والأدوات الاحتياطية إلى 32 دولة منها دول أوربية كفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وتركيا، وقد نالت العام الماضي شهادة المواصفات الدولية (أيزو 9000) و(أيزو 1400)، وحصلت مؤخرا على تأييد "كي تي 9000" الدولي المخصص لصانعي السيارات.
وفي مطلع العام الميلادي الجاري 2002 طرحت الشركة ثاني إنتاج وطني لها بعد سيارة "بيكان"، وهي سيارة سمند (وتعني بالعربية حصانا) التي يصنع محركها و85% من قطعاتها في منشات إيران خودرو من دون الاستعانة بخبرات أو أدوات من الخارج، وتتميز بمواكبتها للتقنيات الحديثة في صناعة السيارات.
وسيارة سمند تحمل علامة مميزة، وهي "حصان" يميزها للمرة الأولى بعدما كانت سيارات الشركة الإيرانية تحمل علامة عربة "داريوس" ملك الفرس في الفترة بين 522 - 486 قبل الميلاد.
كيف بدأت الشركة؟
The embedded asset does not exist: Asset Type: Image_C Asset Id: 1177156081663 PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic |
|
سيارة سمند
|
يقول المهندس "عبد الرحمن قلمبر" مدير قسم التصدير في شركة إيران خودرو: لقد شهد إنتاج الشركة تحسنًا ملحوظًا بعد انتصار الثورة الإسلامية، وعرض الدولة لأسهمها في البورصة، وتحولها تدريجيا إلى شركة قطاع مختلط عام 1991م (56% قطاع خاص، و44% قطاع عام)؛ وهذا ما أدى إلى فتح خطوط جديدة للإنتاج، وتمكننا من دخول المنافسة في الأسواق الإقليمية، ومن المؤمل أن تتحول إلى شركة خاصة عند بيع 44% من أسهمها المملوكة للدولة.
ويؤكد قلمبر أن إيران خودرو التي احتلت المرتبة الأولى لأكثر من مرة كأفضل شركة قطاع مختلط في إيران أصبحت الآن واحدة من بين أفضل 20 شركة صناعة سيارات في العالم، وفق تصنيفات وشهادات دولية معتبرة، ويشير إلى أن قسم التصدير يدرس حاليًّا النفاذ إلى أسواق جديدة بعد حصول معظم منتجات الشركة على شهادة المواصفات الدولية.
وعن الإنتاج الوطني الجديد (سيارة سمند) يشير قلمبر إلى أن قطعات هذه السيارة يتم إنتاجها داخليا، وهي تتمتع بمواصفات قياسية، ولا تقل كفاءتها لجهة السرعة وصرف الوقود وقلة التلوث واحتياطات الأمان عن السيارات الأوروبية واليابانية المتطورة، كما أن ثمنها يُعد مناسبا للمستهلك مقارنة بنظيراتها من سيارات الصالون الحديثة التي تستورد من الخارج.
الإقبال ضعيف
ورغم حملة الدعاية الواسعة التي تقوم بها الشركة للترويج لسيارة سمند فإن حجم الإقبال على اقتنائها في السوق المحلية لا يزال ضعيفًا؛ إذ تباع حاليا في السوق الحرة بمبلغ يعادل 16 ألف دولار، في حين يبلغ سعر سيارة بيكان تقريبا 6 آلاف دولار؛ الأمر الذي يجعل الأخيرة الأكثر بيعًا في السوق المحلية.
ويفسر قلمبر ارتفاع قيمة سمند رغم كونها تُنتج محليا بالقول: إن سعر السيارة في الدولة التي تقوم بصناعتها يكون عادة أغلى من سعر السيارات المستوردة؛ فالبيجو الفرنسية مثلا من فئة 206 تباع في فرنسا بـ 12 ألف دولار، لكن نفس الموديل الذي تصدره شركتنا يباع في فرنسا ذاتها بأقل بكثير من هذا السعر، إضافة إلى ذلك فإن سيارة سمند ذات مواصفات عالية بما يجعلها تختلف كثيرا عن بيكان التي تعد أرخص سيارة في إيران، وخطتنا للسنوات القادمة هي تقليل اعتماد السوق المحلية على بيكان التي تفتقد للمقاييس الدولية حتى تحل محلها "سمند" لتكون السيارة الوطنية الأكثر رواجًا في السوق الإيرانية. ويشير المهندس قلمبر إلى أن مؤسسة الحفاظ على البيئة اتفقت مع الشركة على التقليل من إنتاج سيارة بيكان، واستبدال بموديلاتها القديمة المسببة للتلوث أخرى جديدة أو سيارة سمند.
وتخطط "إيران خودرو" لإنتاج أكثر من 50 ألف سيارة من نوع سمند حتى أواسط العام الميلادي القادم، وتصديرها إلى الأسواق العربية والآسيوية.
نحو أسواق الخليج
وحول قدرة الشركة على خوض المنافسة في الأسواق الخليجية التي تتميز بإقبال الناس فيها على أحدث موديلات السيارات الأمريكية واليابانية، يقول قلمبر: بالنسبة إلى الأسواق الخليجية فإن هنالك بعض الصعوبات التي تعترضنا للتسويق والترويج لسيارة سمند، من ذلك أن الخليجيين يفضلون السيارة الأوتوماتيكية (فول أوتوماتيك) بخلاف ما عليه الحال بالنسبة للإيرانيين، ونحتاج إلى وقت مناسب لإنتاج موديلات صالون تناسب الذوق الخليجي، ولكن في صناعة الحافلات حققنا نجاحًا في دخول السوق الخليجية بعد التعاقد مؤخرا مع العربية السعودية لإنتاج 500 حافلة من نوع إيران خودرو في العام الميلادي القادم 2003.
أما في البلدان الأخرى فلدينا تعاقدات مع شركات تجارية في بلدان آسيا الوسطى وعدد من البلدان الإفريقية لتسوق منتجات إيران خودرو ومن ضمنها سمند، إضافة إلى تصدير الأدوات الاحتياطية لتركيا وفرنسا وإيطاليا وبلدان أخرى، ونتفاوض حاليا مع الهند لإنتاج موديل خاص من سمند يكون المِقْوَد فيه على الجهة اليمنى تبعًا للنظام السائد، وإجمالا فإن نسبة صادراتنا تبلغ سنويا 20 مليون دولار، ونطمح إلى مضاعفة هذه النسبة في المستقبل القريب.
ويؤكد قلمبر أن إيران خودرو تقدم خدمات تفاضلية للمنافسة مع الشركات الأخرى من قبيل تقديم الخدمات المجانية لمدة سنة بعد البيع، والسرعة في تحويل المنتوجات المتعاقد عليها، والالتزام بالمواصفات الدولية وطرح أسعار تنافسية للمستهلكين.
المستهلكون يتذمرون
ورغم التطور الحاصل في صناعة السيارات الإيرانية فإن المستهلكين يُبدون تذمرًا من أساليب الدولة في حماية هذه الصناعة من قبيل زيادة الضرائب الجمركية بنسبة كبيرة جدًّا على السيارات المستوردة في مقابل عدم خفض أسعار السيارات المنتجة محليًّا، ويرى البعض أن هذه الإجراءات تقلل من حافز المنافسة على مستوى الكيف والسعر لدى الشركات الوطنية، سيما بالنسبة لسيارات الصالون الصغيرة الحجم التي تفضلها عادة قطاعات الطبقة الوسطى، وتعد مناسبة لطرق المدن الإيرانية المزدحمة.
اللافت بشكل عام أن الحصار الأمريكي المتعدد الجوانب على إيران ترك أثرًا إيجابيًّا على مستوى إنتاج شركات صناعة السيارات في إيران، ويرى خبراء هذا القطاع الصناعي أن إيران تحولت إلى واحدة من أكبر منتجي ومصدِّري السيارات على المستوى الإقليمي بتأثير التحدي الذي فرضته السياسة الأمريكية على الاقتصاد الإيراني منذ عام 1996 حين أقر الكونجرس الأمريكي قانونًا يفرض عقوبات على إيران وليبيا، ويمنع الشركات الأمريكية من العمل في إيران، وجاء هذا القانون بعد 17 عاما من قطع واشنطن علاقاتها مع طهران بعد أن استولى طلاب إيرانيون على السفارة الأمريكية في طهران عقب الثورة الإسلامية التي قامت عام 1979.
تابع في الموضوع:
|