|
| أردوغان والجيش.. هل يمكن عودة الانقلابات؟ |
يخطئ من يتصور أن تركيا مقبلة حتما على انقلاب عسكري، كمحصلة للأزمة السياسية التي تشهدها البلاد حاليا في إطار معركة الرئاسة بين حزب العدالة والتنمية والقوى العلمانية التي يتقدمها الجيش ذو السجل الحافل في مواجهة الإسلاميين، محافظين ومعتدلين.
والمرجح أننا أمام لعبة شد وجذب تحكمها حسابات واضحة من الطرفين، بخلاف الضجيج الإعلامي في تركيا ذاتها وخارجها حول خطورة الأزمة الراهنة، بما صاحب ذلك من تحذيرات بعودة الماضي الذي حكمه منهج تصفية وإلغاء الآخر على الأقل من جانب الجيش، انطلاقا من أفكار وممارسات مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك المتمحورة حول مبدأ الإبعاد التام لتأثير الدين الإسلامي على الساحة السياسية في إطار مشروع تغريبي متكامل لم يكلل بالنجاح أو يعانق الفشل حتى الآن، بل إنه عمق صراع أزمة الهوية التي تعد محور حركة الأحداث المهمة في تركيا، إضافة إلى المشكلة الكردية.
حسابات حزب العدالة والتنمية
أزمة نعم، هي ليست الأولى ولن تكون الأخيرة، أزمة كبيرة أيضا نعم، لكن من صنعوها يعرفون كيف يخرجون منها عند الضرورة. ولعل الخط الأحمر فيها هو عدم العودة بتركيا إلى الوراء لم يعد موجودا أصلا، فتركيا تغيرت والعالم أيضا، ونهج الانقلابات بكافة ألوانها الحمراء والسوداء والبيضاء أصبح في ذمة التاريخ، كما أن كل أطراف الأزمة تدرك أن منطق "الصدام الوجودي" سيلحق أضرارا بالغة بالمصالح العليا للبلاد إن لم يدمرها، وسيدفع الأتراك جميعا إسلاميين وعلمانيين ثمن عودة ذهنية الماضي.. ثمن قد يكون قوت الشعب ورخاءه، ولا نظن أن هناك من هو مستعد لتحمل مسئولية النيل من تركيا الدولة والوطن والمكانة بخطوات تدخل في إطار الصراع الأيديولوجي أو السياسي.
ومن المهم أن نستعرض مواقف كل طرف وأهدافه. بالنسبة لحزب العدالة والتنمية لم يكن ترشيح نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية عبد الله جول لمنصب الرئيس اعتباطيا، بل إن هناك ما يدعو للقول إن تخطيطا سبق هذه الخطوة بكثير، حيث بدأ قبل أكثر من عام بالإصرار على إجراء انتخابات الرئاسة في موعدها ورفض مطالب حزب الشعب الجمهوري الذي يقود المعارضة في البلاد بحل البرلمان والدعوة لانتخابات عامة مبكرة بهدف حرمان حزب العدالة والتنمية من ميزة تمتعه بالأغلبية المطلقة في البرلمان والتي تقترب من الثلثين (353 من 550 مقعدا) عند اختيار رئيس جديد للبلاد بأصوات النواب. وعلى مدار شهور طويلة تجاهل رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء وزعيم حزب العدالة والتنمية هذه المطالب وفندها عندما دعت الضرورة بوضعها في خانة المماحكات السياسية التي لا تستند إلى الوجاهة والشرعية.
وخلال الأسابيع التي سبقت الانتخابات نجح أردوغان وحزبه في جعل مركز الانتباه مسألة ترشح أردوغان نفسه للرئاسة في ظل حالة من الغموض المثير حول هوية المرشح وبورصة تخمينات متصاعدة، وعندما أعلن أردوغان نفسه عن ترشيح جول كان قد استنفد طاقات خصومه في رفضهم لشخصه، وبدا جول المعتدل بالقياس له في الصورة الذهنية الشائعة لهما قريبا لقبول غالبية الأتراك، بل أطياف الساحة السياسية التركية.
ومن الواضح أن أردوغان كان يدرك من البداية صعوبة تقلده منصبا كان لأتاتورك نقيضه الأيديولوجي والسياسي وفقا لكل القياسات والحسابات، ويبدو أن الرجل كان يراهن على تحويل مسار المعركة من رفض دخول رمز إسلامي سياسي وهو الحجاب كما يرى العلمانيون إلى رفضه شخصيا، وكان من الممكن أن تسير الأمور كما أراد، لولا البيان الأخير للجيش والذي بدا تراجعا عن تعهد سابق للمؤسسة العسكرية بعدم التدخل في الانتخابات الرئاسية.
وثمة ما يشير إلى أن الجيش كان من الممكن أن يتقبل ترشيح جول لولا عزف جوقة الإعلام والعلمنة في البلاد على نغمة دخول الحجاب قصر ومنزل أتاتورك مقابل تفاخر لا يمكن إخفاؤه من حزب العدالة وأنصاره بذلك، وحديث البعض عن انتقام تاريخي للإسلاميين من أتاتورك ومريديه لقمعهم وتحويل الحجاب إلى محرم منبوذ من الدولة تمثلت مظاهره في حظره في الجامعات والمؤسسات الحكومية.
وبغض النظر عن تغير مجرى المعركة باحتشاد العلمانيين لرفض جول، مضيفين أسبابا أخرى مثل التوجس من استغلال حزب العدالة لمنصب الرئيس في خلق ما يصفونه بأسلمة أجهزة الدولة، بما لهذا المنصب من صلاحيات في تعيين شاغلي مناصب حساسة، فإننا لا نظن أردوغان ورفاقه كانوا بعيدين عن توقع الموقف الراهن.
وفي تقديرنا أن رد الحكومة العنيف على تهديدات الجيش بالتدخل لمنع جول من الوصول للرئاسة ليس بمفاجأة، لأن "بلع" هذا التهديد يعني إظهار الحكومة وحزبها بمظهر الضعف والهوان، وهو أمر لا يخدم مستقبلهما السياسي على الإطلاق، خاصة أنه من الناحية الشرعية لا يحق للجيش التدخل في انتخابات الرئاسة.
التصعيد يخدم حزب العدالة
وواقع الأمر أن التصعيد يخدم حزب العدالة؛ لأنه يدعم مصداقيته لدى ناخبيه وهم قطاع واسع من الأتراك يتراوح ما بين ثلثهم ونصفهم، ولعل من حسابات حزب العدالة أن وصول الأزمة لحد منع جول من تولي منصب يبدو أمره محسوما بالنظر إلى امتلاك الحزب الأغلبية البرلمانية اللازمة لذلك، ففي هذه الحالة التي يرجح أن تدفع البلاد إلى انتخابات عامة مبكرة، سيجني الحزب ثمار "تلبس" صورة الضحية بتصويت واسع له يمكنه من استمراره في السلطة لخمس سنوات أخرى.
ولا يخفى على المتابعين للشأن التركي أن حزب العدالة يراهن على رفض الاتحاد الأوروبي لتدخل الجيش السافر في الحياة السياسية، وهو ما عبر عنه بشكل شبه فوري بعد صدور بيان الجيش بشأن الانتخابات. ولعل حزب العدالة يدرك أن الاتحاد الأوروبي قد يطيح بحلم تركيا في ركوب قطاره السريع الفاخر، في حالة إصرار الجنرالات على العودة للعبة الانقلابات القديمة، ووقتها سيحمل الحزب العسكر مسئولية هذا التحول الخطير بعد أن قطعت البلاد شوطا كبيرا من الإصلاحات في ظل حكمه بما يمكنها من الإبقاء على هذا الحلم نابضا بالحياة على الأقل، بغض النظر عن الشكوك التي تساور الأتراك حول مدى تقبل الأوروبيين لهم ككيان ثقافي وديني وجغرافي مختلف عن مكونات القارة العجوز.
وقد يكون الموقف الأمريكي من حسابات حزب العدالة أيضا، حيث يرجح رفض واشنطن لعودة حليف لصيق إلى زمن الانقلابات والاضطرابات، وهو ما بدا على استحياء في تصريح بعض المسئولين الأمريكيين.
ولا يغيب عامل الاقتصاد أيضا عن حسابات حزب العدالة، حيث إن أي تطور دراماتيكي قد يلقي البلاد في هاوية أزمة جديدة بعد التقدم الكبير الذي حدث لهذا الاقتصاد. وهنا تجدر الإشارة لرفض نخبة رجال الأعمال المتنفذين الممثلين في اتحاد "التوسياد" لأي تصعيد من العسكر أو غيرهم.
أما الجيش فله حساباته المختلفة، فهو لا يريد أن يترك لحظة تاريخية تمر دون تسجيل موقفه كحام للقيم العلمانية للجمهورية الأتاتوركية، وهو يمارس التهديد لعل حزب العدالة يتراجع خوفا من معركة كسر عظم يبدو هو الأضعف فيها بالقياس للجيش المتحالف ضمنا مع القضاء والأحزاب العلمانية التقليدية.
كما أن تعثر عملية التحضير للانضمام للاتحاد الأوربي عير المتحمس لقبول تركيا تضعف من شأن حساب العامل الأوروبي في الصراع. ويضاف إلى ذلك الشرخ الذي ضرب علاقات واشنطن بحزب العدالة منذ رفض البرلمان السماح بفتح جبهة ضد العراق انطلاقا من الأراضي التركية قبل غزوه في مارس عام 2003.
ومن حسابات الجيش أن تهديده بمنع انتخاب جول رئيسا يحمل في طياته تأثيرا كبيرا على القضاء خاصة أن المحكمة الدستورية تنظر دعوى من حزب الشعب الجمهوري بإلغاء الانتخابات بحجة عدم حضور ثلثي أعضاء البرلمان الجولة الأولى للتصويت في البرلمان التي جرت الجمعة 27 أبريل 2007. وفي حالة اتخاذ المحكمة قرارا بالإلغاء، فإن الجيش يكون في هذه الحالة قد تجنب الزج بنفسه في مواجهة تلحق ضررا بالغا بصورته وبالبلاد كما أسلفنا.
مجمل القول إننا أمام معركة محسوبة ليس من المعتقد أن تتخذ طابع الصدمات المروعة، لكن الترجيح لا يعني غياب الاحتمالات الأخرى، خاصة في بلد مثل تركيا تحرك مجريات الأمور فيه عوامل كثيرة معقدة.. وتبقى الأحداث هي الأكثر صدقا وليس الكلمات!
كاتب متخصص في الشأن التركي.
|