|
| جول مدعوما من أردوغان بدأ طريقه نحو الرئاسة |
حدث ما سبق التحذير منه، وكشرت قيادات الجيش التركي عن أنيابها اعتراضا على وصول مرشح إسلامي من حزب العدالة لرئاسة الدولة التركية لأول مرة منذ قيام الجمهورية الأتاتوركية العلمانية وانهيار الخلافة العثمانية عام 1924، فقد أصبحت الساحة التركية مفتوحة، سواء بالتدخل العسكري المباشر أو عبر وسيط –المحكمة الدستورية– بهدف خلط الأوراق على الساحة والعودة لمربع الانتخابات البرلمانية لعل وعسى أن يتقلص حجم مقاعد العدالة في البرلمان (354 مقعدا من500).
فليس هناك من تفسير للتحذير شديد اللهجة -الذي وجهه الجيش التركي الجمعة 27 إبريل 2007 من مغبة "المساس بمبادئ العلمنة السارية في البلاد" واتهامه حكومة "العدالة" المنبثقة من التيار الإسلامي "بالتراخي أمام تنامي أنشطة الإسلاميين"، وتحذير رئاسة الأركان من وصول مرشح العدالة للقصر الرئاسي، وأنها "ستعلن بصراحة موقفها عندما يصبح ذلك ضروريا" مع تأكيد أنه "يجب ألا يشكك أحد في ذلك التدخل"- سوى أنه رسالة موجهة لحزب العدالة لسحب مرشحه للرئاسة عبد الله جول.
وليس تأكيد القوات المسلحة أنها "هي الحارس الأمين للعلمانية" سوى رسالة واضحة المعالم بأنها ربما تتدخل لتجهض التجربة الديمقراطية للمرة الخامسة في تاريخ تركيا بعد انقلابي عام 1960 و1980، حيث تم الضغط على حكومتين كانت كل منهما ذات توجه إسلامي -آخرها هي حكومة نجم الدين أربكان- لتقديم استقالتها في 1971 و1997.
الغرب مع "العدالة" !
ويبدو أن المصالح الغربية انتصرت هذه المرة لحزب العدالة ذي التوجه الإسلامي؛ لأن بقاءه في السلطة وتغييره العلمانية التركية من "علمانية مبادئ" إلى "علمانية ديمقراطية" هو –ببساطة– لصالح المشاريع الغربية (الأمريكية /الأوروبية)، ليس فقط في المنطقة العربية التي يستهدف الغرب تصدير "النموذج العلماني الإسلامي" التركي إليها بديلا عن "الإسلام الأصولي"، ولكن لصالح تركيا نفسها التي يخشى أن يؤدي حرمان معتدليها الإسلاميين -المستمر منذ ربع قرن– من النافذة الديمقراطية لانتشار التطرف الإسلامي الذي سوف تهب أولى رياحه على الغرب وخصوصا أوروبا.
ربما لهذا كان من المتوقع أن يحذر مفوض توسيع الاتحاد الأوروبي "أولي رين" الجيش، وأن يطالبه "بالبقاء بعيدا عن السياسة"، وأن يقول: "إنه من المهم أن يترك الجيش مسألة الديمقراطية للحكومة المنتخبة ديمقراطيا، وهذا اختبار سيظهر إن كانت القوات المسلحة التركية تحترم العلمانية الديمقراطية للعلاقات المدنية العسكرية".
أيضا كان من المتوقع -على الرغم من ميوعة الموقف الأمريكي الرسمي الصادر يوم السبت وعدم نقده بيان الجيش التركي صراحة- أن تدعو الولايات المتحدة إلى "احترام الدستور الديمقراطي في تركيا بعد تحذير الجيش التركي المقنع للحكومة، وأن يقول دان فرايد مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية: "نأمل ونتوقع أن يعمل الأتراك على حل هذه المسائل السياسية بطريقتهم بشكل يتناسب مع ديمقراطيتهم العلمانية وبنود الدستور".
ثغرة قانونية
بعبارة أخرى أسقط التدخل الأمريكي والأوربي خيار الانقلاب العسكري من يد الجيش، وألمح ضمنا لقادة الجيش أن هناك خيارا "سلميا" آخر هو القانون والدستور، في إشارة واضحة لإمكانية عرقلة وصول رئيس إسلامي من حزب العدالة للقصر الرئاسي عبر التدخل القضائي والقانوني، بعدما تقدم حزب الشعب الجمهوري -أكبر أحزاب المعارضة في البرلمان- بطلب إلى المحكمة الدستورية لإلغاء جلسة التصويت الأولى على انتخاب "جول" بدعوى أن النواب الذين حضروا الجلسة كانوا أقل من ثلثي أعضاء البرلمان (367)، في حين أن المطلوب حضورهم لصحة الجلسة الثلثان على الأقل، وصوت منهم للعدالة 357، في حين أن النصاب المطلوب لفوز جول هو 367 صوتا.
أي أن هذه "الثغرة القانونية"، والتي تفسر تعمد المعارضة الغياب عن جلسة التصويت الأولى، ربما تكون هي المدخل للجيش وتحالف العلمانيين الأتراك من أنصار الجمهورية الأتاتوركية، لمنع إيصال المرشح الإسلامي "جول" لمقعد الرئاسة على اعتبار أن تأييد المحكمة الدستورية (القضاة هم الضلع الثالث في منظومة حماة العلمانية بعد الجيش والرئاسة) للحجة المعارضة العلمانية القائلة بأن هناك عيبا إجرائيا في التصويت سيؤدي تلقائيا لإجراء انتخابات برلمانية جديدة ربما تقلص عدد نواب "العدالة" في البرلمان، والأهم أنها ستبقي على الرئيس العلماني الحالي "سيزر" في منصبه لحين تشكيل برلمان جديد!!.
العدالة يتقوى بالغرب !
غير أن اللافت للنظر في مجريات الأزمة أنه مثلما سعى حزب العدالة للاستفادة من معايير وشروط الاتحاد الأوروبي لدخول تركيا في عضويته عبر حزمة قوانين قلصت نسبيا من تدخل الجيش التركي في الحياة السياسية، سعى رئيس الحكومة أردوغان للاستفادة كذلك من التصريحات التي صدرت من أوروبا والولايات المتحدة تنتقد الجيش، في التقوي بها ضد الجيش وتحذيره من التدخل في شئون القضاء عبر هذه التصريحات التي صدرت من قيادة الجيش.
وتمثل ذلك في توجيه الحكومة انتقادات حادة للجيش بعد تهديده بالتدخل في الحياة السياسية للبلاد، وحرصها علي تذكير الجيش أنه –وفقا للقانون- مسئول أمام السلطات المدنية؛ حيث أبلغ أردوغان –كما قال المتحدث باسم الحكومة جميل جيجيك– رئيس الأركان "ياشار بويوكانيت" أنه "مسئول أمام رئيس الوزراء"، مما يعني ألا يصدر هذه التحذيرات، وأن "بيان الجيش استهدف التأثير على المحاكم الدستورية في أثناء نظر طعن قانوني في أسلوب معالجة الحكومة لانتخابات الرئاسة".
خياران كلاهما مر!
والحالة هكذا ، فقد أصبحت تركيا أمام مفترق طرق صعب، وفي كل طريق خيار مختلف تماما عن الآخر، وهما طريقا "التدخل القضائي" عبر حكم المحكمة الدستورية لصالح حزب الشعب المعارض، واعتبار جلسة التصويت الأولى على انتخاب جول باطلة، وهو ما يعني إجراء انتخابات برلمانية جديدة لا يعرف نصيب حزب العدالة من مقاعدها، وإن كان الكثير من المراقبين لا يستبعدون أن يزيد عدد مقاعده في البرلمان في أي انتخابات محتملة، أو طريق "الانقلاب العسكري" في حالة صدور حكم المحكمة لصالح حزب العدالة وأيد إجراءات جلسة التصويت الأولى، فحينئذ سوف تعقد جلسة تصويت البرلمان الثانية في 2 مايو المقبل ويشترط أيضا فيها حصول جول على 367 صوتا، ولو أخفق هذه المرة أيضا سيتم النزول في الجلسة التالية بنصاب التصويت المطلوب لاختياره رئيسا إلى النصف زائد واحد (أي 267 صوتا) وهي نسبة مضمونة تماما لحزب العدالة باعتبار أنه يمتلك 354 صوتا في البرلمان.
أما الخيار الثالث –وبالرغم من أنه هو الخيار الطبيعي– فهناك شكوك حقيقية في أن يقبله الجيش، وهو الصمت وترك جول يتولى الرئاسة التركية بحيث ينتزع من أيدي العلمانيين الكماليين إحدى قلاع العلمانية في تركيا –بعد الجيش والقضاء– وهي رئاسة الجمهورية، لسبب بسيط هو أن تولي العدالة ذي الجذور الإسلامية لرئاستي الحكومة والجمهورية وحتى البرلمان –بحكم أغلبيته- معناه خسارة الجيش نفوذه وبقاءه وحده في الساحة، والأهم خسارة امتيازات جنرالاته!.
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|