|
| وزير الداخلية الفلسطيني هاني القواسمي |
لم يدر في خلد الولايات المتحدة إبان ضغطت على الرئيس الراحل ياسر عرفات في عام 2003 تعيين رئيس للوزراء "محمود عباس" وسحبت منه مكرها ورقة الأمن وكليا ورقة المال، أن حماس ستفوز بانتخابات المجلس التشريعي عام 2006، وستقوم فعليا بتشكيل الحكومة وتعيين وزير الداخلية وبالتالي ستكون مسئولة حسب القانون الأساسي مادة (69) عن اختصاص مجلس الوزراء بمسئولية حفظ النظام العام والأمن الداخلي.
وقد عرف قانون الخدمة قوى الأمن الوطني في المادة (7) على أنه هيئة عسكرية نظامية، تؤدي وظائفها وتباشر اختصاصاتها برئاسة وزير الأمن الوطني وتحت قيادة القائد العام، وهو الذي يصدر القرارات اللازمة لإدارة عملها وتنظيم شئونها كافة وفقا لأحكام القانون والأنظمة الصادرة بمقتضاه؛ وفي المادة (8) جاء تعيين القائد العام بقرار من الرئيس، ويكون مسئولا لمدة ثلاث سنوات ويجوز التمديد له لسنة واحدة فقط؛ أما المادة (9) فقالت يكون التعيين في وظائف "رؤساء الهيئات ومديري المديريات قادة المناطق العسكرية والملحقين العسكريين" بقرار من وزير الأمن الوطني (الداخلية) وبتنسيب من القائد العام بناء على توصية لجنة الضباط.
أما المادة (10) فحاولت تعريف الأمن الداخلي وقالت عنه إنه هيئة أمنية نظامية، تؤدي وظائفها وتباشر اختصاصاتها برئاسة وزير الداخلية وبقيادة مدير عام الأمن الداخلي وهو الذي يصدر القرارات اللازمة لإدارة عملها وتنظيم شئونها كافة، وحددت المادة (11) من يعين المدير العام للأمن الداخلي فقالت: "إنه بقرار من الرئيس، وبتنسيب من مجلس الوزراء، ويكون تعيين المدير العام للأمن الداخلي لمدة ثلاث سنوات ويجوز التمديد له لسنة واحدة فقط".
وكانت المادة (12) واضحة صريحة في اختصاصات وزير الداخلية فقالت: "يكون تعيين المدير العام للشرطة ونائبه والمدير العام للأمن الوقائي ونائبه والمدير العام للدفاع المدني ونائبه ورؤساء الهيئات ومديري المديريات بقرار من وزير الداخلية وبتنسيب من المدير العام للأمن الداخلي بناء على توصية لجنة الضباط".
المادة (13) جاءت وكأنها معطوفة على المادة السابقة باستثناء جهاز المخابرات من اختصاصات وزير الداخلية، فعرفت المخابرات بقولها: إنها "هيئة أمنية نظامية مستقلة تتبع للرئيس، تؤدي وظائفها وتباشر اختصاصاتها برئاسة وتحت قيادته، وهو الذي يصدر القرارات اللازمة لإدارة عملها وتنظيم شئونها كافة".
في ضوء ما تقدم من الواضح أن ثمة تنازعا قانونيا ما بين مؤسسة الرئاسة والتي بيدها القيادة العامة للقوات لكون الرئيس هو القائد العام، وبين المؤسسة التشريعية والتي تتولى فعليا مسئولية ومتابعة باقي الأجهزة الأمنية.
ومن الواضح أن استقواء حركة فتح ورموزها بمؤسسة الرئاسة والادعاء أن النظام رئاسي، ولاحقا خروج العديد من قيادات الأجهزة الأمنية بادعاء أنهم يتبعون المؤسسة الرئاسية كل ذلك يخالف القوانين الفلسطينية المصادق عليها من الرئيس الفلسطيني ذاته، والذي لم يقف محايدا تجاه هذا الخطوات، بل عززها من خلال إصدار عدة مراسيم؛ فقد أصدر ديوان رئاسة السلطة الفلسطينية في رام الله مرسوما رئاسيا يقضي بمسئولية مجلس الأمن القومي الفلسطيني عن أعمال وتسيير الأجهزة الأمنية الفلسطينية (30-1-2006)، ثم أتبعه بمرسوم آخر يقضي بترقية اللواء رشيد أبو شباك وكنيته "أبو حاتم" من المدير للأمن الوقائي في قطاع غزة إلى المدير العام للأمن الداخلي الذي يضم جهاز الأمن الوقائي والشرطة والدفاع المدني في الضفة الغربية وقطاع غزة (20-2-2006 )، ثم عمد إلى إلغاء عدة قرارات لوزير الداخلية السابق كتعيين الشهيد جمال أبو سمهدانة مراقبا عاما في وزارة الداخلية وعزل قائد شرطة رام الله بعد إطلاق حرس الرئاسة النار ضد مظاهرة شعبية لحماس.. ولاحقا إلغاء كل قرارات وزير الداخلية بالاستنفار والتصدي للتوغلات الإسرائيلية المتعددة.
وعلى الأرض كانت الأجهزة الأمنية تعرقل أعمال الحكومة؛ فقد شارك أفراد منها في أعمال خطف الأجانب وحرق المؤسسات وإطلاق النار على رموز الحكومة بل وشاركت كمجموعات منظمة وبشكل معلن في تنظيم مسيرات في الشوارع ضد الحكومة وتلكأت بالمقابل كمؤسسة في تقديم أي عون ضد مثيري كل أشكال الشغب ضد السلطة المنتخبة، وجرت صدامات دامية بين هذه الأجهزة والقوة التنفيذية التي شكلها وزير الداخلية السابق... كل هذه الإجراءات حذر منها مبكرًا العميد علاء حسني قائد الشرطة الفلسطينية الذي قال في حوار أجرته معه صحيفة الخليج في (3-2-2006): إن هناك "رؤوس أفاعي" خرجت تحرض الأجهزة الأمنية حتى تخرق النظام والقانون بدعوى أن هذه الأجهزة هي مؤسسة "فتحاوية" لا يجوز لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" أن تأخذها.
إرهاصات التعيين
بقي تعيين وزير الداخلية مثار خلاف وكاد يفجر اتفاق حكومة الوحدة الذي توصلت إليه حركتا حماس وفتح في مكة. وفعليا تخلت حماس عن حقائب المالية والخارجية لكي تبقي على حقيبة الداخلية بيدها، ولكن رفض حركة فتح الشديد لذلك أدى لصيغة تمكن حماس من تقديم مرشح الداخلية على أن يوافق عليه الرئيس الفلسطيني.
وبالفعل قدمت حماس الكثير من المرشحين الذين رفضهم الرئيس الفلسطيني رغم خبرتهم وانتماء بعضهم لحركة فتح كحال اللواء حمودة جروان، لكن يبدو أن حركة فتح التي قدمت بالمقابل مرشحين كانت تريد إما مرشحين موالين تماما أو شخصيات مدنية لا تمتلك الخبرة، لأن هذا سيؤدي إلى نتيجة واحدة هي بقاء منصب وزير الداخلية مثيرا للفتنة أو لكونه ضعيفا في تطبيق قرارات الحكومة أو بالتصدي لأحداث الشغب والفلتان الداخلي التي عانى منها الشارع الفلسطيني وكادت تؤدي لفتنة أكبر.
في النهاية، وإزاء تصميم حماس التي فقدت معظم المناصب السيادية في حكومة الوحدة وقدمت مرونة سياسية فيها الكثير من المخاطرة، وافق الرئيس الفلسطيني على تعيين "هاني القواسمي" الإداري في وزارة الداخلية وصاحب الخلفية الأكاديمية، ورغم افتقاده للخبرة العسكرية البحتة فإنه كان مقبولا لدى حركة فتح ولدى حماس بالضرورة حيث إنه مرشحها.
تكتيك الاستقالة
وجاء تقديم وزير الداخلية الجديد لاستقالته بعد أسبوع من تقديمه خطته الأمنية وبعد شهرين من تشكيل أول حكومة وحدة وطنية، والتي لا يزال يرفضها كل من الرئيس ورئيس الوزراء، لتلقي الضوء مرة أخرى على أزمة حكومة الوحدة ككل؛ حيث إنها ما زالت تعايش حصارا اقتصاديا مستمرًا ويعامل وزراؤها بانتقائية..
ولا شك أن تقديم وزير الداخلية الجديد استقالته سبقتها أولا اتصالات حثيثة مع أطراف عربية مؤثرة لإنقاذ الموقف الداخلي، وهي تأتي ضمن رزمة تكتيكات تتبعها حركة حماس لإجبار كل الأطراف الداخلية والخارجية لتقدير حجم المرونة التي قدمتها الحركة من جهة ولاحترام سلطتها وشرعيتها السياسية واختصاصاتها الوزارية في الجهة المقابلة. والدليل على ذلك أن استقالة وزير الداخلية ترافقت مع إعلان كتائب القسام لوقف التهدئة وإطلاقها في ذكرى النكبة الفلسطينية (ما يسمى الاستقلال الإسرائيلي) عشرات الصواريخ.
صحيح أن ذلك أتى في سياق رد على التصعيد الإسرائيلي، لكن كان بإمكان حركة حماس أن توعز لمجموعات مساندة لها فعل ذلك، ولكن إعلان حماس والكتائب التحلل من ذلك يحمل رسائل متعددة وواضحة ولكل الأطراف، وهي مكملة لرسالة الاستقالة التي بعثها وزير الداخلية مؤخرا ورفضتها الحكومة تاليا، والأسباب الكامنة لكل ذلك استياء حركة حماس من تعمد التخريب الداخلي، وتشجيع حالات الفلتان الأمني وافتعال الثارات العائلية وأحداث خطف الأجانب، والتي تقف وراءها بعض القوى المتنفذة في الأجهزة الأمنية.
وبالمقابل فإن التعدي على صلاحيات وزير الداخلية ما زال مفعّلا، والفرز السياسي قائم بقوة في المؤسسة الأمنية.. هذا التحدي يقوي مناصري الفتنة ويمنع بالمقابل إنجاز أي حالة فلسطينية مستقرة لمقاومة الفساد وتطبيق جدي لما تصدره الحكومة من قرارات. أما ملف الشراكة فما زال يراوح مكانه، وما زالت حركة فتح ترفض إخلاء مواقعها القديمة، حيث لا زال المحافظون المسئولون عن تطبيق السياسة الداخلية في المحافظات الفلسطينية والمعيّنون من قبل الرئيس الفلسطيني يمسكون بمقاليد حكم المدن الفلسطينية، بل إن صلاحياتهم تتوسع أمنيا ومدنيا.
إن كل هذا وغيره الكثير جزء من ملف الشراكة الكامل الذي ما زالت نصوصه أحلاما نظرية؛ حيث إن إصلاح المنظمة ما زال بطيئا ومتثاقلا، بل إن هناك سياسات تنقض هذه الشراكة وتهددها حيث قام الرئيس الفلسطيني مؤخرا بتعيين العقيد محمد دحلان كمستشار أمني في تهميش آخر لوزير الداخلية، وما زالت كلمة مدير الأمن الداخلي رشيد أبو شباك هي النافذة لدى قيادات الأجهزة الأمنية قبالة أي تعليمات لوزير الداخلية. وحتى صياغة ما يسمى "مجلس الأمن القومي الفلسطيني" لم تصنع إلا مزيدا من التداخل والإضعاف لصلاحيات الوزير الجديد حيث تم تمثيل مدير المخابرات والأمن الوقائي على درجة واحدة من وزير الداخلية، بل وجرى تأكيد تمثيل العقيد محمد دحلان كسكرتير له. وبالمقابل فإن حرس الرئاسة ما زال يتعاطى بإيجابية مع الخطط الأمنية التي ينظمها الجنرال الأمريكي "كيت دايتون"، حيث التدريبات منفصلة وشاذة عن سياسات الحكومة وبرنامجها وعلم وزير الداخلية الجديد، ولا تخفي الولايات المتحدة نيتها تزويده بعشرات الملايين من الولايات المتحدة على حساب الأجهزة الأخرى، بل إن إسرائيل تسهل هي الأخرى وصول الأسلحة له عبر المعابر التي تسيطر عليها.
وعلى الأرض ما زالت قطاعات الموظفين الموالية لحركة فتح تنظم إضرابات في القطاع الصحي والتعليمي تشل الحياة المدنية ولا تعطي الحكومة الجديدة أي فرصة. وحتى في الوزارات التي تسيطر عليها حركة فتح، فإن وزراءها يعمدون إلى تغيير كل المسميات التي عينتها حماس وتهميش كل المقربين لها دون أساس مهني.
أما في مؤسسة التشريعي فما زال العمل فيها معطلا، حيث ترفض حركة فتح توفير النصاب القانوني لأي انعقاد لحالة تشريعية مستقرة وذات جدوى، في ضوء أن أكثر من أربعين نائبا يتبعون لكتلة حماس ما زالوا معتقلين لدى إسرائيل. بالمقابل فإن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تزالان تعمدان لتعطيل أعمال الحكومة من خلق انتقائية التعاطي مع الوزراء ورفض تحويل أي مستحقات مالية مباشرة للحكومة الفلسطينية، وهي أيضا من يذكي حالة الاحتقان الداخلي عبر عملائها وعبر مدها مجموعات مشبوهة بالسلاح، وهي أيضا من يمارس الترهيب والاعتقال والقتل وينقض الهدنة الهشة باعتدائها على الأرض والإنسان.
عيوب الشراكة الناقصة
إن الالتفاف الذي تمارسه أطراف كثيرة على صلاحيات وزير الداخلية الجديد سببه الداخلي امتناع الرجل عن حل القوة التنفيذية ورفضه الخضوع لمراكز القوى المسيطرة على الأجهزة الأمنية وقربه من حركة حماس، وسببه الخارجي امتناع وزير الداخلية الجديد عن التصدي لمطلقي الصواريخ وعدم تجاوبه مع أي جهود أمريكية لتطويع الأجهزة الأمنية في سلة جهود الحفاظ على أمن إسرائيل وإطلاق سراح الجندي المختطف شاليط، والأهم عدم احتواء خطته أي إجراءات ضد سلاح المقاومة.
وتقديري أن حالة الاستقطاب الداخلية ستستمر؛ لأن حالة التوحد للأسف لم تنبع من إرادة وقناعة ذاتية كاملة، وتم صناعتها على إيقاع الفتنة، ولم يكن بالمقابل اتفاق مكة كاملا ومفصلا، كما لم توضع الآليات والضمانات الكافية لتنفيذه.. كل ذلك ترجم أن يكون وقتا مستقطعا تريده حركة فتح لتقوية شعبيتها وتعزيز سيطرتها وسحب الصلاحيات من حماس، وأرادته حماس لوقف عزلتها الدولية وتعزيز شرعيتها الانتخابية كقوة سياسية، ولإشراك حركة فتح في ورطتها في قيادة السلطة في ظروفها المعقدة والتزاماتها الأعقد.. لذا فقابل الأيام ليس مبشرًا لكنه ليس بالضرورة سيحمل انهيار حكومة الوحدة على المدى القصير لأسباب ليس هنا محل ذكرها.
لكن في كل الأحوال لا مناص من وجود شراكة حقيقية لتحقيق برنامج وطني متماسك قبالة التنكر الإسرائيلي لكل الحقوق الفلسطينية، والأهم أن هذه الشراكة هي الوحيدة القادرة على صناعة مقاومة فاعلة ضد العدوان والتهويد. وفي الداخل فإن قدرة كل طرف فلسطيني ولا سيما حماس وفتح نافذة في تعطيل أي حالة مستقرة. ورغم ذلك فإن المطلوب من حركة فتح أكبر من حماس لأن حماس أبدت مرونة خطرة سياسيا وكافية داخليا، والكرة الآن في ملعب حركة فتح لكي تثبت أنها مرنة في التخلي عن مواقعها القديمة وتبديد كل الإرهاصات التي تؤشر على نوايا إحكام السيطرة والتخلص من شرعية حماس تدريجيا.
وبالمقابل فإنه يجب الحسم قبالة عدوان إسرائيل المستمر على الأرض والحسم تجاه محاولات الولايات المتحدة تصنيف أعضاء الحكومة إلى أخيار وأشرار، وبالتالي التعاطي معهم بانتقائية. والأهم رفض كل الخطط الأمنية الهادفة لخلق الشكوك وتقوية أطراف فلسطينية على حساب أخرى، كما أنه من الواجب أن تقول حكومة الوحدة كلمتها وتكون على قدر التحدي الهادف لتقويض صلاحياتها، بفتح خياراتها السياسية والشعبية على كل الاحتمالات.
وعلى صعيد الوضع الداخلي فإن إصلاح الأجهزة الأمنية على عقيدة وطنية وإعادة تنظيم كادرها وواقعها على أسس مهنية، وتطهيرها من المفسدين والمستفيدين من مراكزهم وحده القادر على إصلاح السلطة الفلسطينية وضمان الالتزام بروح اتفاق مكة وبناء عقيدة أمنية وطنية. ولقد علمتنا تجربة حكومة حماس قوة الأجهزة الأمنية في منع عصابات الفلتان من التلاعب بالوحدة الفلسطينية، وأهمية الأجهزة الأمنية في حماية المقاومة بدلا من مقاومتها، وأهمية الأجهزة الأمنية في تطبيق قرارات الحكومة الفلسطينية.. وإذا ما فقد كل ذلك فإن حكومة الوحدة ستكون صيغة مؤقتة وفي مهب الريح.
كاتب وباحث فلسطيني، مدير مركز القدس للدراسات والبحوث.
|