|
شاكر النابلسي صاحب وثيقة "الليبراليون العرب الجدد" |
تناولت الفصول الأربعة الأولى من الدراسة التي نشرتها مؤسسة راند الأمريكية تحت عنوان "بناء شبكات مسلمة معتدلة" مخاطر الإسلام "الراديكالي"، والدروس التي يمكن الاستفادة منها من الحرب الباردة والتي انتهت بهزيمة "الشيوعية"، ثم تحدثت عن الجهود والبرامج الأمريكية للتعاون مع العالم المسلم.
وتمحورت الفصول من الخامس وحتى الثامن على وضع خريطة طريق لبناء الشبكات المعتدلة، وقدمت المحاور المركزية التي لا بد من العمل داخلها لبناء هذه الشبكات، وحددت المؤسسات، بل والأشخاص الممكن الاعتماد عليهم لهذا الهدف في كل من أوروبا وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط.
وإجمالاً، أوضح مؤلفو الدراسة أن ثمة ثلاثة قطاعات واسعة على امتداد نطاق الميول الأيديولوجية داخل العالم المسلم قد تجد فيها الولايات المتحدة والغرب شركاء في جهود محاربة التطرف الإسلامي، وهم: العلمانيون، والمسلمون الليبراليون، والعناصر التقليدية المعتدلة، بمن في ذلك الصوفيون. وبعد الرفض القاطع لاعتبار بعض الجماعات مثل الإخوان المسلمين شريكا محتملاً، تم تحديد المستهدفين أو الشركاء المحتملين لتوجيه الجهود إليهم لبناء هذه الشبكات وهم: الأكاديميون المسلمون الليبراليون والعلمانيون، ورجال الدين من الشباب المعتدلين، ونشطاء المجتمع، والجماعات المعنية بحقوق المرأة، والصحفيون والكتاب والمعنيون بالاتصالات، وتم التعريف بالبرامج التي يجب أن توجه إليهم.
أما الفصل التاسع والأخير من هذه الدراسة، فقد جاء بعنوان "المسلمون العلمانيون: البُعد المنسي في حرب الأفكار"، ملقيًا الضوء على عدم تجاهل المؤسسات والأشخاص العلمانيين؛ لأنهم عماد بناء الشبكات المعتدلة في أرجاء العالم المسلم.
ويمكن إيجاز هذه الرؤية كما يلي:
نمو العلمانية بالعالم المسلم
يرى واضعو الدراسة أن الخبراء الغربيين يميلون عند مناقشتهم لحرب الأفكار الدائرة بالعالم المسلم إلى تجاهل المسلمين العلمانيين، الأمر الناشئ عن اعتقاد سائد بأن الدين يضطلع بدور عميق للغاية في صياغة المجتمع المسلم، إضافة إلى الاختلاف الشديد يبن نمط العلاقة بين الدين والسياسة في الإسلام وبينها في الغرب، حيث تسود أفكار الفصل بين الدين والكنيسة وكون الإيمان الديني قضية شخصية خاصة.
بصورة عامة، تدعو العلمانية السياسية إلى الفصل بين الدين والدولة. وبعد الدراسة اكتشفنا أن الافتراض السائد بانعدام أهمية التيارات العلمانية داخل الإطار الإسلامي لا يعدو كونه صورة نمطية لا تدعمها الحقائق، ذلك أن العلمانية اضطلعت، تاريخيًّا وفكريًّا، بدور أكبر بكثير عما يعتقده معظم المحللين. ويبدو أن العلمانية تمر اليوم ببداية مرحلة نمو داخل العالم المسلم، مع ظهور عدد من المفكرين والكاتب المناصرين لها مؤخرًا ودعمهم لبعضهم وتلقيهم مساعدات من جماعات ليبرالية غربية. وتعتمد هذه المجموعة على دعامتين: التوجهات الفكرية العقلانية العميقة التي يتسم بها الفكر والفلسفة الإسلامية تاريخيًّا، والحركات العلمانية التي ظهرت القرن الماضي.
ونظرًا للمخاطر المحتملة التي تنطوي عليها العلمانية بالنسبة لأي مسلم، يلجأ البعض للعمل تحت اسم مستعار، مثل "ابن وراق" مؤلف كتابي "لماذا لست مسلمًا" و"ترك الإسلام: المرتدون يتحدثون صراحة". ويرتبط "ابن وراق" بعدد من المبادرات العلمانية، بينها "معهد علمنة المجتمع الإسلامي" الذي قام بتأسيسه.
وهناك فريق آخر من العلمانيين يتناول أفكاره علانية رغم أنف التهديدات التي يتعرضون لها، ومن أبرز النشطاء السياسيين على هذا الصعيد البرلمانية الهولندية صومالية المولد "أيان هيرسي علي".
وعلاوة على المخاطر الشخصية، يواجه العلمانيون المسلمون عددًا من العقبات الإضافية:
* ارتباط العلمانية، خاصة في العالم العربي، بالأنظمة السياسية الاستبدادية الفاشلة.
* ارتباط العلمانية في الغالب بالأفكار والجماعات والأفراد اليساريين، الأمر الذي قد يتسبب في رفضها، خاصة داخل الولايات المتحدة، من جانب البرامج والوكالات الرسمية المهتمة بتعزيز وتمويل الخطاب بشأن الإصلاح الإسلامي.
* غالبًا ما يجري الخلط بين العلمانية والإلحاد، خاصة من قبل الجماهير المسلمة والشرق الأوسطية.
بيد أنه على الجانب الإيجابي، نجد أن العلمانية تتميز بالليبرالية. وعلى خلاف الإسلاميين، ليس هناك ما يدعو للخوف من أن يسعى العلمانيون نحو تنفيذ أجندة خفية لتقويض الديمقراطية الليبرالية. كما يدعم العلمانيون التسامح الديني ولا يقرون العنف، ما يستوجب منحهم الفرصة إلى جانب المسلمين الليبراليين والمعتدلين. ومن شأن مشاركتهم تدعيم التحالفات المعتدلة. كما أن إيمانهم بضرورة الفصل بين الدين والسياسة يقلص احتمالات دخولهم في تحالفات مع الإسلاميين أو التساهل إزاء محاولات إخضاع السياسة للدين.
وفي إطار النقاش الإسلامي الحالي، هناك مجموعة واضحة المعالم من العلماء والكتاب ممن ينتهجون موقفًا عقلانيًّا قويًّا إزاء الدين، في الوقت الذي إما يرفضون العلمانية (ربما لأسباب تكتيكية، اعتقادًا منهم أن إقرارها علانية سيقلص من فاعليتهم) أو يتجاهلون تناول هذه القضية من الأساس. ويؤكد هذا الفريق من المفكرين العقلانيين غير العلمانيين على حق الفرد في تحليل القرآن والتوصل إلى تفهم خاص به لمعناه وكيفية تطبيقه.
من بين الأمثلة على هذه المجموعة الكاتب السوري "محمد شحرور" والذي يرى أن الجماعات العلمانية داخل العالم الإسلامي بشكل عام لا ترغب في الفصل بين الدين وشئون الحكم، وإنما يسعون لقمع وكبت ونفوذ الدين كلية. وينتقد هذه الجماعات المؤلفة في معظمها، من وجهة نظره، من الماركسيين والشيوعيين؛ لسببين: أولهما: اتسامها بالتشدد والقمع وسعيها لاستبدال "احتكار الدولة للحقيقة" بهيمنة الدين. ثانيًا: فشلها في الالتزام بوعدها بتحديث المجتمع. أما قراءته المستقلة للدين فقد خلص من خلالها إلى عدد من النقاط المتعارضة مع وجهة نظر التيار الرئيسي من الإسلام المحافظ، حيث يعتقد، على سبيل المثال، أن القرآن لا ينص على عقوبة الموت بالنسبة لأي جريمة، وأن مصطلح الجهاد لا ينطبق على الظروف المعاصرة، ونزوله بالرسول إلى مرتبة مجرد شخص مثير للإعجاب بشكل استثنائي، ولكنه غير معصوم من الخطأ.
يتميز الشاعر "علي أحمد سعيد" المشهور بلقب "أدونيس" بتاريخ طويل من المشاركة السياسية. وبعد تعرضه للسجن بوطنه سوريا انتقل إلى لبنان ومنه إلى فرنسا. ويُعَدّ من أشد المؤيدين للعلمانية وأعرب عن اعتقاد بضرورة النظر إلى الدين باعتباره تجربة روحية وشخصية، بينما يجب إرجاع جميع القضايا المرتبطة بالشئون المدنية والإنسانية إلى القانون والشعب. ويرفض "أدونيس" الدول الدينية حتى وإن جاءت نتاجًا لانتخابات ديمقراطية. ويكشف "أدونيس" عن مقت شخصي للدين الذي يعتبره نتاجًا للخوف من الحرية والمسئولية. ولكنه يؤكد على ضرورة احترام المعتقدات الدينية باعتبارها أمرًا شخصيًّا.
في عام 1995، تعرض البروفيسور المصري "نصر أبو زيد" للمحاكمة في بلاده؛ لإعلانه أنه يعتبر القرآن عملاً أدبيًّا ونصًّا ينبغي إخضاعه للتحليل العقلي والعلمي. وقد حصل وزوجته على اللجوء إلى هولندا.
المنظمات المسلمة العلمانية
على المستوى التنظيمي، يمكن التمييز بين ثلاث فئات من المنظمات المسلمة العلمانية: أولها: المؤسسات المكرسة جهودها فقط لتعزيز إسلام علماني. ثانيًا: مؤسسات تتناول العلمانية أو التوجهات الفكرية والإنسانية بصورة أوسع وتخصص جزءًا من جهودها بشكل منفصل للحديث عن الإسلام. ثالثًا: المؤسسات الليبرالية المرتبطة بالجهود المسلمة العلمانية من دعمها بصورة أو بأخرى، مثل توفير الدعم المالي أو منح جوائز للعلمانيين المسلمين.
أولاً: المؤسسات المكرسة جهودها فقط لتعزيز إسلام علماني
- ائتلاف المسلمين الأحرار: تصف نفسها بأن لديها 12 فرعًا بالولايات المتحدة وواحدًا في كندا واثنين بمصر. وتأسست على يد "كمال نواش" مهاجر فلسطيني ومحام وترشح عن الحزب الجمهوري في انتخابات مجلس شيوخ ولاية فيرجينيا عام 2003.
- معهد الدراسات الإسلامية: تأسس بالهند عام 1980 على يد "أصغر علي" وله مكتب في مومباي. ويصف المعهد نفسه بأنه يرمي لتحقيق غايات إصلاحية، وأنه أنشئ على يد من شعروا بالحاجة لإعادة التفكير بشأن عدد من القضايا المرتبطة بالإسلام وتحديث الإسلام.
- مركز دراسة المجتمع والعلمانية: يتخذ من مومباي أيضًا مقرًا له وتأسس على يد مجموعة من المفكرين الهنود عام 1993، ويناصر العلمانية باعتبارها حائط الصد الوحيد الفاعل ضد خطر تنامي الانقسامات والخصومات الطائفية، والأساس الوحيد لمجتمع متناغم.
ثانيًا: المنظمات الفكرية أو الإنسانية الداعمة للعلمانية:
- مؤسسة جيوردانو بورنو: تحمل اسم فيلسوف ينتمي للقرن السادس عشر، وأعدم في روما لاتهامه بالهرطقة. تتخذ من ألمانيا مقرًّا لها وتستضيف لقاءات ومؤتمرات. وقد منحت جائزة لـ"نجلا كيليك"، عالمة اجتماع تركية - ألمانية تؤيد العلمانية.
- مركز التحقيق الغربي: يوجد مقره بهوليوود بولاية كاليفورنيا وتأسس على يد "بول كيرتز". تفرد دورية المركز "فري أنكويري" (التحقيق الحر) مساحة كبيرة للكتابات النقدية المعنية بالإسلام وفكرة العلمانية الإسلامية. ويعتقد مؤسسو المركز أن إيران من المناطق الواعدة من حيث توسيع قاعدة تأييد القيم العلمانية، لما خلقه حكم رجال الدين هناك من رد فعل عكسي تجاه الإسلام السياسي.
- الجمعية الوطنية العلمانية: منظمة بريطانية أنشئت في الأصل عام 1866 من جانب "تشارلز برادلو" عضو البرلمان. ولعبت دورًا كبيرًا في إنزال الهزيمة بتعديل مادة "التحريض على الكراهية الدينية" من قانون مكافحة الكراهية العنصرية والدينية الصادر عام 2006 والذي خشي العلمانيون من أن يسفر عن تقليص حرية التعبير وحق نقد الأديان.
ثالثاً: الشخصيات المسلمة العلمانية البارزة وآراؤها
يدعم "صهيب بن شيخ"، مفتي مارسيليا، علانية ليس فقط الحظر الفرنسي على ارتداء الحجاب، وإنما أيضًا مبادئ العلمانية بشكل عام. ويعرف "بن شيخ" العلمانية باعتبارها "الحيادية الإدارية" والتي يقصد بها ضرورة اضطلاع الحكومة بمهامها المرتبطة بالحكم بصورة منفصلة عن الدين.
من الشخصيات العلمانية الأخرى "شاكر النابلسي" وهو بروفسور أردني يعيش حاليًّا بالولايات المتحدة، وأصدر وثيقة تحمل اسم "الليبراليين العرب الجدد" والتي جاء من بين أهدافها ضرورة إخضاع القيم المقدسة والتقاليد والتشريعات والقيم الأخلاقية السائدة لتحليل عميق. كما يصر على أن الشريعة يمكن تفهمها فقط في إطار الحقبة التاريخية التي تطورت خلالها، وبالتالي فهي لا تصلح لجميع العصور. إلى جانب ذلك، شارك في التماس يطالب بمحاسبة رجال الدين الراديكاليين ممن يدعمون العنف عن الحوادث الإرهابية التي تقع.
أما البروفسور الكويتي "أحمد البغدادي"، فقد تعرض لمشكلات متكررة مع المحاكم وعقوبات عن اتهامات متنوعة، منها تعبيره عن اعتقاده بأن الرسول أخفق في إقناع بعض من دعاهم إلى الإسلام، وأنه يفضل أن يدرس نجله الموسيقى، بدلاً من القرآن. وألمح إلى وجود صلة بين الدراسات القرآنية والتخلف الفكري والإرهاب. وقد نشر مقالات بوسائل الإعلام الكويتية يدعو فيها إلى ضرورة إقرار العلمانية.
فيما مضى، عمل "طارق حجي" المصري الجنسية مديرًا تنفيذيًّا بشركة تجارية ونائبًا لرئيس شركة "شل" النفطية بمنطقة الشرق الأوسط. ومنذ مغادرته منصبه في شركة "شل"، توجه للكتابة وإلقاء المحاضرات حول الإصلاح السياسي والاجتماعي والثقافي. ويرى "حجي" أن الدين بإمكانه توفير إطار عام للقيم الأخلاقية، ولكن لا ينبغي إقحامه في الإدارة الفعلية للحكم أو التشريع أو الإدارة أو حتى تطبيق هذه المبادئ والقيم في الحياة اليومية.
من ناحية أخرى، تُعَدّ "هوما أرجوماند"، الهندية-الكندية، مؤسسة الحملة المناهضة لإقامة محاكم شريعة في كندا. وتتميز بتواجد وحضور مستمر في أوروبا ووسائل الإعلام. كما تزعمت حملة أخرى ضد المدارس الدينية الإسلامية في الغرب، واصفة الإسلام السياسي بأنه حركة رجعية معادية لحقوق الإنسان ويضطلع بدور كبير في تحول الأفراد للتوجهات الراديكالية. وشددت على ضرورة عدم تعرض الأطفال دون السادسة عشر لأي تأثير ديني؛ لأنهم ليسوا على درجة كافية من النضوج بعد للحكم على الرسالة الدينية المطروحة عليهم.
وتعتبر "أيان هيرسي علي" الصومالية المولد والعضوة السابقة بالبرلمان الهولندي من الشخصيات العامة البارزة التي تمثل قيم العلمانية والحقوق المدنية وحكم القانون وحقوق المرأة والإنسان بشكل عام. وقد أعلنت عن إلحادها وتنتقد صراحة بعض جوانب حياة الرسول ومعاملة المرأة في الإسلام. وكانت بين من ناهضوا إقرار محاكم تعمل على أساس الشريعة في كندا.
دراسة صادرة عن المؤسسة شارك في إعدادها الباحثون: أنجيل راباسا ـ تشيرل بنارد ـ لويل تشارتز ـ بيتر سيكل.
*ترجمة موجزة للفصل التاسع من الدراسة الصادرة عن مركز الشرق الأوسط للسياسة العامة بمؤسسة راند الأمريكية، ونشرت يوم 26 مارس 2007 تحت عنوان: "بناء شبكات إسلامية معتدلة".
|