|
| دافوس يحي أفكار بيريز
|
في إطار التغيرات العارمة التي تجتاح منطقة "الشرق الأوسط" عمومًا والجزء العربي منها على وجه الخصوص يعقد المنتدى الاقتصادي العالمي "منتدى دافوس" مؤتمرًا استثنائيًّا بالأردن خلال الأيام القليلة المقبلة (21-23 يونيو 2003)، فيما يعد خير تعبير على الاعتراف العالمي الضمني بالواقع الشرق أوسطي الجديد الذي خلفه الاحتلال الأمريكي للعراق، واعتباره بمثابة استكمال لعملية إعادة فك وتركيب المنطقة بما يصب في النهاية في خدمة الأهداف والرؤى الأمريكية والصهيونية لمستقبل المنطقة.
ويكتسب هذا المؤتمر أهميته -دون غيره من مؤتمرات دافوس- نتيجة لعاملين أساسيين يتعلقان بالمكان والزمان، هما:
- فمن حيث المكان: يعد انعقاد المؤتمر في الأردن بمثابة سابقة تاريخية لهذا المنتدى؛ حيث سيعقد في إحدى دول العالم الثالث وتحديدًا في إحدى الدول العربية؛ وهو ما يحمل في طياته رسائل عديدة للعرب، ليس أقلها التصديق على فتح الباب العربي أمام قائمة الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة -أمريكيًا فقط- بل وإعادة طرح فكرة الشرق أوسطية من منظور جديد تحتل فيه إسرائيل اليد الطولى خاصة بعد ضمان التواجد الأمريكي المزمن في المنطقة.
- ومن حيث الزمان: يأتي المؤتمر -الاستثنائي الثاني في تاريخ المنتدى- في وقت حرج للغاية، تتلخص ملامحه في ثلاثة أمور: أولها الاحتلال الأمريكي للعراق، وثانيها أنه يأتي بعد الطرح الأمريكي لمبادرة الشراكة -الوهمية- التي قد يمهد المؤتمر لقيامها، وثالثها هو أن المؤتمر يأتي في أعقاب قمتي العقبة وشرم الشيخ اللتين كانتا بمثابة صك عربي على بياض للتخلص من الصداع الفلسطيني، وإعادة النظر في العلاقة مع الجارة إسرائيل.
وبغض النظر عن المضامين السياسية التي قد يحملها هذا المؤتمر في طياته -وهي عديدة- يعنينا هنا التركيز على الجانب الاقتصادي الذي يمكن استعراضه في النقاط التالية:
إعادة طرح الفكرة
رغم أن ديباجة المؤتمر -الذي سيشارك فيه ما يقرب من 1900 شخصية رسمية وغير رسمية من مختلف بقاع الأرض- لم تشر إلى فكرة الشرق أوسطية صراحة؛ فإن الرسالة التي حملها المؤتمر وأوضحتها بنوده وعنوانه "رؤى لمستقبل مشترك" تشير إلى أن فكرة الشرق أوسطية لن تكون بعيدة بأي حال من الأحوال عن أذهان المجتمعين.
ودون الخوض في تفاصيل المشروع الشرق أوسطي -الذي تناولته أقلام عديدة- نشير في عجالة سريعة إلى أن فكرة الشرق أوسطية تعني في مجملها خلق ترتيبات إقليمية جديدة بخصوص قضايا الأمن والتسليح والتعاون الاقتصادي بين تكتل الدول الشرق أوسطية التي تشمل -بالإضافة إلى الدول العربية- كلاً من إسرائيل وتركيا وإيران لاحقًا.
وتكتسب هذه الفكرة زخمها من عدة عوامل نلخصها في الآتي:
1- أنها تحمل في طياتها عملية إدماج إسرائيل مع الدول العربية في بوتقة واحدة من خلال النظام الشرق أوسطي؛ ولذا لم يكن مستغربًا أن تبادر إسرائيل دائمًا باقتراح قيام مثل هذه الشراكة الاقتصادية تحت مسميات مختلفة، ولم يكن مستغربًا أيضًا أن تكون فكرة الشرق أوسطية ذاتها بدعة إسرائيلية بمباركة أمريكية، وتعود في حقيقتها لأكثر من 3 عقود، وتحديدًا منذ عام 1967 حين تنبهت مراكز البحث الإسرائيلية -خاصة تلك الموجودة داخل الولايات المتحدة- لأهمية قيام إسرائيل بالمبادرة نحو إقامة تكتل اقتصادي مع البلدان العربية يخدم الاقتصاد الإسرائيلي بالأساس، مستندة في هذا إلى انتصارها الكاسح على العرب في حرب 1967.
ولعل خير دليل على سيطرة هذه الفكرة على العقل الإسرائيلي هو ترويج كبار السياسيين الإسرائيليين ذاتهم لها، الذين يأتي على رأسهم "شيمون بيريز" وزير الخارجية الأسبق الذي اقترح في بداية الثمانينيات قيام نظام شرق أوسطي تموله أموال النفط العربية، ثم أعاد الكرة أوائل التسعينيات بعد تدشين مخطط أوسلو عام 1993، ولذا لم يكن غريبًا أن يُقرن عادة لفظ الشرق أوسطية بإسرائيل.
2- أنها تسعى إلى إخراج إسرائيل من عزلتها العربية الخانقة، وذلك حتى ينجو الاقتصاد الإسرائيلي من شرنقته الحالية التي نجمت عن الانتفاضة الثانية "انتفاضة الأقصى"، كما أنها دليل مهم على مدى حاجة الاقتصاد الإسرائيلي للاستفادة من الوفورات الخارجية التي يمكنه تحقيقها في المحيط العربي، خاصة في ظل الترهل الاقتصادي المهيمن على الاقتصاديات العربية، وعدم قدرتها على تحقيق أدنى درجات التكامل الاقتصادي، متمثلا في الاتحاد الجمركي.
3- سعي إسرائيل الحثيث لإقناع العرب بأهمية الاندماج لاقتصادياتهم مع الاقتصاد الإسرائيلي، وما يمكن أن يوفره ذلك من تصدير التكنولوجيا الإسرائيلية للبلدان العربية، وتدعيم علاقة هذه الاقتصاديات بكل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عبر الوسيط الإسرائيلي. وليس أدل على ذلك من انتهاز إسرائيل لأي مؤتمر اقتصادي يعقد بالمنطقة للترويج لأفكارها الإمبريالية، ويكفينا أن نشير إلى أن الوفد الإسرائيلي قد حمل معه حوالي 139 مشروعًا للتعاون الإقليمي تقدر تكاليف تنفيذها بـ 12.350 مليار دولار لعرضها على المجتمعين في مؤتمر القاهرة الاقتصادي الذي عقد عام 1996.
مؤتمرات اقتصادية
تهدف إسرائيل إلى تحقيق الشرق أوسطية من خلال آليات متعددة تختار من بينها حسب طبيعة المرحلة ومتطلباتها السياسية، إلا أن أهم هذه الآليات هي عقد المؤتمرات الاقتصادية التي تتم قيادتها عبر مؤسسات من خارج المنطقة لا من داخلها، مُمثَّـلة في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (سويسرا) ومجلس العلاقات الخارجية الأمريكية في نيويورك، كما أنها لم تَعُد مقصورة على ممثلي الدول بل تضم مستويات مختلفة من الحكومات ورجال الأعمال والمنظمات الدولية. وقد تم عقد 4 مؤتمرات للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في: الدار البيضاء (1994) وعمان (1995) والقاهرة (1996) وقطر (1997).
وتهدف هذه المؤتمرات الاقتصادية إلى زيادة نفوذ القطاع الخاص وقطاع رجال الأعمال؛ بحيث يتم تكوين لوبي (جماعة ضغط) قوي داخل كل نظام سياسي في المنطقة، وفي الوقت نفسه يزيد تفاعل أعضاء هذه الفئة بعضهم مع بعض ومع المستثمرين الأجانب والشركات ذات النشاط الدولي من جهة أخرى. وهو تفاعل سيتم في إطار المصالح الاقتصادية المجردة من القيم الأخلاقية أو القومية.
وستتصاعد عملية التعامل تدريجيًا إلى أن يتحول الشرق الأوسط بأَسره إلى سوق مشتركة يكون مركزها في تل أبيب، ويتم تنشيطها عبر مجموعة من المشاريع الضخمة تموِّلها مؤسسات التمويل الدولية، ويتم ربط كل هذا بالسوق العالمية.
ولا تبتعد أهداف مؤتمر دافوس بالأردن عن هذه الرؤية؛ حيث يركز بالأساس على تنقية الأجواء الشرق أوسطية من شوائب النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، خاصة في ظل الوضع المترهل للدول العربية في الوقت الراهن، الذي كشفته بشدة الحرب على العراق، وبدء الاحتلال الأمريكي تحت مرأى ومسمع الجميع، بل ويمكن اعتباره بمثابة وسيلة غير مباشرة لتدشين أول جسر بين العرب وإسرائيل في عالم ما بعد احتلال العراق.
آلية الاتفاقات
وبالإضافة إلى آلية المؤتمرات هناك آليات أخرى قد تلجأ إليها إسرائيل للتعجيل بإقامة النظام الشرق أوسطي، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
1- القيام بعقد اتفاقات ثنائية بين إسرائيل وكل دولة من الدول العربية المجاورة من جانب، وعقد اتفاقات متعددة الأطراف من جانب آخر. وتحدِّد الاتفاقات الثنائية علاقات إسرائيل بكل دولة من دول المحيط العربي في المجالات الاقتصادية والتجارية والأمنية والعسكرية، إضافة إلى المجالين الدبلوماسي والسياسي، وما يترتب على هذه من ترتيبات تنظيمية وإدارية وفنية وعسكرية مشتركة.
2- التركيز في المرحلة الأولى على تأسيس محور ثلاثي يأخذ -بصورة متدرجة- صيغة تشكيلة سياسية اقتصادية أمنية (شكل من أشكال الكونفدرالية) تضم إسرائيل والأردن والكيان الفلسطيني، وترتبط لاحقًا -وعلى نحو متدرج- بتشكيلة أوسع تضم سوريا ولبنان. ويتم في الوقت نفسه توسيع العلاقات الاقتصادية مع مصر، وبالتحديد في مجالي الطاقة والسياحة وبعض الصناعات المحددة كصناعة النسيج.
3- تطبيع العلاقات الاقتصادية (إضافة إلى العلاقات السياسية والدبلوماسية) مع سائر دول العالم العربي وفق آليات السوق الرأسمالية؛ أي دون اشتراط علاقات اقتصادية متميزة كما هي الحال مع الكيان الفلسطيني والأردن، أو مع سوريا ولبنان، لكن مع عدم إغفال الاعتبارات الأمنية أو تجاهلها. ويبدو أن اشتراط إقامة علاقات اقتصادية متميزة مع الدول العربية المحيطة يرتبط بمفهوم إسرائيل لأمنها القومي وحاجتها إلى توليد "مصالح مشتركة" تنفي، أو تقلِّص إلى الحـدود الدنيا إمكان نشوب حروب أو نزاعات أو عمليات عسكرية جديدة.
دلالات بنود المؤتمر
لعل أول ما يثير الانتباه عند قراءة بنود الأيام الثلاثة للمؤتمر هو سيطرة "الروح" الأمريكية على أجواء المؤتمر بشكل عام على جميع أفكار المؤتمر، ولِم لا يحدث وسوف يحضر المؤتمر كل من وزير الخارجية الأمريكي كولن باول (ربما للإشراف على سير الأمور كما هو مخطط لها أمريكيا)، وكذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي (ربما للتأكد من نجاح المؤتمر في إقرار الشرق أوسطية في طبعتها الأمريكية الجديدة).
ويمكن اعتبار هذه البنود عمومًا بمثابة "روشتة" لما يجب أن تكون عليه الأوضاع في المنطقة في المرحلة المقبلة من جميع النواحي السياسية والاقتصادية والإدارية والثقافية وحتى الأخلاقية. ولن نتوقف عند بنود المؤتمر على حدة؛ لأن كلا منها يثير شكوكًا تكفي لزعزعة الثقة في حضور المؤتمر ذاته.
وللتأكيد على ما سبق نلاحظ أنه من بين 40 بندًا -هي بنود المؤتمر- يأتي إعادة ترتيب الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط على رأس الأولويات التي سيناقشها المؤتمر؛ حيث بلغت البنود الخاصة بهذا المحور حوالي 17 بندا (أي ما يقرب من 42% من البنود ككل)، وهو ما يحمل دلالات خطيرة لا مجال للخوض فيها الآن، بينما احتل موضوع إعادة بناء العراق المرتبة الثانية من حيث الأهمية بنسبة بلغت 25% فقط (10 بنود)، في حين احتلت قضية إحلال السلام في المنطقة خاصة عبر تنفيذ خريطة الطريق نسبة ضئيلة جدًّا لم تتعد 7.5% (3 بنود فقط)، وهو أيضًا مؤشر خطير على عدم الاهتمام بهذه القضية أكثر من الاهتمام بالقضايا الأخرى.
في حين احتلت قضايا الإصلاح السياسي والاقتصادي في كل من البحرين ومصر والأردن والسعودية وفلسطين وعُمان وتركيا أهمية متساوية بنسبة بلغت 2.5% لكل منها على حدة (بند واحد لكل دولة).
كما أن هناك مؤشرًا آخر خطيرًا؛ وهو أن الجانب السياسي قد طغى على بنود المؤتمر أكثر من نظيره الاقتصادي؛ حيث بلغت نسبة الأول نحو 40%، في حين لم تتعدَّ نسبة الثاني 22.5% فقط، وتوزعت النسبة المتبقية بين الإصلاحات الإدارية والثقافية ومحاربة الإرهاب الدولي. وهو ما قد يتعارض مع المبادئ الأساسية للملتقي الاقتصادي العالمي الذي من المفترض أنه يهتم أكثر بالموضوعات الاقتصادية، ويعلي من شأن قضاياها العالمية.
ولعل ما هو أخطر من البنود السابقة -من وجهة نظري- هو ذلك البند المتعلق بإحياء مشروع قناة "الأحمر- الميت" التي تربط بين البحرين الأحمر والميت، وذلك تحت ذريعة الحفاظ على الموارد المائية في المنطقة الواقعة بين البحرين، في حين أنه قد يصبح أول مسمار يدق في نعش قناة السويس المصرية، وينبئ بانتهاء دورها كرابط حيوي بين الشرق والغرب، بل واحتمالات استخدام القناة الجديدة كأداة للضغط على موقف مصر من قضية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.
وإذا كان هناك قلة من المنتفعين العرب الذين يرون في هذا المؤتمر قارب نجاة نحو بناء شراكة اقتصادية مع الولايات المتحدة ومن خلفها إسرائيل، وفتح صفحة جديدة في التاريخ الاقتصادي للمنطقة.. يظل من الصعب على كل مواطن عربي عاقل إغفال حقيقة ما يحاك له ولأبنائه علنًا ومن وراء الكواليس، ومن أراد العبرة فليقرأ بنود المؤتمر جيدًا، ولكن من يسمع؟ ومن يستجيب؟
خبير اقتصادي مصري
|