تعتمد عملية بناء شبكات إسلامية معتدلة على مستوى العالم على وجود مؤسسات ومنظمات قوية تعمل بشكل فعال على المستوى الداخلي، وكذلك على المستوى الإقليمي... هذا هو هدف دراسة مؤسسة راند الأمريكية التي وضعت تحت عنوان "بناء شبكات مسلمة معتدلة".
وفيما يلي عرض موجز للفصول (السادس والسابع والثامن) من هذه الدراسة، والتي تلقي الضوء على أهم تلك المؤسسات، والمعوقات التي تواجهها، وكيفية التصدي لها من خلال التركيز على 3 مناطق مركزية هي: أوروبا، ودول جنوب شرق آسيا، والشرق الأوسط، والبحث في الإمكانيات والموارد التي تتمتع بها كل منطقة، سواء كانت مؤسسات أو موارد بشرية.
أولا: المحور الأوروبي في بناء الشبكات المعتدلة
من وجهة نظر واضعي التقرير تعد أوروبا أحد أهم دعامات مبادرة بناء شبكة من المسلمين المعتدلين، ويرجع ذلك إلى كثافة الوزن السكاني والمستوى الثقافي للمسلمين في أوروبا، فهي أكبر مركز للتجمع الإسلامي في العالم، ووفقًا للإحصاءات الرسمية يصل عدد الجاليات العربية إلى 15 مليون مسلم في غرب أوروبا مع وجود إحصاءات أخرى تؤكد أن عدد المسلمين في أوروبا في تزايد مستمر، وتضم فرنسا وحدها ما بين 4 و6 ملايين مسلم معظمهم من شمال إفريقيا، وتضم أوروبا بداخلها مختلف التيارات الفكرية والأيديولوجيات سواء المعتدلة أو المتطرفة منها، وثقافيا تعتبر لندن أكبر مركز ثقافي وإعلامي للعالم العربي في أوروبا، ففي عام 2004 نشر في لندن عدد كبير من الكتب العربية أكبر من نظيرتها في العالم العربي.
طبيعة الإسلام في أوروبا
وقد شهدت أوروبا في الفترة الأخيرة انتشارًا ملحوظًا للأيديولوجيات الإسلامية المتطرفة داخل المجتمعات الإسلامية هناك، لكن يوجد في الوقت ذاته الكثير من المنظمات الإسلامية المعتدلة والمفكرين المسلمين المعتدلين المؤيدين للقيم وللمؤسسات الليبرالية.
وحتى يمكن الوصول إلى أكثر الإسلاميين اعتدالا لتطبيق البرامج الليبرالية.. لابد من التعرف على تصنيف الإسلاميين في أوروبا، والذي يمكن إيجازه في ثلاثة آراء هي:
الرأي الأول: يعتقد أنصاره أنه لا بد على المجتمع الإسلامي في أوروبا أن يندمج كلية ويذوب داخل المجتمعات الأوروبية والغربية، على غرار ما تفعله المجتمعات غير المسلمة، أما فيما يتعلق بحياتهم ومعتقداتهم الدينية فينبغي أن يحتفظوا بها في الخفاء.
الرأي الثاني: يرى أن الاندماج ضرورة داخل المجتمعات الأوروبية، لكن مع السعي إلى الحصول على بعض الحقوق الاجتماعية من أجل تدعيم هويتها ووجودها داخل المجتمع الأوروبي، وذلك من خلال: التعليم المناسب، والاشتراك في سوق العمل، وكذلك المشاركة في الحياة الاجتماعية بكافة مجالاتها، وفيما يتعلق بممارساتها الدينية فيرى أصحاب هذا الرأي أنها يجب أن تكون معلومة ومرئية للآخرين ويجب على المجتمع الأوروبي الاعتراف بها والتعايش معها، كما يرى بعضهم ضرورة الاعتراف وتضمين الممارسة الإسلامية في داخل القوانين والتشريعات الأوروبية.
الرأي الثالث: يعتبر أن هذه المجموعات الإسلامية أقل التجمعات رغبة في الاندماج داخل المجتمع الأوروبي، ويجب أن تظل الجالية الإسلامية جالية مميزة في وسط أوروبا، ويسعى أصحاب هذا الرأي إلى الحفاظ على مبادئهم الاجتماعية إلى حد كبير، ويطالبون بتطبيق الشريعة الإسلامية بالموازاة مع القوانين والتشريعات الأوروبية، بل إنهم من أنصار "أسلمة أوروبا".
اختيار الشركاء الليبراليين
ووفقا لما سبق فإنه يمكن بناء شبكات معتدلة ممن يطرحون على سبيل المثال أفكارا ومفاهيم ترتبط بالليبرالية والديمقراطية كأصحاب الرأيين الأول والثاني، ومن أهمها: مفهوم الإسلام الأوروبي، فهذا أحد التصورات التي قدمها بعض المسلمين الليبراليين بهدف دعم الإسلام الأوروبي "المعتدل" الذي يحافظ على الهوية الإسلامية، ولكن في الوقت ذاته يقبل التعامل والاندماج مع المجتمعات والثقافات الأخرى، ويعتبر مشروع "اليورو- إسلام" (Euro Islam)، أحد أهم مشروعاتهم، وهو جزء من مبادرة تعليمية يدعمها الاتحاد الأوروبي، تعمل على عقد ورش عمل، ومحاضرات، وندوات، وإصدارات لترسيخ المبادئ الليبرالية.
وفيما يخص المفكرين الإسلاميين المعتدلين يوجد الكثير من المفكرين الليبراليين الذين يمكن الاعتماد عليهم، ويعتبر (باسم طيبي) أحد أهم الباحثين الإسلاميين المعتدلين، فهو مؤسس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وعضو في العديد من المنظمات التي تعمل على إيجاد حوار متبادل وفعال بين المسلمين وكل من اليهود والمسيحيين، ويؤيد فكرة اندماج المسلمين داخل المجتمعات الأوروبية، ويعارض بشدة فكرة تطبيق الشريعة الإسلامية في أوروبا.
وعلى المستوى الدعوي أيضًا، يعد (هادي الصباح) من الإسلاميين المعتدلين، وهو إمام مسجد باسو في ألمانيا الذي ظهر في الآونة الأخيرة في وسائل الإعلام لإدانة الأعمال الإرهابية والمشاعر المعادية للمسيحيين، وانتقاد الأئمة المسلمين في أوروبا الذين يسعون إلى التشجيع على استخدام العنف والقوة من أجل حل قضاياهم الاجتماعية والسياسية.
وهناك كذلك (صهيب بن شيخ) مفتي مرسيليا -السعودي الأصل- وهو من خريجي الأزهر الشريف، ويعتبر أحد المناضلين ضد الأصوليين، وقد أصدر كتابًا بعنوان "الإسلام في فرنسا العلمانية" عرض فيه الوسائل المتاحة للمسلمين للاندماج والتعامل داخل المجتمع العلماني الفرنسي، وفيما يخص مسألة الحجاب، رأى أنه من الممكن للنساء المسلمات خلع الحجاب بسبب الظروف الاجتماعية التي يواجهنها، وفي أثناء أزمة الرسوم الدانماركية أعلن أن تلك الرسوم قد تعدت الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام الأديان، مشددًا أن العنف لن يكون الوسيلة السليمة للتعامل مع تلك الأزمة.
المؤسسات الإسلامية المعتدلة بأوربا
على الرغم من أن معظم المنظمات الأوروبية لديها توجهات متطرفة، فإنه يوجد الكثير من المنظمات المعتدلة ذات التوجهات الليبرالية، ومن أهمها:
ـ المؤسسة الإسلامية الأسبانية (FEERI) والتي تعمل على تمثيل المسلمين في أسبانيا وتحظى بدعم كبير من الحكومة الأسبانية، وقد أصدر (منصور إيسكورودو) رئيس المؤسسة فتوى أعلن فيها خروج بن لادن والقاعدة عن مبادئ الإسلام، وحول الأفكار الليبرالية والديمقراطية يرى إيسكورودو أن روح الإسلام تدعو إلى الديمقراطية، كما يرى ضرورة إعادة روح الأندلس التي تعد أفضل نموذج إسلامي لتطبيق مبادئ الحرية والديمقراطية والمساواة.
ـ وفي فرنسا تعتبر (المؤسسة القومية للمسلمين) أحد أهم المنظمات الإسلامية المعتدلة، وهي رسميًّا أحد أجهزة المجلس الفرنسي للدين الإسلامي، وحصلت على 16 مقعدا من 41 في الانتخابات الأخيرة للمجلس في إبريل 2003، ويعتبر (محمد بيشارى) المغربي الأصل أحد أهم عناصر نجاح وفاعلية المؤسسة؛ حيث يدعو إلى أن الإسلام بنماذجه وصوره المختلفة قد ينجح في الاندماج في أوروبا وتقديم نموذج للديمقراطية والتعددية لغالبية المسلمين في جميع أنحاء العالم.
ـ وفي إيطاليا توجد العديد من المؤسسات الإسلامية مثل (المؤسسة المغربية)، التي ترأسها (سعاد صباي) ذات الأصول المغربية وأحد أهم الناشطين الليبراليين، كما يوجد الشيخ (الصوفي عبد الهادي بالازي) خريج الأزهر ومدير (المركز الثقافي للجالية الإسلامية بإيطاليا)، ويعمل المركز على تطوير المناهج التعليمية الإسلامية، والتصدي للأفكار المتطرفة والأصولية، كما يشارك المركز في العديد من اللقاءات والندوات الدينية التي تهدف إلى التقريب بين المسلمين والمسيحيين واليهود.
وفيما يتعلق بتطبيق الشريعة الإسلامية، يرى بالازي أن الشريعة الإسلامية تحد من قدرة المسلمين على ممارسة حياتهم خاصة عندما تتعارض مع بعض القوانين الموجودة في البلاد التي يعيشون فيها، وفى عام 1996 أنشأ بالازي والباحث الإسرائيلي د. آشر أيدر (الزمالة الإسلامية – الإسرائيلية) من أجل دعم التعاون المشترك بين إسرائيل والشعوب الإسلامية من جهة وبين اليهود والمسلمين من جهة أخرى.
ـ وفى بريطانيا يدعي المجلس الإسلامي البريطاني أنه صوت الإسلام المعتدل، لكن هناك الكثير من الشكوك حول مدى اعتدال هذا المجلس، وعليه يعتبر أهم وأكثر المؤسسات الليبرالية في بريطانيا (المؤسسة التقدمية للمسلمين البريطانيين)، كما يعتبر (منتدى مسلمي بريطانيا) والذي تم تأسيسه في مارس 2005 أحد أكثر المؤسسات المعتدلة، ويتبع هذا المنتدى حوالي 250 مسجدا ومؤسسة أخرى، ومؤخرا تم تأسيس (المجلس الصوفي) لمنافسة المجلس الإسلامي البريطاني.
ـ وفى البلقان التي تعتبر أحد أكثر الدول التي تنشط فيها الأفكار والمؤسسات المتطرفة، أصبح هناك العديد من المؤسسات المعتدلة التي تعمل على نشر المبادئ والقيم المعتدلة، والتي عادة ما تعمل في إطار (الإسلام الصوفي)، ومنها: (منظمة المجتمع الإسلامي في البوسنة والهرسك، والجامعة الإسلامية في سراييفو، والمنظمة الإسلامية في كوسوفا).
ثانيا: محور جنوب شرق آسيا
لدى جنوب شرق آسيا عدد كبير من المؤسسات الإسلامية المتطورة التي يمكن أن تكون أحد ركائز حرب الأفكار ضد الجماعات الإسلامية المتطرفة، وكذلك أحد أهم القواعد التي يمكن أن تقام فيها شبكات إسلامية معتدلة، ويرجع ذلك إلى أن القوى الإسلامية المعتدلة هناك لديها مجموعة من الأجهزة والمؤسسات التي تؤهلها للحفاظ على القيم والأفكار الإسلامية المعتدلة ومن ضمنها:
أولا: المؤسسات التعليمية
تتطلب عملية بناء شبكات معتدلة في جنوب شرق آسيا وجود تعاون مشترك بين المنظمات غير الحكومية والمؤسسات الإندونيسية المعتدلة، ومن أهم تلك المؤسسات (مؤسسة نهضة العلماء) التي تمتلك شبكة من الأجهزة التعليمية والاجتماعية، وتسعى إلى نشر الأفكار المعتدلة من بينها حوالي 15 ألف مدرسة، وكذلك (مؤسسة المحمدية) لما بداخلها من قطاعات وأجهزة إسلامية داخل المجلس الديني بالمنظمة والذي يهتم بالأساس بالأمور الدعوية، ولديها أيضا أنشطة وأجهزة ليبرالية بداخل مركز الدراسات الدينية والديمقراطية والذي يسعى بدوره إلى تطبيق أجندتها الليبرالية سواء داخل أو خارج المؤسسة.
وتعتبر هاتان المؤسستان أنموذجا لمعظم المدارس الإسلامية في إندونيسيا، والتي تسمى (pesantren) وتسعى إلى نشر القيم الإسلامية المعتدلة بعيدا عن مفهوم الاعتدال الذي يعرفه الغرب، فتقدم تلك المدارس الاعتدال الإسلامي عبر زرع قيم كالأخوة والإيثار التي تشكل دعامة أمام الرأسمالية الغربية، كما تشارك تلك المدارس في العديد من البرامج التي تعمل على دعم التعددية والتسامح والمجتمع المدني، وذلك من خلال تنظيم انتخابات طلابية للمدارس –على غرار اتحاد الطلاب– ويتم ترشيح رئيس لطلبة المدارس ليمثلهم ويعبر عن آرائهم.
أما على مستوى الجامعات فلدى إندونيسيا أهم الجامعات الإسلامية، ليس فقط على مستوى جنوب شرق آسيا فحسب.. ولكن على مستوى العالم ككل، وتعتبر (جامعات المحمدية) إحدى أهم الجامعات التي تعمل عل نشر القيم والمبادئ الديمقراطية، وتهدف (جامعة شريف هداية الله الإسلامية) إحدى أهم الجامعات الإسلامية المعتدلة إلى تخريج طلاب مسلمين لديهم نظرة إسلامية معتدلة وقبول للآخر، فبعد سقوط حكومة سوهارتو عام 1998، غيرت الجامعة من المنهج الأيديولوجي الذي كان سائدًا بمنهج تعليمي آخر يهدف بالأساس إلى تحقيق الديمقراطية في إطار إسلامي، وتضم الجامعة 47 كلية، ويبلغ عدد طلابها حوالي مائة ألف طالب، وتصدر الجامعة جريدة "دراسات إسلامية"، تنشر فيها الكثير من المقالات لباحثين إسلاميين إندونيسيين وغربيين، وعادة ما تشمل تلك المقالات مواضيع حول حقوق الإنسان والمرأة.
كما توجد جامعات إسلامية معتدلة تابعة للمحمدية تبلغ حوالي 35 كلية و160 مؤسسة لا تقل في أهميتها عن جامعة شريف هداية الله، وتسعى تلك الجامعات إلى تعليم المناهج الوطنية بالموازاة مع المناهج الإسلامية، مما يعكس التوجهات المعتدلة لتلك المنظمة.
ثانيا: الإعلام
أصبحت المؤسسات والمنظمات المعتدلة والمفكرين المعتدلين أكثر وعيًا بضرورة استخدام وسائل الإعلام بصورة فعالة لمواجهة الراديكاليين، ويعتبر البرنامج الإذاعي (الدين والتسامح) "الذي يذاع على (الشبكة الإسلامية الليبرالية) واحدا من أشهر البرامج في إندونيسيا، كما يتم نشر الحوار الإذاعي للبرنامج في أكثر من 70 جريدة".
ثالثا: المؤسسات الديمقراطية
عمدت المؤسسات الإسلامية في إندونيسيا إلى إنشاء مؤسسات تهدف إلى تعليم كوادرها وأعضائها القيم الليبرالية والمبادئ الديمقراطية، وذلك بالتعاون مع العديد من منظمات المجتمع المدني الغربية، ومن بين تلك المؤسسات: (مركز تنمية وتعليم الموارد البشرية) وذلك بالتعاون مع مؤسسة فورد، وفي الفلبين يوجد أحد أهم المراكز وهو (مركز الفلبين الإسلامي) وترأسه أمينة رسول برنارادو والتي تعد أول امرأة يتم انتخابها في مجلس الشيوخ في الفلبين.
رابعا: الشبكات الإقليمية
تعتبر منطقة جنوب شرق آسيا المسرح الإقليمي الأول الذي يتبنى فكرة الربط بين الشبكات الإسلامية المعتدلة المحلية والقومية بالمنطقة الإقليمية في جنوب شرق آسيا ككل، وقد تولى (المركز العالمي للإسلام والتعددية) في جاكرتا عملية بناء شبكة من المنظمات الإسلامية غير الحكومية والمثقفين والناشطين المعتدلين في إقليم شرق آسيا من أجل نشر الأفكار الإسلامية المعتدلة على نطاق واسع، وعقد المركز على مستوى الإقليم الكثير من ورش العمل حول الإسلام والديمقراطية، كان أولها في مانيلا في سبتمبر 2005 والثاني في جاكرتا في ديسمبر من نفس العام، وفي إطار تلك الاجتماعات بدأ الشركاء الآسيويين المعتدلين في وضع أجندة إقليمية، كذلك وضع مجموعة من التوصيات التي تطالب بضرورة مناقشة المبادئ الديمقراطية الموجودة في القرآن والعمل على إنشاء مؤسسات إقليمية أخرى في منطقة جنوب شرق آسيا من أجل دعم العمل المشترك بين دول المنطقة.
ثالثا: الشبكات في الشرق الأوسط
يعتبر العائق الرئيسي لبناء شبكة من الإسلاميين المعتدلين في منطقة الشرق الأوسط هو عدم وجود حركات أو مؤسسات ليبرالية فعالة، بل يوجد فقط جماعات ليبرالية صغيرة أو أفراد غير منظمين ولا يمكن الاعتماد عليها؛ وبالتالي فإن كسب معركة الليبرالية في الشرق الأوسط يعتمد إلى حد كبير على السعي وراء قيام جماعات ليبرالية منظمة وقوية.
ويوجد شبه إجماع أن النموذج الإسلامي في مصر على سبيل المثال هو الأمثل والأقرب لتمثيل الإسلام المعتدل؛ لارتباط المصريين وتمسكهم بشكل كبير بعاداتهم وتقاليدهم، ففي وقت ما استطاعت تلك القيم أن تتصدى للجماعة الإسلامية -أحد الأجنحة الإرهابية لجماعة الإخوان المسلمين- عندما حاولت التدخل في الحياة الاجتماعية للمصريين، ولكن يمثل غياب قوى إسلامية معتدلة فعالة أحد العوائق التي تواجه المجتمع المصري، بينما تعد الأردن أحد الأماكن المناسبة لبناء شبكة من المعتدلين في العالم العربي.
وفي الآونة الأخيرة بدأ التيار الإسلامي المعتدل ينتشر في العديد من دول الخليج كالكويت، والبحرين، وأبو ظبي، لكن لا يوجد حتى الآن مؤسسات ومنظمات معتدلة فعالة ومنظمة، في حين توجد منظمات ومؤسسات تابعة للجماعات السلفية والوهابية تعمل بشكل فعال في مجال التعليم والقطاعات المالية، ففي الكويت مثلا يسيطر الإخوان المسلمون على الجامعة الكويتية وبيت المال الكويتي.
وفيما يتعلق بمنظمات المجتمع المدني، تعتبر الكويت، والبحرين، والإمارات من أكثر النماذج المبشرة والفعالة في ذلك المجال، ففي عام 2002 أجريت الانتخابات البرلمانية وتم السماح للمرأة بالمشاركة لأول المرأة في الانتخابات، وعلى الرغم من عدم حصولها على أي مقعد فإن هذا يعتبر نجاحًا للتيار الإسلامي المعتدل ومنظمات المجتمع المدني في منطقة الخليج، وفي عام 2006 تم الاعتراف رسميا باتحاد المرأة البحرينية، أحد أهم منظمات المجتمع المدني في البحرين.
مشروعات بناء الديمقراطية
قامت العديد من المؤسسات الغربية بعمل مشروعات بناء الديمقراطية في الشرق الأوسط، فقد سعت (مؤسسة ابن رشد لحرية التعبير في ألمانيا) لتقديم الدعم إلى المفكرين الليبراليين في العالم العربي، وتم تأسيس المنظمة في عام 1998، بمناسبة الاحتفال بمرور 800 عاما على ذكرى وفاة الفيلسوف العربي ابن رشد، وكذلك مرور 50 عاما على منظمة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.
وناقش (مركز دارسات الإسلام والديمقراطية) فكرة إنشاء شبكة من الإسلاميين المعتدلين و"العلمانيين" للعمل معًا لنشر الديمقراطية والقيم الليبرالية في المنطقة، وبالفعل تولى المركز العمل مع (ستريت) إحدى المنظمات غير الحكومية في واشنطن لوضع برامج تدريبية في القانون، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، وتم تقديمها للكوادر الموجودة في المغرب، والجزائر، والأردن، ومصر، من أجل العمل على وضع إستراتيجيات تجمع بين المبادئ الديمقراطية والإسلام، وفى هذا الإطار نظمت ورش عمل في عدد من دول المنطقة من أجل تقريب وجهات النظر بين الناشطين الإسلاميين ذوي التوجهات الأيديولوجية المختلفة وبين "إسلاميين ديمقراطيين"، من خلال عقد مؤتمرات وندوات وتقديم برامج تدريبية للمسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية، وتقديم تعليم ديمقراطي وتدريب الأئمة المسلمين في الولايات المتحدة.
بناء شبكة إقليمية
لا توجد شبكة إقليمية معتدلة في منطقة الشرق الأوسط على الرغم من وجود خطط لدى مركز دراسات الإسلام والديمقراطية (CSID) لتأسيس مكاتب في الأردن والمغرب من أجل القيام بإنشاء شبكة إسلامية معتدلة من تلك المكاتب، ولكن توجد شبكات إسلامية معتدلة تعمل على نطاق أوسع من العمل المحلي، ومن ضمن تلك المؤسسات المنظمات غير الحكومية الليبية التي تعمل في تقديم الدعم للتعليم الإسلامي، والاجتماعي، والرعاية الصحية داخل العالم الإسلامي، وهي بذالك تنافس المؤسسات السعودية.
بناء الديمقراطية في العراق
تواجه عملية بناء شبكات إسلامية معتدلة في منطقة الشرق الأوسط أحد أصعب تحدياتها في العراق بالمقارنة مع الدول العربية، وبالنظر إلى تاريخ العراق سنجد أن الحياة الديمقراطية كانت نشطة وفعالة؛ ففي عام 1959 كان العراق به أحد أهم مجتمع مدني قوي يعتبر هو الأقوى في المنطقة، ولكن لم يقدر للحياة الديمقراطية أن تستمر طويلا في العراق؛ حيث حل الحكم العسكري والبعثي محل الحكم الهاشمي الذي استمر ما يقرب من 45 عاما، مما أدى إلى انهيار الحياة الديمقراطية والقضاء تمامًا على مؤسسات المجتمع المدني.
وبعد سقوط النظام صدام حسين الاستبدادي، أصبح هناك إمكانية كبيرة لإنعاش الحياة السياسية من جديد وذلك من خلال الأحزاب والجماعات السياسية التي كانت موجودة خارج العراق في ظل حكم صدام، وتتمتع تلك الأحزاب بصلات قوية مع بعض الجماعات العرقية في العراق كالأحزاب الكردية أو مع بعض الشخصيات الدينية.
وعليه فإن الواقع العملي يثبت أن العراق الآن لديه أكبر تنوع سياسي في المنطقة العربية بأسرها، بدء من الإسلاميين والشيوعيين والأحزاب العراقية الكردية، الأمر الذي يجعل من هذا البلد منبرا ونموذجا للديمقراطية في العالم العربي.
ويرى الكثير من المحللين أن تفعيل ودعم الديمقراطية في العراق ذات الطابع المتنوع تكون بتأسيس مركز القوى والطوائف العراقية المختلفة.
ولكن هناك تحديان يواجهان العراق:
الأول: هو انعدام الأمن الذي يمثل عائقًا أمام بناء المركز، فالانفلات الأمني الذي يملأ شوارع العراق، وغياب القانون، وانتشار العنف والإرهاب، وعمليات التمرد المسلح، كلها عوامل تعمل على تأجيج الصراع الطائفي بين كافة عناصر المجتمع العراقي؛ وبالتالي فإن تحقيق الاستقرار الأمني في العراق يعتبر هو الحل لتوسيع نطاق المشاركة السياسة بين كافة الطوائف العراقية وكذلك توسيع عمل منظمات المجتمع المدني.
الثاني: هو دعم الجماعات والشخصيات الليبرالية العلمانية في مقابل صعود التيارات والجماعات الإسلامية والذي انعكس على مواد الدستور العراقي الذي تضمن الكثير من المواد ذات البعد الديني، فبعض المواد تقر بأن الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع، وكذلك أنه لا بد من ألا يتعارض أي قانون مع مبادئ الإسلام، وعليه تعيش الأقليات غير المسلمة وجماعات حقوق المرأة في ظروف قاسية خوفًا من تهميش المواد التي تتعلق بحقوق الإنسان تحت وطأة المبادئ الإسلامية، وهناك تخوف آخر هو أن المواد التي تضمن الحفاظ على الهوية الإسلامية تسمح بتطبيق الحدود، وتنفيذ حكم القتل للمرتد، تحت تطبيق الشريعة الإسلامية، وعليه فإن دعم وتفعيل القوى الليبرالية والعلمانية في العراق هو الضامن الوحيد لتحقيق الديمقراطية والتعددية هناك.
دراسة صادرة عن المؤسسة شارك في إعدادها الباحثون: أنجيل راباسا ـ تشيرل بنارد ـ لويل تشارتز ـ بيتر سيكل.
*موجز الفصول (السادس والسابع والثامن) من الدراسة الصادرة عن مركز الشرق الأوسط للسياسة العامة بمؤسسة راند الأمريكية، ونشر يوم 26 مارس 2007 تحت عنوان: "بناء شبكات إسلامية معتدلة"
|