|
تمتدّ بين المغرب والاتحاد الأوروبي علاقات سياسية واقتصادية قوية تضرب بجذورها في عمق التاريخ، ويدعمها القرب الجغرافي. وقد تطوَّرت هذه العلاقة عبر سلسلة من المحطات المتوالية إلى أن تمَّ التوقيع سنة 1996 على اتفاقية الشراكة بين البلدين؛ التي بدأ العمل بها في الأول من شهر مارس الجاري (2000). وتستند هذه الاتفاقية على خلفية التوجه الأرومتوسطي الذي رسمه مؤتمر برشلونة. وبالتالي فإنها تندرج في سياق سعي الاتحاد الأوروبي إلى توطيد هيمنته على دول جنوب البحر الأبيض المتوسط، بناءً على طموحه إلى احتلال موقع مركزي في الخريطة العالمية اقتصاديًا وسياسيًا، أما المغرب فيتطلّع إلى أن تكون هذه الاتفاقية رافعة لاقتصاده وعامل استفزاز لنسيجه الصناعي وقدراته التنافسية. ولكل طرف حساباته وغاياته التي لا تتفق دائمًا مع حسابات الآخر وتطلعاته، وإذا كانت الخطابات السياسية تطفح بالنوايا الطيبة فإن الجلوس على طاولة المفاوضات تكون أشبه بلعبة شد الحبل واللغة الطاغية عليها هي لغة القوة. فإلى أي حد سيستطيع المغرب كسب هذا الرهان، وما هي قدرته على تحمُّل الإكراهات المصاحبة لهذه الاتفاقية؟.
قبل تقديم الأجوبة نشير إلى أن هذه الاتفاقية تختلف من حيث طابعها الشامل، فهي جامعة لأبعاد سياسية ومالية واقتصادية وثقافية واجتماعية. وذلك على اعتبار أن التعاون الاقتصادي ليس بإمكانه أن يتم بمعزل عما هو سياسي وثقافي واجتماعي؛ أي أن أوروبا تتخذ من الاقتصاد مطية لتمرير ثقافتها وفرض توجهاتها السياسية على المنطقة. من هذا المنطلق تشمل الاتفاقية العناصر التالية:
- الحوار السياسي بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك، والمساهمة في استقرار المنطقة الأورومتوسطية.
ـ حرية تنقل البضائع وتقضي بولوج المنتجات الصناعية المغربية المنشأ إلى المجموعة الأوروبية دون أداء الرسوم الجمركية ودون الخضوع لنظام الحصص.
وبالمقابل.. سيقوم المغرب بإلغاء تدريجي للرسوم الجمركية على المنتجات الصناعية والموادّ الأولية الأوروبية؛ حيث ستلغى منذ السنة الأولى لبدء العمل بالاتفاقية الحقوق الجمركية والاقتطاعات الضريبية المطبقة على الاستيراد على معدات التجهيز. أما المنتجات غير المصنعة محليًا والمواد الأولية وقطع الغيار فستستفيد من تخفيض قدره 25% سنويًا خلال السنوات الأربع الأولى.
وسيبدأ تطبيق تخفيض الحقوق والرسوم الجمركية بنسبة 10% على المنتجات المصنعة محليًا، وذلك بحلول شهر مارس 2003.
وسيتم رفع القيود على الأداءات المتعلِّقة بالمعاملات الجارية وضمان التنقُّل الحر للراساميل المتعلقة بالاسثتمارات المباشرة.
- التعاون الاقتصادي والمالي، ويهدف أساسًا إلى مساعدة المغرب على تأهيل اقتصاده ودعم الإصلاحات الاقتصادية والمالية الضرورية لدخول غمار إنشاء منطقة التبادل الحر مع الاتحاد الأوروبي، وتجدر الإشارة إلى أن هذا الأخير قدّم حوالي 6,5 مليار درهم مغربي (630 مليون يورو) إلى المغرب ضمن برنامج (ميدا) ما بين سنة 1996 و 1999وُظِّفَت في تمويل 30 مشروعًا.
- التعاون الثقافي والاجتماعي، ويرتبط أساسًا بموضوع الهجرة ومعاملة المهاجرين المغاربة في أوروبا على قدم المساواة مع المواطنين الأصليين، ثم بموضوع إشاعة روح التفاهم بين ثقافات المنطقة.
الزيت لتفعيل آلة المغرب الاقتصادية
وإذا كانت كل جوانب هذه الاتفاقية لها أهميتها الخاصة فإن العنصر الذي يحظى أكثر من غيره باهتمام المتتبعين هو الجانب الاقتصادي بالنظر إلى طبيعة الرهانات المرتبطة به، خاصة في هذه الفترة الدقيقة من حياة المغرب، فهو في حاجة ماسة إلى بعض الزيت لتفعيل آلته الاقتصادية من أجل امتصاص المشاكل الاجتماعية التي تراكمت منذ بداية الثمانينات، حيث شرع بتطبيق برنامج التقويم الهيكلي. فهل سيمنح العمل بهذه الاتفاقية الزيت الكافي لدهن دواليب الاقتصاد المغربي وتيسير حركتها أم أنه سيلقي فيها بعض الأحجار لتزيد من عرقلتها؟. إن حساسية هذا الموقف تجد مصدرها في خصائص الوضع الحالي المغربي، وفي توجهه الاقتصادي الذي أصبح يلقي ثقل المسؤولية على القطاع الخاص الذي لم يستطع اتخاذ المبادرة، واحتلال المواقع التي تخلَّت عنها الدولة. فهل سيؤدي إنشاء منطقة التبادل الحر مع أوروبا إلى استفزاز القطاع الخاص والمقاولات المغربية أم أنه سيقضي عليها؟!.
مما لا شك فيه أن قسطًا كبيرًا من المقاولات المغربية ستخرج من حلبة المعركة مستسلمة؛ لأنها لا تتوفر لديها مقومات الاستمرار، وقسط آخر يحتاج إلى إعادة تأهيل، إلا أن الفترة الانتقالية ما بين 1996 وبدء العمل بالاتفاقية 2000/03/1 تؤشر إلى أن هذه العملية لم تمرّ بالشكل المطلوب، وذلك ما دفع أحمد بنكيران -أحد مسؤولي الكونفدرالية العامة لمقاولات المغرب- إلى التصريح لصحيفة مغربية بأن الاتحاد الأوروبي لم يكن في مستوى تطلعات المغرب بخصوص دعم إعادة هيكلة النسيج الصناعي المغربي، كما اعتبرت هذه المؤسسة في نشرتها الأخيرة أن هذه المسألة مسألة مغربية محضة، ويقع النصيب الأكبر منها على كاهل الدولة.
وبشكل عام.. تسود حالة من عدم الرضا عن التعاون مع أوروبا؛ إذ أن الدعم المالي الذي قدمته والمقدر بـ 630 مليون يورو لا يساوي أي شيء إذا ما قورن بالغلاف المالي الذي قدمه الاتحاد الأوروبي إلى إسبانيا لإعدادها لدخول الاتحاد والذي قدر بـ 4 مليارات يورو.
الاتفاقية تتجاهل المنتجات الزراعية
وتتضح أيضًا صعوبة الموقف المغربي من كون الاتفاقية ركّزت على المنتجات الصناعية، وأغفلت المنتجات الزراعية التي كانت قد أرجأت التفاوض بشأنها إلى يناير 2000 الماضي. وإذا كانت الاتفاقية تنصّ على حرية دخول المنتجات الصناعية المغربية المنشأ إلى أسواق الاتحاد فإن ذلك لا يعني الشيء الكثير للاقتصاد المغربي؛ حيث إن القطاع الصناعي فيه متواضع؛ إذ أن نسبته في الناتج الداخلي الخام غير الزراعي بقيت مستقرة في حدود 20% منذ عقد الثمانينات، كما أن أهم صادرات المغرب إلى أوروبا تتركّز في المواد الفلاحية التي يبدو أن المفاوضات بشأنها ستستمر في أجواء صعبة، كما تشير إلى ذلك الأحداث الأخيرة المتمثلة في عرقلة الأسبان لانتقال المنتج الفلاحي المغربي عبر الأراضي الإسبانية، وتلويح الاتحاد الأوروبي بتوظيف سلاح شهادة الاستيراد كلما ارتأى ذلك. ومما يؤكد هذا الرأي أن البرلمان الإيطالي الذي تأخر عن المصادقة على الاتفاقية مدة 4 سنوات فعل ذلك تحت ضغط لوبي فلاحي توجس من أن يكون بدء العمل بها تهديدًا لمصالحه الخاصة.
ورقة الصيد البحري.. هل تعيد الحقوق الضائعة؟!
ويؤكِّد هذا الأمر أيضًا السياسة الحمائية التي يتبعها الاتحاد الأوروبي في المجال الزراعي من أجل تحقيق اكتفائه الذاتي، وخلافاته مع أمريكا ومنظمة التجارة العالمية بهذا الشأن معروفة. ولا يملك المغرب الآن سوى ورقة الصيد البحري للدفاع عن وجهة نظره وفرض مصالحه. وقد وظَّف هذه الورقة بنجاح من خلال رفض تجديد اتفاقية الصيد البحري التي انتهت صلاحيتها في نوفمبر 1999. إلا أنه سيضطر في نهاية المطاف إلى الاكتفاء بتعديل بنود الاتفاقية بدل الرفض المطلق الذي سبق التعبير عنه؛ إذ توالت التصريحات مؤخرًا عن إمكانية إبرام اتفاقية جديدة خلال الشهور القادمة. وتقدر الحكومة المغربية العائدات التي تجنيها خزينة الدولة من هذا القطاع بـ 5 مليارات درهم (5 ملايين يورو)، وهي في أمسِّ الحاجة إليها خاصة بعد انخفاض مواردها جراء إلغاء الرسوم والحقوق الجمركية؛ والتي ستؤدِّي إلى خسارة تقدر بـ 1,2 مليار درهم في السنة الأولى من الاتفاقية لتصل إلى 8 مليارات درهم في السنة الأخيرة. ويزيد من هذه الحاجة تدني مستوى النمو خلال السنتين الأخيرتين، كما أن الجفاف الذي لاحت علاماته في هذه السنة أدّى إلى تعديل التنبؤات السابقة المتعلقة بالنمو من %5إلى 3% في أحسن الأحوال.
إن القول بالتوقيع على اتفاقية شراكة يفيد وجود طرفين متوازيين أو على الأقل متقاربين من حيث القوة الاقتصادية والسياسية، فهل يمكن تصور ذلك في حالة المغرب مع أوروبا.. بلد نامٍ مع أكبر قوة اقتصادية من حيث الناتج الداخلي الخام والسوق الاستهلاكية؟!.. طبعًا لا يمكن ذلك وإذا كان المغرب قد عبَّر في أكثر من مرة عن رفضه لسياسة الإملاء التي تتعامل بها معه أوروبا فإنه في نهاية المطاف لا يجد بدًا من الرضوخ إلى الأمر الواقع، والبحث ما أمكن عن أسباب بديلة لتقوية موقعه من خلال تنويع شركائه، وتكثيف علاقاته الاقتصادية مع البلدان التي يتقاسم معها أكثر من عامل تقارب، خاصة الدول العربية. إلا أنه وللأسف لا نشهد الآن ما يشير إلى تعزيز التعاون العربي/ العربي، فإذا ما اكتفينا بتجربة اتحاد المغرب العربي فإنه يكاد يكون مشلولاً وإنجازاته بعد السنة الحادية عشر من عمره لا تكاد تُذكر.
|