|
كثيراً ما نسأل أشخاصًا نحسبهم أغنياء عن حالهم فنجدهم يشكون من ضيق العيش وتتعجب ألا يكفيهم كل ما يملكون؟
ونرى آخرين نسألهم عن حالهم – ولأنهم لا يسألون الناس إلحافاً- فيجيبون: "الحمد لله، الحال مستور" ونعرف أن الحال مستور بفضل الله، لكننا نتساءل هل هو ميسور؟ عندما يدَّعي الأغنياء الفقر وضيق العيش ونحسب الفقراء أغنياء، لتعففهم - كيف نميز الغني لنأخذ منه الزكاة، والفقير لنعطيه إياها؟
إن مشكلة الفقر – كما عرَّفها د. يوسف القرضاوي في كتابه: "مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام" – تتمثل في عدم توفر متطلبات الحياة الكريمة بالقدر الذي يجعل الفرد في سعة من العيش وفي غنى عن غيره.
ونقف في التعريف السابق عند عبارة: "متطلبات الحياة الكريمة"، التي يكمن فيها الفرق بين حد الكفاف الذي يراه علماء الاقتصاد الوضعي أنه كافٍ حتى لا يكون الإنسان فقيرًا، وحد الكفاية الذي يرى علماء الاقتصاد الإسلامي أنه كافٍ حتى لا يكون الإنسان فقيرًا، أو بالأحرى حتى يكون الإنسان كريمًا.
فحد الكفاف يتمثل في توفير ضرورات المعيشة للفرد أو أسرته بالقدر الذي يسمح لهم بالبقاء على قيد الحياة، وهو ما يشكل مستوى متواضعاً للرفاهية الاقتصادية. أما المنظور الإسلامي الذي يرى أن جهود التنمية والعمارة تهدف - جنباً إلى جنب مع التوزيع العادل والتكافل الاجتماعي -إلى رفع مستوى معيشة البشر، وتحسينه بانتظام؛ بما يكفل توفير حد الكفاية لجميع الأفراد، وذلك يعني إغناء كل فرد بحيث يكون قادرًا على الإنفاق على نفسه وعلى من يعول؛ حتى يلحق بالناس في مجتمعهم وتصبح معيشته في المستوى المتعارف عليه الذي لا ضيق فيه.. وهذا المفهوم (حد الكفاية) وما يتطلبه من مستوى ملائم من المعيشة يتفق والأوضاع السائدة في المجتمع، يعني بلا ريب مستوى أعلى من الرفاهة الاقتصادية، وهو ما نادت به الكتابات الحديثة في مجال الاقتصاديات المرفهة، حيث أشارت إلى ما يطلق عليه "رفاهة الكفاف" في محاولة للتخلص من فكرة حد الكفاف بمعناها التقليدي والارتقاء بهذا الحد إلى مستوى أعلى نسبيًا. وذلك بعد أن زاد "حد الكفاف" من اتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء وزادت بذلك أمراض المجتمع من جريمة وبطالة وفساد.
وقد اختلف الفقهاء في تحديد "حد الكفاية"- أو "الغنى" الذي يحرم بعده السؤال- بين مضيق وموسع حسبما تراءى لكل منهما من الدليل، فمنهم من يقصر حد الغنى على قوت اليوم الواحد، ومنهم من يرى توفير كفاية العام، ومنهم من بالغ في التوسيع لحد توفير كفاية العمر كله.
وقد قام د. محمد فتحي صقر في كتابه "تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي في إطار الاقتصاد الإسلامي" باستعراض آراء الفقهاء المختلفة وخلص منها بالآتي:
أ- إن الغاية الأساسية هي الارتقاء بمستوى معيشة الفرد إلى الحد اللائق الذي يضمن له كفاية المعيشة، ويكون ذلك بإخراج الفقراء والمساكين من دائرة الفقر إلى حد الغنى، والذي يلزم معه توفير الطعام والشراب الملائم وكسوة الشتاء والصيف، والمسكن الذي يليق بحاله.
ب- لا يقتصر توفير حد الكفاية على ضروريات الحياة اليومية من مأكل ومشرب وملبس ومسكن بل يمتد إلى ما يلزم لتهيئة حياة كريمة للفرد مثل: توفير الرعاية الطبية، والتعليم الأساسي، وسبل الزواج، أي كل ما يجعل الفرد يلحق بالمستوى المعيشي السائد في المجتمع.
جـ- يختلف تقدير الكفاية من فرد لآخر بحسب حالته المعيشية، فيقول الماوردي: "فيدفع إلى كل واحد منهما إذا اتسعت الزكاة ما يخرج به من اسم الفقير والمسكنة إلى كل واحد منهما إذا اتسعت الزكاة ما يخرج به من اسم الفقر والمسكنة إلى أدنى مراتب الغنى وذلك معتبر بحسب حالهم، فمنهم من يصير بالدينار الواحد غنيًا إذا كان من أهل الأسواق يربح فيه قدر كفايته، فلا يجوز أن يزاد عليه، ومنهم من لا يستغني إلا بمائة دينار فيجوز أن يدفع إليه أكثر منه".
د- بما أن الغنى ينصرف إلى إنفاق الفرد على نفسه وأسرته ما يلحقه بالناس ويجعل معيشته في المستوى المتعارف عليه الذي لا ضيق فيه؛ فإن تغير الظروف والأحوال بتغير الزمان والمكان يتعذر معه وضع حد معلوم ثابت لحد الكفاية يحمل عليه الناس جميعاً مع اختلاف أحوالهم.
هـ- تختلف الفترة الزمنية التي يتعين توفير حد الكفاية خلالها باختلاف أسباب الفقر والمسكنة من ناحية، وباختلاف تقدير المحتاج لما هو ضروري ومحتم للسؤال من ناحية أخرى. وفيما يتعلق بالنقطة الأولى، فإذا كان الفقر والمسكنة مرده عدم توفر المال مع القدرة على التكسب فيعطي الفقير أو المسكين ما يمكنه من اقتناء أسباب كسب معيشته والحصول على دخل منتظم يضمن كفاية العمر، وإذا كان الفقر أو المسكنة يعود إلى عجز عن التكسب لأسباب صحية كالأعمى أو المريض أو لأسباب اجتماعية كالأرامل، فإنه يعطي كفاية السنة في شكل راتب أو منحة دورية في كل عام أو ما يمكنه من شراء أصل رأسمالي يولد له دخلاً منتظماً يغتني به عن الزكاة.
وأما النقطة الثانية، فإن تقدير المحتاج يتوقف على تقييمه لظروفه الشخصية ومدى قناعته وإيمانه بعطاء الله سبحانه وتعالى.
و- يكون توفير حد الكفاية بغرض تحقيق التقارب بين مستويات المعيشة وتضييق الفجوة القائمة بين مستويات الدخول والثروات.
دور الدولة في توفير حد الكفاية
يدخل توفير حد الكفاية ضمن الحقوق التي يتعين الوفاء بها لكل فرد من أفراد المجتمع، فقد فرض الإسلام التكافل الاجتماعي في كل صوره وأشكاله، وقد ألزم الجماعة بأسرها بتحقيق هذا التكافل، تلبية لاحتياجات الفقراء والمساكين.
وتقع على الدولة مسئولية ضمان حد الكفاية لكل فرد، بحكم كونها السلطة العليا المنوط بها رعاية مصالح الناس، وهي مسئولية حتمية سواء تحملتها الدولة بصورة مباشرة من ماليتها العامة أم بصورة غير مباشرة من خلال أنشطة الأفراد، أم بصورة مشتركة من خلال التكافل الاجتماعي.
وحتى تتمكن الدولة من ضمان حد الكفاية يتعين عليها القيام بالمهام التالية:
1. جباية الزكاة وتحصيل الضرائب التي تشكل مصادر الإيراد العام وتحدد بالتالي أوجه الإنفاق وحجمه.
2. التدخل في سوق العمل لتوفير فرص الكسب للعاطلين والأجر العادل مقابل خدمة العمل.
3. توجيه موارد الإنتاج وفقًا لأولويات المصالح الاقتصادية إذ يتعين على الدولة مراعاة الظروف السائدة في المجتمع والمستوى المعيشي العام، باعتباره المقياس الأساسي للحكم على ما يلزم توفيره للفقير والمسكين حتى يلحق بسائر الناس (أي حد الكفاية) ثم تحديد الإمكانات وتوجيه الموارد الاقتصادية بما يتفق وسلم أولويات المصالح.
|