|
| تحول الشركات قد يفقد أصحابها الكثير من نفوذهم
|
أبو ظبي- تواجه الشركات "العائلية" في منطقة الخليج أخطارا بسبب التحولات الاقتصادية العالمية (الجات، السوق الحرة، الخصخصة،...)، حيث ظهرت دعوات تنادي بتحويلها إلى شركات مساهمة تنهي احتكار العائلة، وتتيح تداول أسهمها بين الناس.
غير أن القائمين على هذه الشركات يرفضون تلك الدعوات التي بدأت تؤيدها جهات حكومية خليجية، وهو الأمر الذي يثير تساؤلات حول أسباب الرفض، وكذلك العوائق التي تحول دون تحول هذه الشركات إلى شركات مساهمة.
ما هذه الشركات؟
الشركة العائلية تنتسب -دائما- إلى اسم عائلة اكتسبت شهرتها من الشركة نفسها أو بالعكس، لكنها في التأصيل التاريخي تنتسب إلى شخص واحد هو مؤسسها وعميد العائلة.
ولأنها شركات مغلقة في غالب الأحيان على أصحابها فإن تصنيفها القانوني ينحصر في عدة مسميات، فهي إما ذات مسئولية محدودة أو تضامنية أو توصية بسيطة أو توصية بالأسهم يقتصر الانتفاع منها على أبناء العائلة وحدهم، ولهم السلطة المطلقة في إدارتها.
ولبساطة تأسيس هذه الشركات فهي لن تندثر أو يتوقف تأسيس الجديد منها في مختلف بقاع العالم، فمهما كان حجم التحديات التي تفرضها التحولات الاقتصادية في العالم فإن مثل هذا النوع من الشركات باقٍ ببقاء أشخاص قادرين على تحقيق نجاح تجاري واقتصادي ينتسب لهم، وينتقل بالتوريث لأبنائهم أو أحفادهم.
القبلية سبب الانتشار
قد يبدو تأثير الشركات العائلية في بلد عربي غير واضح مثل وضوح تأثير ونفوذ تلك الشركات في دول الخليج العربي دون استثناء، فالنظام القبلي الغالب في الحياة السياسية والحياة العامة في تلك البلدان انعكس على الاقتصاد، ولا يزال ينعكس، فظهرت -خلال وبعد الطفرة الاقتصادية التي شهدتها المنطقة- شركاتٌ عائلية احتكرت العمل التجاري، وأتاحت لها الحكومات -لأسباب قبلية أيضا- احتكار التمثيل التجاري لشركات ووكالات عالمية ذات شهرة واسعة.
وخلال الثلاثين عاما الماضية نمت بمنطقة الخليج شركات منتسبة إلى عائلات تحصيها أصابع اليد، وجنت أرباحا طائلة -ولا تزال- جراء التمثيل التجاري للماركات العالمية (ملابس، سيارات، وكلاء الخطوط البحرية والجوية، الفنادق)، وبسبب النزعة الاستهلاكية السائدة في البلدان الخليجية وهوس الإقبال على المنتجات العالمية فقد توفرت سيولة هائلة لدى الكثير من العائلات التجارية، مما أعطى بعضها فرصة أن تستثمر في قطاعات أخرى، أهمها القطاع العقاري أو الصناعي، وأضحت بذلك هذه الشركات تسيطر على معظم الأعمال في الاقتصاديات الخليجية.
ومن أشهر الشركات العائلية في السعودية هي مجموعات شركات الجفالي، وعبد اللطيف جميل، والراجحي، والراشد، والزامل، وبن لادن، والشربتلي، وبن محفوظ، والزاهد، وبقشان، والناغي، والجمجوم، والمغربي. أما في الإمارات فهناك مجموعة شركات المسعود، والطاير، والغرير، والسركال، والفطيم، والفهيم، والشعفار. وفي البحرين هناك شركة كانو، والمشعل. أما سلطنة عمان فتوجد بها شركة الغزالي. وفي الكويت توجد شركات السميط، والنقي، والقطامي.
أخطار محدقة
ولأن الشركات العائلية في الخليج حديثة النشأة، فلم يمضِ على أقدمها أربعون أو خمسون عاما، وبفضل النظام العائلي والقبلي السائدين في تلك المجتمعات، فلم تستشعر معظمها خطر التفكك وفرط العقد لصراعات بين الورثة، كما هو الحال في بلدان العالم الأخرى، وبقيت حتى هذه اللحظة قوية متماسكة، تهيمن على الاقتصاد التجاري والعقاري في غالبية الدول الخليجية، كما أنه -للأسباب نفسها- لم تستجب تلك الشركات إلى الدعوات الرائجة حاليا لتحول الشركات العائلية إلى شركات مساهمة عامة، فهل ستستمر تلك الشركات على حالها العائلي؟.
د. "خالد الخزرجي" أستاذ الاقتصاد في جامعة الإمارات ووكيل وزارة العمل الإماراتية يقول: إنه بالرغم من قوة الشركات العائلية في الخليج فإنها متهمة بأنها شركات لا توجد لها منتجات أو علامات تجارية أو براءات اختراع خاصة بها؛ فلا تزال هذه الشركات تلعب دور الوسيط أو الموزع أو الوكيل في ترويج منتجات شركات عالمية، وإذا كان مستقبل الوكالات أو الاحتكارات التجارية مهددا بمبدأ الأسواق المفتوحة وحرية التجارة -بفعل اتفاقية الجات ومنظمة التجارة العالمية- فإن هذه الشركات العائلية مهددة بطبيعة الحال بفقدان مصدر رئيسي لعملها.
ويضيف الخزرجي أن مبدأ التجارة الحرة وفتح الأسواق لن يتماشى مع قانون الوكالات التجارية الذي يغلب عليه الطابع الاحتكاري في دول الخليج، فهذا القانون يُنظر إليه كعائق من العوائق التجارية التي ستأتي الجات لإزالتها، وبالتالي فإلغاؤه سيحرم الشركات المحتكرة -ومعظمها عائلي- في دول الخليج من فرصة تمثيل الشركات الأجنبية، ومن أرباح طائلة تجنيها جراء هذا التمثيل، وحتى إن بقي التمثيل التجاري اختياريا وليس إجباريا في ظل الجات فالخسارة قائمة؛ لأنه سيكون من حق الشركة المنتجة أن تختار من بين أكثر من شركة دون إجبار كما هو الحال الآن، وبالتالي فعلى الشركات العائلية الخليجية التفكير من الآن من منطلق إستراتيجي لضمان استمراريتها.
واقترح أن تسعى تلك الشركات إلى الدخول في شراكة إستراتيجية مع الشركات التي تمثلها، وأن تساهم في تطوير منتجاتها أو فتح أسواق جديدة، كما يجب عليها أن تبدأ بتطوير منتجات علامات تجارية خاصة بها، غير أنه ذهب إلى أن عملية التطوير تلك ليست بالأمر السهل؛ لأنها تحتاج إلى تمويل وكفاءات بشرية ودوائر خاصة للبحث العلمي، وهو مسلك لم تقدم عليه تلك الشركات طوال مدة عملها.
وأكد د. الخزرجي على أهمية تحويل الشركات العائلية إلى مساهمة عامة إذا كانت راغبة في الاستمرار ومواجهة تلك التحديات، بالإضافة إلى التحديات التقليدية المتصلة بتجارب تفكك الشركات العائلية لأسباب تتصل بخلافات الورثة، معتبرا أن التحول صار حتميا في المرحلة الراهنة لحماية الشركات العائلية الكبرى من التآكل أو الانهيار.
ضد المناخ
هذه الدعوة للتحول ليست الوحيدة، كما أنها ليست جديدة لا في الإمارات ولا شقيقاتها من دول الخليج العربي، لكن غالبية هذه الدعوات لم تلقَ آذانا صاغية إلا من عدد قليل من الشركات السعودية، فعلى الرغم من أن جميع دول الخليج لديها الآن أسواق لتداول الأوراق المالية، وبالتالي فالمناخ مهيأ تماما لتحول الشركات العائلية إلى شركات مساهمة، فإن كبريات تلك الشركات في الخليج لم تغرها البورصات ولم تخط خطوة واحدة نحوها.
ففي البحرين التي توصف بأنها المركز المالي والمصرفي الرئيسي في الخليج لا يعدو عدد الشركات التي يجري تداول أسهمها في بورصة المنامة سوى 42 شركة من أصل 400 شركة كبرى مسجلة في البورصة.
أما في السعودية فتشير المعلومات إلى شركة واحدة فقط تحولت إلى شركة مساهمة تداول أسهمها في سوق المال السعودية، وهي مجموعة الزامل التي بدأت عائلية في الثلاثينيات وتحولت إلى شركة مساهمة مقفلة يبلغ رأسمالها 300 مليون ريال (80 مليون دولار) تحت اسم شركة الزامل للاستثمار الصناعي، يساهم مستثمرون من دول الخليج العربية بنسبة 40% في الشركة، لكن الأمر في السعودية يبدو قابلا لمزيد من الانفتاح، على خلفية تسهيلات حكومية من جهة، ورغبة لدى بعض الشركات العائلية من جهة أخرى، بدت هذه الرغبة واضحة في مؤتمر ناقش القضية في مارس عام 2003، واستضافته مجموعة "بن لادن" الشهيرة في المملكة.
لماذا الخوف؟
هذه الحالة المتوجسة من الشركات العائلية في الخليج لها ما يبررها بالنظر إلى طبيعة نشأة هذه الشركات وتاريخها، بالإضافة إلى مخاوف أخرى دواعيها لدى البعض عدم الثقة في تقييم الأصول أو في أسواق الأسهم الخليجية التي ما زالت تحبو.
فقد بدأت معظم الشركات العائلية الخليجية في وقت واحد تقريبا في بداية عقدي الستينيات أو السبعينيات، وبالتالي فمؤسسو هذه الشركات رغم اقترابهم من مرحلة الشيخوخة فإن غالبيتهم ما زالوا ممسكين بمقاليد الأمور في شركاتهم، ومن مات منهم فلم يتسبب موته في تفكك الشركة، لأن الصراعات بين الأبناء لا تكون بذات الوطأة في الجيل الأول التي تكون بها في الأجيال اللاحقة.
كما أن بقاء المؤسسين أو أبنائهم على قيد الحياة يضاعف تلك المخاوف من رفض الشركات أن تكون شركات مساهمة، من منطلق أن ما حققته من نجاحات كان بفضل مجهودات ذاتية مضنية يصعب التفريط فيها بسهولة وتقديمها هبة إلى الآخرين، خصوصا أن هذه الشركات باتت تمثل جزءا أساسيا من الوجاهة الاجتماعية التي تتمتع بها تلك العائلات في المجتمعات الخليجية.
كما أن هناك سببا آخر ربما يخص الشركات الخليجية دون غيرها، حيث إن تحول هذه الشركات إلى شركات مساهمة سيضطر أصحابها إلى كشف حجم ثرواتهم وأسرار أعمالهم أمام الناس، وتوضيح مراكزهم المالية الحقيقية أمام السلطات الحكومية، وهي أمور يخشاها كثير من رجال الأعمال الخليجيين. وهو الأمر الذي يفسر عدم وجود تقدير حقيقي لإجمالي أعمال هذه الشركات في منطقة الخليج.
لا للتحويل
هذه المخاوف يعبر عنها رجل الأعمال الإماراتي "عيسى السركال"، معتبرا أن الحديث عن تحول الشركات العائلية بلا فائدة وغير مجد طالما أنها ناجحة، إذن فلا يوجد ما يستدعي التحول؛ لأنها ليست كالشركات والمؤسسات الحكومية التي تطرح جزءا منها للاكتتاب العام وخصخصتها بعدما تُمنى بخسائر أو تواجهها مشكلات، ويضيف أن من الصعب على ملاك الشركات العائلية التفريط في اسم وتاريخ عائلاتهم، كما أنه لا يوجد قانون أو تشريع يلزم أو يجبر هذه الشركات على التحول، لكن السركال اقترح أن تتحول المؤسسات والشركات العائلية الكبيرة إلى شركات قابضة تضم شركات تابعة لها؛ حتى تتمكن من زيادة رأسمالها، وإضافة أنشطة أخرى تحميها من عواصف التحولات الاقتصادية.
الوقت غير مناسب
ويرجع بعض المتنفذين بالشركات العائلية في بقية الدول الخليجية إحجامَهم عن التحول بشركاتهم إلى شركات مساهمة إلى ضعف أداء البورصات الخليجية بصورة عامة، ومنهم من أجل التفكير في طرح بعض شركاته للتداول في البورصة على خلفية أزمات عانت منها، كما هو الحال في الإمارات التي تعرض فيها سوق الأسهم لأزمة في عام 2000، ومن بين هؤلاء "محمد عبد الجليل الفهيم" الذي يقود مجموعة عائلية تستثمر في العديد من الأنشطة التجارية والخدمية، فقد أحجم "الفهيم" عن مشروع كان قد أعلن عنه لطرح أسهم بعض مشروعاته الفندقية للتداول في البورصة الإماراتية، ويقول: "الوقت الحالي غير مناسب لتحويل الشركات العائلية إلى المساهمة العامة، فلا يعقل إتمام التحول في ظل ظروف سوق أسهم غير مستقرة أو غير مشجعة"، غير أنه أكد أن تحويل الشركات العائلية إلى شركات مساهمة قد يكون أفضل الحلول إذا ما دبت الخلافات بين أصحابها، خاصة بعد وفاة مؤسسها وانتقالها إلى الورثة الذين تختلف اتجاهاتهم وميولهم.
واعتبر أن أهم خطوات نجاح عملية التحويل هي أن يتم تقييم أصول وموجودات الشركات بدقة، بما في ذلك اسم الشركة الذي حقق شهرته من اسم العائلة على مدى سنوات عملها.
إنها تبيض ذهبا
ويضيف د. "محمد شهاب" المستشار الاقتصادي بدائرة التخطيط في "أبو ظبي" أسبابا أخرى لإحجام الشركات العائلية في الخليج عن التحول للمساهمة العامة، فهي شركات قليلة العدد تملكها نخبة أهلتها مكانتها العائلية للحصول على ميزات احتكارية لا يمكن التفريط فيها بسهولة لأناس ليست لهم نفس المكانة العائلية، ويقول: إن العائلات المالكة للشركات الكبرى في الخليج يتركز نشاطها على تمثيل احتكاري للشركات والمصانع الأجنبية العالمية، وأرباحها تأتي في الأساس من عمولة مبيعات هذه الشركات أو المصانع التي تمثلها في داخل الدولة.
ويضيف أن صفة الوكيل العام لشركة أجنبية هي صفة احتكارية بطبيعتها، فلا يستطيع -قانونيا- أي فرد أو كيان اقتصادي آخر المنافسة عليها، وبالتالي فالحديث عن تحويل هذه الشركات العائلية إلى شركات مساهمة لن يكون مقبولا لدى معظمها؛ فليس من المعقول أن تتنازل شركة عائلية عن وضعها الاحتكاري المقنن، ولا عن عائداتها المضمونة لمساهمين من خارج العائلة، وإلا.. فإنها بذلك تتنازل عن الدجاجة التي تبيض لها ذهبا.
مراسل موقع إسلام أون لاين.نت في الإمارات
|