English

 

الخميس. مارس. 18, 2004

نماء » فقه وسعي

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الزكاة وقود مسلمي أوربا *

Image
د.أحمد الراوي

تلعب الزكاة دورًا هامًّا في تنمية وتطوير الأقليات المسلمة في المجتمعات الغربية، حيث تقوم بحفظ التوازن الاجتماعي داخل هذه الأقليات وتضييق الفوارق بين الأغنياء والفقراء.

غير أنه لم تستغل هذه الفريضة الاقتصادية بشكل كامل ومنظم إلى الآن لمواجهة التحديات الاقتصادية التي تواجهها هذه الأقليات، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. فما هو موقع الزكاة من الواقع الاقتصادي لمسلمي أوربا الراهن؟ وكيف يمكن أن تكون ساعدًا أساسيًّا للمسلمين هناك؟

واقع مسلمي أوربا

ينطوي الواقع الاقتصادي لمسلمي أوربا على تحيز واضح لصالح المواطنين ضد الأجانب، فمعظم المسلمين هناك ينتمون إلى فئات ذوي الدخل المحدود والمتوسط، كما أنهم لا يديرون مشروعات ذات صفة مستقلة، حيث يتركز وجودهم في قاع الهرم الاقتصادي وليس في قمته؛ وذلك بسبب أن معظمهم وفدوا كعمال أجانب غير مؤهلين بدرجة مميزة.

وأدى ضعف التأهيل الثقافي والتعليمي، والحواجز اللغوية أحيانًا، إلى انحسار قدرة المسلمين على القيام بمشروعات اقتصادية عملاقة وناجحة في البلدان الأوربية وعلى ضعف قدراتهم التنافسية في اقتصاد السوق، وهذا هو واقع الحال في ألمانيا وفرنسا ودول أخرى أوربية.

ويعود الضعف الاقتصادي الذي يميز الأقلية المسلمة في الدول الأوربية في جزء منه إلى أن معظم الدخول التي يحصل عليها المهاجرون تستنفد لتغطية نفقات الانتقال في بداية الأمر، ثم للإنفاق على المهاجر وذويه في الوطن الأم قبل أن يبدأ في تحسين مستواه الاقتصادي. ويبدأ المهاجر التقليدي في العادة نشاطه الاقتصادي بمشقة دون أن يتمتع بإمكانات وخبرات متراكمة ومتصلة بنظم البلدان الجديدة نظرًا لحداثة عهده بها.

لكن بالمقابل يتمتع الجيلان الثاني والثالث من أبناء المهاجرين المسلمين بفرص أوفر لتحقيق الذات في المضمار الاقتصادي؛ بسبب تلافي عقبات الهجرة والتي دفع الجيل الأول تبعاتها. (لمزيد من التفاصيل حول أوضاع الجاليات المسلمة في أوربا انظر: نبذة تاريخية عن هجرة المسلمين إلى أوربا، شرائح الجالية المسلمة في أوربا الغربية).

الربا والبطالة

ومن القضايا الهامة التي تعيق التقدم الاقتصادي للمسلمين في المجتمعات الغربية، علاوة على ضعف مدخراتهم واستثماراتهم، هي أن معاملات الواقع الاقتصادي في تلك المجتمعات تقوم على الربا وهو ما يمثل عائقًا أمام عدد كبير منهم يتردد في التعامل مع فرص الاقتراض الربوي لتمويل مشروعاتهم المستقلة، بل واحتياجاتهم الأساسية كالمنازل والشقق والسيارات مثلاً.

كما أن قطاعات واسعة من مسلمي أوربا ينأون بأنفسهم بعيداً عن جانب واسع من مجالات العمل والاستثمار؛ بسبب ما يخالطها من محظورات دينية أو شبهات. والدليل على ما يمثله هذا التحدي أمام تكيف المسلمين في الاقتصادات الأوربية أن معظم المسائل المرتبطة بالعمل والاستثمار والمعاملات المالية والمصرفية تعتبر في مقدمة الأسئلة التي يتلقاها أئمة المساجد إلى جانب مسائل الحرام والحلال الأخرى.

بالإضافة إلى ذلك هناك عاملان أأ ثرا وبشكل ملموس في الواقع الاقتصادي للمسلمين هما البطالة والتفرقة في سوق العمل، حيث إن الإقصاء في سوق العمل والتفرقة بين المسلمين متفشية على نطاق واسع؛ إذ تعاني الأقليات وفئات المهاجرين من البطالة أكثر من غيرها، كما أن نصيبها يكون غالبًا في مواقع عمل أقل أمانًا وأدنى أجرًا والبيانات المرصودة من دول الاتحاد الأوربي تبرهن بما لا يدع مجالاً للشك على وجود تفرقة في سوق العمل على خلفية دينية أو عرقية.

فالأقليات من الأتراك المسلمين في ألمانيا، والألبان والتونسيين في إيطاليا، والإيرانيين والعراقيين في فنلندا، والإيرانيين في السويد، والبنغاليين في بريطانيا هم أكثر عرضة للبطالة وبشكل عام، فإن معدل البطالة لدى المهاجرين هو ضعف معدلها لدى المواطنين الأصليين مما يفاقم من سوء الحالة الاقتصادية التي يعاني منها المهاجرون وذويهم بشكل لافت للنظر. (انظر نماذج لمشاكل اقتصادية للجاليات المسلمة في أوربا، الموريسكيون.. عمال الأندلس، مسلمو فرنسا.. شركاء لا أجراء، مسلمو سويسرا.. صمت اقتصادي).

الوعي والزكاة

غير أن تحسين الأوضاع الاقتصادية لمسلمي أوربا لن يتأتى إلا من خلال الاستفادة من الإنفاق الخيري للمسلمين (مثل الزكاة) الذي قد يصل إلى ملايين الدولارات، لا سيما أن مسلمي دول أوربا الغربية وحدهم قد يصل عددهم إلى 15 مليون نسمة (انظر تقديرات رصدها د. أحمد الراوي إحصاءات عن أعداد المسلمين والعرب في أوربا). وهذا الإنفاق الخيري يتركز حاليًا في تعمير المساجد وتسيير شئونها ورعاية الأيتام وتغطية نفقات الإغاثة العاجلة للمنكوبين في البؤر الملتهبة والمتضررة في العالم الإسلامي.

لكن هناك العديد من المصارف الأخرى ذات أهمية بالغة لا تزال متوارية إلى حد كبير، وبعيدة عن سلم الاهتمامات ومنها ضرورة بناء شبكة من مؤسسات الخدمة الاجتماعية والاقتصادية التي تخدم التواجد الإسلامي بتلك الدول، بالإضافة إلى آليات الدعوة المتخصصة والمنابر الإعلامية والمؤسسات التعليمية المختلفة، وغير ذلك من الأنشطة التي تدعم التواجد الإسلامي وتطور من أدائه.

ومن ملامح الإنفاق الخيري لمسلمي أوربا تركزه في شهر رمضان الكريم فقط دون باقي شهور العام ما يجعل الموارد المالية لهذا الإنفاق غير مستقرة إلى الدرجة التي جعلت معظم المساجد تعتمد بصورة كبيرة على تسيير نفقاتها لأشهر متوالية تكاد تغطي معظم السنة على مواردها المالية في شهر رمضان وحده.

وهناك الكثير من الأمور التي يتعين على مسلمي أوربا أن يتفهموها حول الوعي بفريضة زكاة الأموال مقارنة بزكاة الفطر، حيث إن هناك الكثير من الجهد الإرشادي الذي ينبغي بذله لتوعية المسلمين في هذا الإطار.

تطور مصارف الزكاة

لقد اعتبر مسلمو أوربا أنفسهم بداية في رحلة عمل الهدف منها هو تحسين دخولهم ودخول ذويهم ليس إلا، وكانت زكاة أموالهم تذهب إلى ذويهم في البلدان التي هاجروا منها مع مدخراتهم، وكان سلوكهم هذا متوقعًا لعدد من الاعتبارات هي:

-الشعور بالفارق الاقتصادي بين مجتمعات الرفاهية التي انتقل منها المهاجرون المسلمون والأوضاع المعيشية في البلدان النامية التي ينحدرون منها.

-الشعور بالمسئولية الأدبية تجاه الأهالي والمجتمعات التي جاءوا منها، علاوة على محاولة التعبير عن الحنين العاطفي للأوطان.

- الكوارث والنكبات التي شهدها العالم الإسلامي والتي أدت إلى توجيه زكاة أموالهم تجاه البلدان الإسلامية، وقد نشطت في غضون ذلك في البلدان الأوربية الكثير من الجمعيات الخيرية الإسلامية المتخصصة في تقديم المساعدات للمناطق المحتاجة.

وتقوم المساجد بالدور الأكبر في جمع الزكاة والصدقات على مستويات عدة، غير أن ذلك كان على مستوى فردي وليس على مستوى جماعي ومركزي؛ نظراً لعدم وجود جهة رسمية مثلاً ترعى ذلك أسوة بوزارة الأوقاف أو هيئات الزكاة في بعض الدول الإسلامية.

غير أن ذلك لا ينفي وجود بعض المبادرات والمحاولات التي تبذل في هذا الاتجاه، وأن تحقق ذلك مستقبلاً أمر وارد، فالاتحادات والروابط الإسلامية الكبرى في تلك البلدان تضم في عضويتها الكثير من الجمعيات التي لها تجاربها الهامة في هذا الحقل والتي كانت مثمرة بالفعل لدى بعضها.

ومن الملاحظات الهامة أن أبرز الجمعيات الإسلامية أصبح لها نشاط واسع يتخطى حدود الدولة الأوربية إلى آفاق القارة الأوربية أو حتى إلى آفاق عالمية. ومما يلفت الانتباه أن نشاط هذه الجمعيات الخيرية يتركز في الغالب على جمع التبرعات، ولا تشكل البرامج والمشروعات إلا النزر اليسير، وينسجم هذا المعطى مع عوامل عدة أبرزها ارتباط العمل الخيري الإسلامي بالإغاثة العاجلة للمنكوبين ومساعدة المتضررين في المناطق الأشد فقرًا وحاجة حول العالم، والواضح أن الإنفاق الخيري للمسلمين في أوربا ينصرف على هذه البنود. (انظر نبذة عن جمعيات إسلامية في أوربا: المؤسسات الإسلامية على الساحة الأوربية).

تجربة شرق أوربا

غير أن تطورًا هامًّا في أداء تلك الجمعيات على مستوى شرق القارة الأوربية بات واضحًا للغاية، حيث ارتبط عمل الجمعيات الخيرية الإسلامية البارزة بالإنفاق على برامج ومشروعات محلية أكثر من جمع التبرعات من تلك الساحات، ومع تنويع آليات عمل الجمعيات الخيرية الإسلامية بقي للمسجد دوره المركزي في عملية جمع التبرعات في البلدان الأوربية، يضاف إلى ذلك مراكز الكثافة السكانية المسلمة في هذه البلدان كالأسواق والجمعيات والنوادي الاجتماعية، بينما تحاول هذه الجمعيات إبقاء علاقة مباشرة مع المتبرعين عبر المراسلات والإلكترونية لإبقاء صلتها الحية معهم وضمان مواكبتهم لحملاتهم الخيرية.

من هنا أصبح للعمل الخيري في البلدان الأوربية دورًا في تعزيز الوجود الاقتصادي الإسلامي وتنميته وتطويره، حيث تم تسخير الإنفاق الخيري لمسلمي أوربا الموجه نحو ساحتهم الأوربية لمشروعات محلية كالمساجد والمدارس الأوربية بالدرجة الأولى ومدارس أخرى كالمدارس ورياض الأطفال، وقد ارتبط ذلك العمل الخيري بثلاثة أبعاد رئيسية هي:

- ميل معظم المسلمين إلى الإنفاق على هذه المجالات من زكاة أموالهم في كافة أنحاء القارة الأوربية.

-تمثل هذه المجالات أكثر ما يعايشه المسلم في حياته اليومية، خاصة مع الدور المحوري للمسجد والمركز الإسلامي والمؤسسات التعليمية بالنسية للأقليات المسلمة في أوربا.

- لا تتوفر مصادر تمويل محلية رسمية أو أوقاف للمساجد والمراكز الإسلامية والمدارس بالمقارنة بما عليه الحال في هذا الشأن في الدول الإسلامية، ومع إدراك المسلمين في البلدان الأوربية ولهذه الأبعاد أخذ مسلمو أوربا يركزون في مساعيهم على إقامة مساجد بمواصفات أفضل على الرغم من العوائق المادية والقانونية والإدراية التي يواجهونها في هذا الأمر.

الزكاة والمستقبل

يحتاج الوجود الإسلامي في أوربا لدعم وجوده الاقتصادي من أجل تطوير رؤيته وتجاوبه مع الملف الخاص بالزكاة خاصة في المرحلة الراهنة بعد أحداث 11 سبتمبر. فقد باتت هذه الأقليات قلقة من مغبة تضييق فرص حصولها على ما يغطي جانبًا من أعبائها المالية المتزايدة على ضوء فرض المزيد من الضوابط والقيود التي تحد من الحركة المالية بأشكالها البسيطة والبدائية من العالم الإسلامي إلى مسلمي أوربا.

وهو ما يستدعي تضافر جهود المنظمات الإسلامية في أوربا فيما يلي:

1-تطوير آليات تحصيل الزكاة والإنفاق الخيري بصورة عامة، وذلك بطرق أكثر فعالية وجدوى لتكون منتظمة وليست موسمية، فلا يمكن أن تقام مشروعات على تبرعات موسمية أخذًا في الاعتبار خصوصيات الواقع الأوربي والتحديات القانونية.

2- العمل على بلورة رؤية أكثر واقعية للاحتياجات الإسلامية المتزايدة للأقلية المسلمة في أوربا، مع تحديد لسلم الأولويات وترجمة ذلك إلى برامج ومشروعات واضحة وممكنة التطبيق مع توعية الرأي العام المسلم في أوربا بذلك وحشد الموارد اللازمة لصالحها.

3- العمل على تكييف سلوك الإنفاق الخيري الشائع لدى المسلمين في أوربا بما يحقق أقصى جدوى ممكنة والعمل على تحقيق النفع العام بناء على المعطيات آنفة الذكر.


*ملخص لدراسة قدمها الدكتور أحمد الراوي رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية بأوربا تحت عنوان "دور الزكاة وأهميتها في استقرار الوجود الإسلامي وتنميته" أمام المؤتمر العالمي السادس للزكاة في الدوحة في ديسمبر 2003.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم