English

 

السبت. أبريل. 7, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا » أوروبا

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

ساركوزي وسيغولين وبيرو.. انقلاب على التقليدية

إعداد - نادين هاني

Image
فرنسا تستعد لانتخابات رئاسية غير تقليدية
مع اقتراب موعد الانتخابات الفرنسية المزمع إجراؤها في شهر أبريل 2007، بدأت تتضح معالم طريق لمن سيكون رئيس المقبل، حيث تظهر استطلاعات الرأي العام انحصار المنافسة بين نيكولا ساركوزي وسيغولين رويال وفرانسوا بيرو. وتتفاوت أسباب الناخبين في اختيار كل مرشح، بين من يعتقد أن ساركوزي يجدد اليمين الفرنسي، وأن سيغولين ستكون أول امرأة تصل لقصر الإليزيه، وبين من يعتقد أن بيرو يقضي على الاستقطاب الذي تعيشه فرنسا بين اليمين واليسار.

ساركوزي.. انقلاب داخل اليمين

يرى أندريه جلوكسمان في مقاله بجريدة "ليبراسيون" عدد 5 مارس 2007، أن الانتخابات الفرنسية لعام 2007 تحمل مفاجأة، وهي أن أقرب المرشحين بالفوز، ساركوزي وسيغولين، يتمتع كلاهما برفض كل ما هو تقليدي وقديم، وهما قد جعلا الفرنسيين يعيشون لحظات من الحراك الشديد خاصة وأن استطلاعات الرأي لازالت تتأرجح والنتيجة مازالت غير واضحة المعالم.

ويتمثل التغيير في الاتفاق فيما بينهما، كل على طرقته، على نبذ فكرة أن تكون فرنسا ملاذا لكل من يعانون من الأمراض المتفشية في المجتمع من تعصب وأنانية وغيرها. ولذلك نجد أنه رغم عدم وجود أي تشابه بينهما، إلا أن كلاهما يتمتع بالتأييد من قبل قاعدة لها نفس السمة، ترفض عدم الاهتمام بمشكلات المجتمع.

إن كلا من المرشحين الاثنين ربما تنطبق عليهما مقولة ديغول الشهيرة: " إنه يكفى وأن يتحرك شخص واحد في اتجاه مخالف للطرق الرسمية حتى يسير كل الفرنسيين وراءه". ومن هذا المنطلق، فإن فرنسا في احتياج شديد لأن تعمل وتبادر، لأن تجدد وتتجدد. وهذا هو مفتاح النجاح بالنسبة لأي مرشح في الانتخابات الفرنسية.

وفي الواقع، ثمة حرب أفكار تدور في فرنسا، وللغرابة أنها موجودة في اليمين، الذي شهد جدلاً واسعاً بين ساركوزى ودو فيلبان. هذا الجدل له أهمية خاصة بالنسبة لنا، فهو يعكس جلياً الصراع الذي تشهده فرنسا بين رؤيتين غاية في الاختلاف: حراك مقابل اتجاه محافظ.

ويرى جلوكسمان أن المجتمع الفرنسي وجد نفسه في لحظات يحتاج فيها إلى تجديد شامل. وأن ساركوزي استوعب جيداً هذه المشكلة، وهو الوحيد الذي لم يتردد في اتخاذ مواقف سياسية شديدة البعد عن مواقف اليمين. فمثلاً نجده يقوم بمنح المساعدات المالية لبناء المساجد وذلك حتى يجنب المسلمين ـ أصحاب أكبر ثاني ديانة في فرنسا ـ الصلاة في الجراجات أو في أماكن أخرى ممنوحة من بعض المتعصبين من طبقة الأغنياء، حتى وإن كان ذلك بعيداً كل البعد عن مفهوم الدولة العلمانية شديد الترسخ في فرنسا. فقد أخذ ساركوزى موقف المدافع عن حقوق الإنسان وتبنى تبعاً لذلك خطاباً سياسياً مندد لانتهاكات حقوق الإنسان. فهو لم يتردد في التعاطف مع الممرضات البلغاريات المحكوم عليهن بالموت في ليبيا والتنديد بالمذابح التي تشهدها دارفور وشجب اغتيال الصحفيين. بل وأكثر من ذلك لم يتردد في إعلان أسلوب للحكم مختلف كل الاختلاف عن أسلوب شيراك فيقول: "لست أعتقد في هذه السياسة الواقعية التي تجعلني أبتعد عن القيم والمبادئ.. إني بالطبع لا أقبل ما يحدث في الشيشان. الجنرال ديغول قد طلب الحرية لجميع الأمم، ومن الطبيعي أن يكون من حق هؤلاء الشيشانيين التمتع بها.. أنا لا أستطيع أن أسكت على هذه الجرائم وإلا كنت مساندا للديكتاتورية وأنا لا أريد أن أكون كذلك".

ومما لاشك فيه أننا لن نجد أي دولة في العالم تتكلم مطولاَ عن التعذيب أو الإرهاب مثلما تفعل فرنسا، فالانفتاح على العالم واحترام حقوق الإنسان مكتوب بحروف من ذهب في التراث الثقافي الفرنسي ويكفى أن نلقي النظر على كتابات هوجو ومانديل وجوراس لكي نتأكد من ذلك. ولذلك فإن ساركوزي لم يتردد في تبني تلك السياسات لأنها سوف تجد صدا أكيدا لدى الناخب الفرنسي.

ولكن ماذا عن اليسار وما هو ردهم؟ يعتقد اليسار خطأًً أنه لا يمكن هزيمته بل ولا يمكن المساس به. مما لاشك فيه أن هذا الوضع كان صحيحاً حتى عام 1945، حيث امتلك اليسار الشجاعة الكافية لحوض المعارك وصياغة الأفكار الجديدة، الأمر الذي ساعد على نشأة الديمقراطية بطابعها العلماني والاجتماعي المعروف لدينا. ولكن منذ 1945، تغير الوضع رأساً على عقب، فنجد أن اليسار قد فقد كل بريقه مكتفياً بما حققه من قبل ومبتعداً عن الجدل السياسي الدائر حوله. ولذلك وجد اليسار نفسه مهزوم أمام تصريحات ساركوزي المساندة للمقهورين والمدافعة عن المظلومين.

لماذا ينتخبون سيغولين؟

"لأنها امرأة.. يجب أن ننتخب سيغولين". بهذه الجملة بدأت ماري داريوسك مقالها في "ليبراسيون" عدد 5 مارس 2007، إذ ترى أنه من الفخر للحزب الاشتراكي أن يكون أول حزب في فرنسا يقدم "مرشحة" حقيقية في الانتخابات الرئاسية، لأن تغييب هذا البعد يعتبر معيبا في حق هذا البلد.

وتعتقد الكاتبة أن هناك نوع من التمييز ضد سيغولين بوصفها امرأة، فبقية المرشحين يشير إليها بـ "سيغولين"وليس بـ "رويال"، وفي المقابل لا يمكن لبقية المرشحين أن يقال عنهم: انتخبوا "نيكولا" بدلا من "ساركوزي" أو "فرانسوا" بدلا من "بيرو".. إن في ذلك تحقير لسيغولين في الواقع كونها امرأة وحكم مسبق عليها بعدم جدارتها لأن تتولى منصب الرئاسة. وترى الكاتبة أن في ذلك تجاوز على سيغولين وحكم غير عادل ضدها، بل على العكس فهي لا يمكن توجيه اللوم لها مثل عدد آخر من المرشحين يفتقدون الخبرة.

إن سيغولين، كما ترى الكاتبة، اكتسبت الخبرة من جراء ممارستها الطويلة للسياسة وهي سياسية محنكة تستحق رئاسة دولة كفرنسا، وأنه إذا كان لدينا في فرنسا يوماً ما قائدة مثل "جان دارك" انتصرت على الإنجليز في العصور الوسطى، فلم يكن لدينا أبداً "إليزابيث" كما هو في إنجلترا أو "كريستين" كما هو في السويد. ولذلك فإنه ليس من الضروري أن نكون في فرنسا "رواياليين" ولكن الأهم بالنسبة لنا أن لا نكون مساراً للسخرية!

وتؤكد الكاتبة أن اختيار سيغولين ليس كونها امرأة فقط ولا لأنها تمثل اليسار، لكن لأن انتخابها سيكون لحظة تاريخية بالنسبة لفرنسا، بشرط أن نتمكن من الاستفادة منها على أفضل نحو، بقول آخر: "أنا لا أريد أن يعيش أولادي نفس الذكريات التي عشتها والذي عاشتها كل الأجيال السابقة.. إنى كبرت ولم أرى في جهاز التلفاز سوى رجالاً: الرئيس رجل والوزراء رجالاً أيضاً، كما لو أننا في عهد لويس الرابع عشر.. لذلك لم أكن لأحلم بالسلطة لأني امرأة، ولكن هذه الانتخابات بتضمنها سيغولين رويال قد غيرت كل المقاييس، فالآن إذا حلمت ابنتي يوماً أن تكون رئيسةً للدولة وطمحت في ذلك، سوف يكون هذا متاحاً لها كما هو متاح بالمثل لابنى".

بيرو يكسر الانقسام الثنائي

أما الكاتب كريستوف جينستي، فقد دافع في جريدة لوموند عدد 10 مارس 2007 عن مرشح يمين الوسط "فرانسوا بيرو"، مدافعا عنه بمجموعة من الأسباب ومهاجما منافسيه الآخرين.

ومن بين الأسباب التي تجعل الفرنسسين يميلون لبيرو، أن رؤيته السياسية تكسر هذا الانقسام القائم بين يمين ويسار، هذا الاتقسام الذي أضر كثيراً بحياتنا السياسية منذ 1958، بل ومنعنا شيئاً فشيئاً من تحديث وإصلاح البلاد، لأنه جعلنا منحصرين في مشهدين لا ثالث لهما: الرأسماليين الأشرار الذين يريدون امتصاص دماء العمال فى مواجهة الاشتراكين الذين يتمسكون بالعدالة الاجتماعية وإن كانوا فى تمسكهم بها بعيدين كل البعد عن الواقع الاقتصادي الذي نعيشه.

وبالطبع هناك العديد من النقاط التى تجذب الانتباه في الفريقين معاً، وبالتالي سيكون من الأكثر منطقية لو قمنا بتجميع هذه النقاط، بدلا من هذا التعارض الذي نشهده في كل انتخابات بين اليمين واليسار. وفي الحقيقة، نجد أن فرنسا قد عانت ولا تزال تعاني من هذه التفرقة وهذا الانقسام. أما بيرو ليس له أي طابع أيديولوجي بل هو قد جاء فقط، نتيجة الطابع السياسي الذي اتخذته مؤسسات الجمهورية الخامسة فيما يتعلق بالنظام الانتخابي. وهنا تكمن عبقرية فرنسوا بيرو، فهو يريد تجميع كل الفرنسيين فى الوسط داخل إطار ديمقراطية حقيقية، وهذا جرأة كبيرة وتحديث سياسي حقيقي يستحق كل الاحترام والتقدير. وبالتالي يعتقد جينستي أنه بدون أفكار مثل أفكار بيرو، فلا يمكن لنا أن نساهم في تقدم هذه الدولة من دون أن نتخلص من هذه التفرقة العتيقة والعقيمة والتي طالما وقفت عائقاً أمام تقدمنا. حقاً، إن بلادنا تحتاج إلى إصلاحات هامة، إلا أن هذه الإصلاحات لا يمكن أن ترى النور فى مجتمع منقسم إلى شطرين: الشطر الأول يجسد الخير والآخر يجسد الشر.

وأما عن برنامج بيرو السياسي، وخلافا للمرشحين الآخرين، نجده قد وضع فهرس موضوعي واضح الملامح يُمكن كل منا من أن يعرف موقف المرشح فيما يتعلق بالموضوع أو بالقضية التي تهمه. ومما لا شك فيه أن ذلك قد مكن الكثيرين من الحصول على إجابات يحتاجونها في قضايا مثل: النشاط العالمي، والضواحي، والتنمية، وطابع المجتمع، والمؤسسات، ووسائل الإعلام.

وحول ساركوزي، يرى جينستي أن ثمة إيجابيات عديدة في مواقفه واتجاهاته، لكن يعتقد أن هناك عدم ارتياح للطابع اليميني المتطرف الذي يسيطر على حملته الانتخابية خاصة فيما يتعلق بسيطرته على وسائل الإعلام واستخدامه موارد الوزارة التى عهدت إليه فى غايات شخصية. ويقول جينستي: "أشتم من جراء ذلك بعض معالم التوتاليتارية الشمولية. وتظهر تلك المشكلة جلياً في الطريقة التي يعرض بها الموقع الإلكتروني الخاص بحزبه، كل ما يتعلق ببرنامجه ورؤيته ومواقفه، فهي لا تتعدى كونها تجسيد لوسائل الإعلام الجديدة المبنية على أسس وقواعد الدعاية المستعملة قديماً فى وسائل الإعلام، وكأننا أمام جهاز التلفاز الروسي في عهد بريجينيف".

وأما عن سيغولين، يرى الكاتب أنها تدير حملتها الانتخابية بأسلوب راق، وأن الموقع الإلكتروني الخاص بحملة الحزب الاشتراكي جدير بالاحترام. لكن رغم ذلك لا يمكن احتمال انغلاق اليسار على نفسه فى ظل أيديولوجيات قديمة تفتقر إلى الواقعية والتجديد، فهذا الحزب يحتاج إلي إصلاحات جادة بل ويحتاج إلى الاعتراف جهراً بعدم قدرة العديد من أفكاره وأيديولوجياته والتعايش مع الواقع الحالى بطريقة أكثر برجماتية. وهنا فإنه يمكن الإعجاب بنموذج الاشتراكية الواقعية الذي يقدمه دومينيك سيروس، والذي يأخذ في الاعتبار العولمة والنظام الاقتصادى القائم، فهو النموذج الذي يمكن تطبيقه حقيقةً على أرض الواقع، وهذا الأمر هو ما لم تحسب حسابه رويال وحزبها الاشتراكي لأنها لم تأخذ هذه المقاييس في اعتبارها بل عبرت مواقفها عن الأمراض التي يعانيها اليسار من انغلاق وبعد شديد عن الواقع.

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات