|
| أدوات الشاي هي كل رأس مال هذه السيدة |
عندما تسافر إلى
الخرطوم أول ما يلفت انتباهك سيدات يجلسن في
شوارع العاصمة السودانية لبيع الشاي. مهنة
منتشرة في الخرطوم تقوم بها السيدات خاصة
المطلقات والأرامل اللاتي ضاقت بهن سبل العيش.
وفي
بلد مثل السودان تمنع عاداته وتقاليده
والتزامه الديني مثل هذه الأعمال للسيدات،
يتبادر تساؤل عن الأسباب التي دفعت هؤلاء
النساء لمثل هذا المهنة.
يقول
أهل الخرطوم إن النساء الأرامل والمطلقات
يلجأن إلى ذلك هربًا من ظروفهن المعيشية
الصعبة؛ ولذلك تخرج المرأة التي فقدت زوجها
إلى بيع الشاي حتى تستطيع تربية أطفالها
وتعليمهم.
تراها
وقد افترشت الأرض وأمامها ما يسمونه في
السودان "عدة الشاي" التي تتكون من موقد
غاز وإبريق شاي كبير وأكواب وجردل به ماء،
ويلتف حولها الراغبون في تناول الشاي.
يلقى
أولئك النسوة تعاطفًا كبيرًا من الأهالي
نظرًا لظروفهن الصعبة، لكن في الوقت نفسه
يهاجمهن البعض على اعتبار أن الجلسات معهن
تكون فرصة لتناول بعض الشباب للمواد المخدرة
والمسكرة، وتبقى هذه الحالة فردية
واستثنائية.
حاولت
شبكة "إسلام أون لاين.نت" القرب من هذه
الظاهرة رغم حساسية مناقشتها إعلاميًّا،
وتحديدًا الإعلام خارج السودان، خاصة أننا
نناقش موضوعًا يمس سمعة المرأة السودانية في
المقام الأول.
الشاي أنقذني من
التسول
جلست
مع إحدى السيدات بالقرب من أحد المباني
الحكومية، امرأة في الأربعينيات من العمر
بشوشة الوجه استقبلتني برحابة أدهشتني،
وعندما ذكرت لها الموضوع الذي أنا بصدده لم
تتكدر أو تعترض، بل حافظت على بشاشة وجهها
الشيء الذي ينمّ عن طيبة وبساطة أهل السودان..
الخالة "رقية دليل" متزوجة ولها ابن
وأربع بنات، الابن الأكبر متزوج وله أطفال،
والابنة الكبرى أيضًا لها ابنة في الجامعة
وأخرى لم تدخل الجامعة بسبب الظروف المعيشية
الضيقة، والصغرى أيضًا تعمل في بيع الشاي..
زوجها كان يعمل في مصنع للزيوت وتعرض لحادث
سنة 1992، ومنذ ذلك الوقت وهو لا يعمل وهي تتحمل
المسئولية كاملة.
تقول:
أعمل فراشة في مصلحة حكومية براتب 113 ألف جنيه
سوداني (حوالي 45 دولارًا)؛ لذا بعد أن أكمل عمل
النظافة أخرج لبيع الشاي بجانب المصلحة..
وأكسب في اليوم تقريبًا 8 آلاف جنيه سوداني (3
دولارات تقريبًا) وهي قليلة، لكن أحسن من
التسول.
رجال البلدية..
المشكلة الكبرى
وعن
المشاكل التي تواجهها العاملات بهذا العمل
أجمعت كل السيدات على أن مطاردة رجال البلدية
لهن هي المشكلة الكبرى، فـ"سارة إدوارد"
التي تعمل بهذه المهنة منذ 3 سنوات تقول: إن
مشاكلها معهم لا تنتهي، وقد تعرضت الأدوات
التي تستخدمها للمصادرة أكثر من مرة، ولكن
أهل الخير كانوا يساعدونها على شراء أدوات
جديدة.
ونفس
المشكلة أكدت عليها سيدة أخرى تدعى "حواء"
حيث تساءلت: ما البديل إذا لم يتركنا رجال
البلدية نعمل في هدوء؟ وأجابت على نفسها
قائلة: سنضطر أن نلجأ إلى التسول وعندئذ
سيطاردوننا أيضًا.. إذن فليتركونا نعمل وهذا
أفضل من التسول.
أما
"زينب آدم" في الأربعينيات من العمر
مطلقة ولها 5 أطفال مسئولة عن تربيتهم فقد
صرخت بأعلى صوتها "لقد مللنا لعبة القط
والفأر مع البلدية"، مشيرة إلى لجوئها
لدكاكين الجملة التي تجلس بجوارها للتخفي
داخلها عندما يظهر رجال البلدية.
العربات هي الحل
وإذا
كان هذا هو حال معظم بائعي الشاي في السودان
فإن البائعين بمنطقة "الكلاكلة" -إحدى
المناطق الشعبية على أطراف الخرطوم- أسعد
حظًّا، فقد بدأت البلدية توفر لهم عربات لبيع
الشاي بالتقسيط، كما تخصص لتلك العربات
مكانًا وتمنح البائعين تراخيص.
وعن
هذه التجربة تقول كل من "إسراء إبراهيم"
"ومحاسن كمال": نحن سعداء جدًّا بهذه
التجربة التي رحمتنا من مطاردة رجال البلدية،
وجعلت لنا وضعًا قانونيًّا بالشارع.
وتضيف
"فاطمة عبد اللطيف" أنا أسكن في أم
درمان، وأسافر يوميًّا للعمل بمنطقة
الكلاكلة، رغم بُعد المنطقتين عن بعضهما لما
يقرب من مسافة ساعتين بالمواصلات؛ وذلك لأن
المحليات بالكلاكلة توفر العربات، وهي لا
تريد العمل إلا بها؛ لأنها أكثر سترة وأحسن من
الشارع.
محاولات للتجميل..
ولكن
ومن
جانبها أعربت الحكومة السودانية عن عزمها
تعميم تجربة العربات لضمان النظافة والحفاظ
على صورة السيدة نفسها، حيث قالت "سامية
أحمد محمد" وزيرة الرعاية الاجتماعية
السودانية لشبكة "إسلام أون لاين.نت":
نحاول تمكين جميع السيدات من هذه العربات عن
طريق مؤسسة الزكاة، وكذلك الاتحاد العام
للمرأة السودانية حتى نضمن للمرأة احترامها
بالشارع ونظافتها ونظافة الخدمة التي تقدمها
ونعطي للعاصمة وجهًا حضاريًّا.
ولكن
رغم ذلك فإن السؤال الذي يطرح نفسه.. هل هذا كل
ما تريده سيدات السودان؟ أم أن الأمر أعمق من
ذلك، ويتطلب علاجًا جذريًّا للأسباب
الحقيقية التي دفعت هؤلاء السيدات للجوء لهذه
المهنة.
صحفية تتابع شئون السودان
|