|
| هل يدخل أردوغان وزوجته قصر جانكايا؟ |
أصبح من شبه المؤكد أن تشهد تركيا بداية من 17 مايو المقبل، ولأول مرة في تاريخها منذ انهيار الخلافة الإسلامية 1924، تولي رئيسا "إسلاميا سابقا" أو على الأقل "غير علماني". وذلك بحكم أن حزب العدالة والتنمية التركي ذا التوجه الإسلامي بزعامة رجب طيب أردوغان يحظى بـ 354 مقعدا من مقاعد البرلمان الـ 550، ويمتلك الأصوات المطلوبة في جلسة التصويت الأولى على عدد الأصوات المطلوبة لاختيار الرئيس وهي 367 صوتا. وبالتالي لن يأتي رئيس جديد للجمهورية التركية دون موافقة هذا الحزب، بل هناك شبه توافق على أن الرئيس المقبل سيكون من حزب العدالة، سواء كان أردوغان أو غيره نمثل عبد الله جول وزير الخارجية والرجل القوي في الحزب.
صحيح أن الأحزاب التركية والقوى العلمانية والجيش كلها تحارب في اتجاه رفض ترشيح أردوغان للرئاسة باعتبار أنه إسلامي سابق، وله سجل في هذا الصدد كأشعار تنتقد العلمانية، وسجن بسبب ذلك أربعة أشهر، بدعوى أنه سوف ينهي علمانية تركيا وينهي الفصل الجاري حاليا بين الدين والدولة، لكن من الصحيح أيضا أن حزب العدالة قادر على حسم مسألة اختيار أحد زعمائه للرئاسة في مرحلة التصويت الثانية أو الثالثة في البرلمان.
ومع هذا فقد ظهر أخيرا توجه لدى حزب العدالة بالقيام بحوارات مع بعض الأحزاب الصغرى والكبرى في البرلمان؛ للاتفاق على شخص الرئيس الجديد لضرب عصفورين بحجر واحد، الأول هو السعي للالتفاف على حملة النقد الشرسة التي يقوم بها الجيش والعلمانيون من أنصار "جمعية أتاتورك" بالتشاور مع أحزاب أخرى، وعدم الانفراد بقرار ترشيح رئيس جديد، والثاني محاولة البعد عن إثارة أزمات سياسية قد تفتعلها المعارضة ضد الرئيس المقبل (المرجح أنه أردوغان) وحسم التصويت له في البرلمان من الجولة الأولى لا الثانية خصوصا أن المعارضة تسعى لإثارة جدل حول قانونية التصويت بهدف الذهاب إلى محكمة الدستور لإلغاء الانتخابات مستقبلا.
خطب ود العلمانية
ولأن انتخابات الرئاسة التركية تعتبر الخط الأخير في حصن العلمانية التركية الذي يخشى العسكريون أن يخترقه إسلاميو حزب العدالة ولو برفعهم شعار المحافظة على العلمانية -باعتبار أن الرئيس له سلطات كثيرة منها تعيين قادة الجيش وكبار القضاة الذين يشكلون كبار العلمانيين الأتراك– بعدما استولوا على منصب رئيس الوزراء، فقد جاء تعامل قادة "العدالة" مع هذا الأمر بذكاء بالغ، وصل حد تأكيد أردوغان التزامه بالنظام العلماني في البلاد.
فقد أدى صمت أردوغان عن إعلان قبوله الترشح للرئاسة، وتأجيل إعلان اسم مرشح الحزب الحاكم (العدالة) لرواج توقعات أن يتم استبدال أردوغان بعبد الله جول أو شخصية أخرى في الحزب في منصب الرئاسة؛ لعدم إغضاب الجيش أو المؤسسة العلمانية عموما في البلاد، خصوصا أن العلمانيين نجحوا في إثارة جدال كبير وتسيير مظاهرة ضده ضمت عشرات الآلاف، بيد أن صدور تصريحات منه قبل يوم واحد من فتح باب الترشيح يؤيد فيها العلمانية، رجحت مرة أخرى أن يكون هو المرشح لمنصب الرئيس!
وقد قلّل أردوغان من تحذيرات العلمانيين المتخوفين من ترشحه للرئاسة، قائلا: "الديمقراطية والعلمانية ودولة سيادة القانون هي المبادئ الرئيسية للجمهورية، وإذا أزيلت إحداها ستنهار البنية". وشدد على أن: "الحكومة ملزمة بحماية النظام الدستوري للبلاد وهي مصممة على ذلك"، في إشارة لالتزامه بالنظام العلماني في البلاد.
ومن الواضح أن أردوغان سعى بذلك لخطب ود العلمانية لتفويت الفرصة على كبار العلمانيين للمتاجرة بها، والتحريض على تدخل الجيش الذي نجح أردوغان في تكبيل يديه نسبيا عبر سلسلة قوانين شعارها أن تواكب تركيا المعايير الأوروبية للانضمام للاتحاد الأوروبي، خصوصا أن الاتحاد الأوروبي امتدح خطط العدالة لهذا التحول، وقال: "إن السرعة التي ستنفذ بها تركيا عملية الإصلاح ستحدد وقت الموافقة على انضمامها إلى الاتحاد".
فالشعار الذي رفعه حزب العدالة وحجم بموجبه سلطات الجيش كثيرا هو –كما أعلن وزير الخارجية التركية عبد الله جول- أن "تركيا ملتزمة بإجراء عملية تحول لاستيفاء شروط الانضمام للاتحاد الأوروبي". وبموجب هذا الشعار جرى استخدام ورقة الاتحاد الأوروبي-والمعايير المطلوبة كشرط للانضمام لعضويته- سندا يؤمن لحزب العدالة إحداث التغييرات التدريجية في هيكل المجتمع التركي دون أن يتصدى لها الجيش كالمعتاد.
وهكذا يظهر أردوغان وحزبه كمن يخطب ود العلمانية –لاحظ أنه قدم خيار "الديمقراطية" عليها في تصريحه الأخير– ويقدم فروض الولاء لها ويقبل بشروط الجيش، بهدف واضح هو امتصاص ردود الأفعال المناهضة، خصوصا بعدما حذر الرئيس التركي أحمد نجدت سيزار من أن النظام العلماني في البلاد يتعرض "لتهديد لا سابق له" من قوى خارجية وداخلية ترغب في إضعاف الجيش الذي يتمسك بالعلمانية، في إشارة واضحة إلى طيب أردوغان، وشدد رئيس أركان الجيش التركي الجنرال يشار بويوكانيت على ضرورة التزام الرئيس المقبل مبادئ العلمانية.
أمريكا تساند "العدالة"
ويبدو أن السلاح الذي يرفعه قادة حزب العدالة ممن يمكن تسميتهم "تيار الإسلاميين الجدد" في المرحلة المقبلة –بخلاف التيار الإسلامي التقليدي في حزب الرفاه الإسلامي– هو "التغيير بالديمقراطية ومبادئ العلمانية نفسها، وهي شروط الاتحاد الأوروبي، وذلك عبر التركيز على حرية العقيدة مثلا التي يمكن من خلالها تخفيف قبضة الجيش على المؤسسات الدينية وعلى حرية لبس الحجاب.
ومع أن العدالة نجح نسبيا في فتح النقاش حول هذه القضية (الحجاب)، فلا يزال قادة الجيش والقضاة والرئيس الحالي يحذرون من اختراق هذه الرموز، حتى أن الرئيس سيزار الذي تنتهي ولايته الشهر المقبل قال أمام الأكاديمية العسكرية في إسطنبول: إن "النظام السياسي التركي يواجه اليوم تهديداً لا سابق له منذ تأسيس الجمهورية" عام 1923، وأشار لازدياد المعارضة لحظر الحجاب في المكاتب العامة والجامعة و"الجهود لإدخال" خريجي الجامعات الدينية "في الدولة على كل المستويات"ـ فضلا عن أن "إقحام الدين في السياسة بما يزيد التوترات الاجتماعية".
وما يزيد غضب العلمانيين أكثر أن "قوى أجنبية" – كما أسماها سيزار في إشارة إلى الولايات المتحدة- ترغب في تحويل تركيا لـ "جمهورية إسلامية معتدلة" تحت ستار تشجيع الديمقراطية، خصوصا منذ طرح واشنطن فكرة النموذج التركي الأمثل (الذي يجمع بين الإسلام والعلمانية والديمقراطية) كنموذج للعلاقة بين الإسلام والمجتمع مناسبا للإصلاح في العالم العربي والمنطقة، حيث يرى العلمانيون أن هذا النموذج التركي قد يكون مفيدا للدول الإسلامية، و"لكن بالنسبة إلى الجمهورية التركية، فهو نموذج رجعي.. ذلك أن الإسلام المعتدل سيتحول إسلاما متشدداً" حسبما يقول سيزار.
ولعل هذه –بجانب قيود الانضمام للاتحاد الأوروبي وتصاعد حالة التدين عموما في الشارع التركي– سلاسل تكبل قيادة الجيش التركي وتمنعه عن القيام بأي انقلابات على غرار ما حدث في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، باعتبار أن الجيش هو "حامي الجمهورية العلمانية وضامنها".
الحجاب يغزو "جانكايا"
والطريف أن متابعة أزمة رئاسة الجمهورية التركية هذه المرة والاعتراض على أن يصبح أردوغان رئيسا للجمهورية، كشفت عن حالة رعب لدى أنصار العلمانية الأتاتوركية من "الرموز الإسلامية" بأكثر مما كشفت عن الرعب من الأشخاص، فالاعتراض على انتخاب أردوغان جاء –حسبما قال العديد من العلمانيين– خشية أن تصبح زوجته أول سيدة أولى في البلاد ترتدي الحجاب، وأن يغزو الحجاب قصر الرئاسة (جانكايا).
فقد أثيرت أزمة عام 2002 بشأن حجاب زوجة رئيس الوزراء القادمة عندما تولى أردوغان رئاسة الوزراء، وأصبح هذا الشغل الشاغل لصحف وقادة تركيا، وبسببه وقعت أزمات في شأن استضافة زوجات قادة الحزب المحجبات لقصر الرئاسة، فقبل ذلك تجرأت زوجة أربكان على حضور لقاء رسمي بالحجاب انتهى بأزمة مع الجيش، ولكن مع تزايد أعداد زوجات وزراء وقادة العدالة أصبح هناك تساهل نسبي في هذا الأمر، ولكنه لا زال يزعج المؤسسة العلمانية باعتباره رمزا إسلاميا يناهض العلمانية.
وبرغم أن غالبية الشعب التركي الساحقة مسلمة، فإن ارتداء الحجاب يعتبر في هذا البلد –من قبل الجيش والعلمانيين- بمثابة إعلان دعم للأصولية الإسلامية المخالفة للنظام العلماني المطبق في تركيا؛ ولهذا ظهر الجدال مع توالي حضور زوجة رئيس الوزراء الحفلات الرسمية بالحجاب، ومع دخول (إيمين) زوجة أردوغان أو غيرها من زوجات قادة العدالة المحجبات لقصر الرئاسة، فذلك سيعد كارثة أخرى للعلمانيين.
وهناك تفسير آخر أوردته "نوراي ميرت" من صحيفة "راديكال" التقدمية للخوف من الحجاب، حيث اعتبرت أن هذا الجدل يقوم برمته على "مشكلة نفسية"، وزعمت أن "معظم الذين يعارضون الحجاب لا يفعلون ذلك على اعتبار أنه مضاد للعلمانية، بل لأنه يسيء إلى جهودنا من أجل الظهور في مظهر غربي، وعلاجا لعقدة النقص المزمنة التي نعاني منها حيال الغرب".
فهل يدخل قصر الرئاسة (جناكايا) الحجاب ليقضي على البقية الباقية من اعتراضات العلمانيين، ويؤدي لاختراق المؤسسة العلمانية في أحد أكبر جناحيها بعد الجيش، وهو مؤسسة الرئاسة؟ وهل هذا مؤشر آخر على انهيار قلاع العلمانية العتيدة في تركيا لصالح الإسلاميين الجدد؟!
المحلل السياسي بشبكة إسلام أون لاين.نت
|