English

 

الثلاثاء. أكتوبر. 17, 2006

نماء » مشروعات وتجارب

 
   
روابط من إسلام أون لاين

جرامين.. معركة مع الفقر عمرها 30 عاما

مجدي علي سعيد

Image

في صباح الثالث عشر من أكتوبر عام 2006 أعلنت لجنة نوبل منح كل من بنك جرامين ومؤسسه البروفيسور محمد يونس جائزة نوبل للسلام نظير جهودهما في خلق تنمية اقتصادية واجتماعية من أسفل، وكما عبرت اللجنة: "فلا سلام دائم دون أن يجد الناس سبيلا لكسر طوق الفقر، والقروض المتناهية الصغر هي إحدى تلك السبل، كما أن التنمية من أسفل تؤدي لتحقيق التقدم على طريق الديمقراطية وحقوق الإنسان".. وبتلك الجائزة توج الرجل والبنك كفاح 30 عاما في سبيل تخفيف حدة الفقر.. وهو الكفاح الذي امتزجت فيه حياة الرجل بحياة البنك، وقد حرص البروفيسور محمد يونس استعدادا لتلك اللحظة على أن يرسم ملامح البنك في اللحظة الحاضرة في عدد من الكتابات التوثيقية الصادرة في أغسطس من هذا العام 2006.

خدمة الفقير حيا وميتا

وإذا أردنا تتبع هذه الملامح، فإن الملمح الأساسي الواضح في سياسة البنك أنه يحاول مساعدة الفقير دون أن يغفل إنسانيته، والغريب أن ذلك يكون في حياته وعند مماته أيضا.

فالفقراء المقترضون وعددهم 6.61 ملايين مقترض؛ 97% منهم من النساء، يمتلكون 94% من أسهمه، ولا يطلب منهم البنك أي ضمانات إضافية نظير هذه القروض، ولا يطلب توقيع أي حجج قانونية؛ لأنه لا يتمنى أن يساق أيا منهم إلى المحكمة في حالة عدم السداد، ورغم ذلك فقد بلغت نسبة سداد القروض 98.85%؛ حيث بلغ إجمالي القروض التي وزعها البنك منذ إنشائه 290.03 بليون تكا (5.72 بلايين دولار) تم رد 258.16 بليون تكا منها (5.07 بلايين دولار).

كما تم تأسيس برنامج صندوق معاشات للمقترضين، يطلب فيه من المقترض أن يودع مبلغا بسيطا شهريا (50 تكا شهريا) على مدى 10 سنوات، يحصل بعدها المقترض على ضعف المبلغ الذي أودعه، وقد وصل بنهاية أغسطس 2006 الرصيد المخصص في هذا الصندوق إلى 10.68 بلايين تكا (172.72 مليون دولار).

ويضع البنك احتمالات وفاة المقترض في حساباته، ولذلك تم إنشاء صندوق تأمين القروض الذي يتولى مسئولية السداد، وتم تكوينه من فوائد صندوق المدخرات التي تم إيداعها من قبل المقترضين لصالح برنامج تأمين القروض، وقد امتد غطاء الصندوق إلى حالات وفاة الزوج، وبلغ إجمالي الإيداعات في هذا الصندوق 3.486.37 ملايين تكا (50.06 مليون دولار) في نهاية أغسطس 2006، وقد استفاد منه 48.004 مقترض أو زوج توفي، تم سداد 343.62 مليون تكا (5.54 ملايين دولار) قروض مستحقة عليهم، ومن ثم فلا تتحمل أسر المقترض المتوفى أو زوجه المشترك في الصندوق سداد أية ديون أو أعباء عليه؛ لأنه يتم سدادها من ذلك الصندوق.

هذا بالإضافة إلى برنامج التأمين على حياة المقترض، فكل عام تتسلم أسر المقترضين المتوفين من 8-10 ملايين تكا من البنك كمستحقات التأمين على حياة المقترض، حيث تتسلم كل أسرة منهم 1500 تكا، وقد توفي 86.741 مقترض حتى الآن، واستفادت أسرهم بمبالغ تأمين إجمالية بلغت 166.90 مليون تكا (3.67 ملايين دولار)، ولا يطلب من المقترضين في أثناء حياتهم دفع أية مبالغ للحصول على هذا التأمين، إنما يحصلون عليه بمجرد كونهم من مالكي أسهم البنك.

تربية سياسية واجتماعية أيضا

ولا تتوقف برامج بنك جرامين عند هذا المدى؛ بل تلعب دورا في التربية السياسية والاجتماعية للمقترضين، فنظام البنك نفسه يربي المقترضين سياسيا ويجعلهم يألفون النظام الانتخابي؛ فهم ينتخبون رؤساء المجموعات والمراكز وسكرتيريها كل عام، وينتخبون أعضاء مجلس إدارة البنك كل ثلاث سنوات، وقد جعلهم ذلك أكثر قدرة على التعامل مع الشأن العام، ومن ثم يرشحون وينتخبون كأعضاء في المجالس المحلية؛ ففي عام 2003 شارك 7.442 من الأعضاء كمرشحين تم انتخاب 3.059 منهم كأعضاء في المجالس المحلية بنسبة تصل إلى 24% من إجمالي الأعضاء الذين يشغلون المقاعد المخصصة للنساء (كان العدد في انتخابات 1997 قد وصل إلى 1.753 عضو).

أما عن التربية الاجتماعية فيقوم بها البنك من خلال توفير منح دراسية لأكثر أبناء المقترضين تفوقا مع إعطاء أولوية للبنات؛ لتشجيعهم على الاستمرار في دراستهم، وبلغ إجمالي ما أنفق على تلك المنح حتى أغسطس 2006 مبلغ 390 ألف دولار، استفاد منها 31.164 طفلا.

كما يمنح الطلاب الذين اجتازوا المرحلة الثالثة من التعليم قروضا لاستكمال تعليمهم الجامعي بحيث تغطي المصروفات الدراسية والإعاشة والمصروفات الأخرى، وقد استفاد منها 11.128 طالبا حتى أغسطس 2006.

تجربة رائدة مع المتسولين

وللبنك دور هام في علاج القضايا التي تهم المجتمع، ويظهر ذلك في البرنامج الذي أعده لمكافحة ظاهرة التسول والمسمى ببرنامج الأعضاء المكافحين، والذي التحق به 81 ألف متسول، حصلوا على قروض من البنك بلغت 68.44 مليون تكا، سدد منها حتى الآن 41.22 مليون تكا، ومن أهم خصائص هذا البرنامج أن قروضه معفاة من الفوائد، وعلى مدد طويلة حتى تقل أقساط السداد، والمقترضون منهم يتم تغطيتهم بنظام لتأمين الحياة وتأمين القروض دون أن يتحملوا أي مصاريف إضافية، ويعطى كل فرد منهم بطاقة هوية من جرامين تجعل كل إنسان يعرف أنهم أعضاء في البنك، وأنه يقف من ورائهم، ولا يطلب من الأعضاء التوقف عن التسول، بل إنه هو الذي سيتخذ القرار عندما يساعده القرض على إنشاء مشروع صغير يدر عليه دخلا يساعده على أن يعيش حياة كريمة، ويعلم أولاده، ويصير شيئا فشيئا عضوا منتظما في بنك جرامين.

جرامين عنوانا للنجاح

ومع كل هذه البرامج فقد استطاع بنك جرامين تحقيق عدة إنجازات حتى صار اسمه عنوانا للنجاح ومنها تحقيقه لأرباح منذ تأسيسه، باستثناء أعوام: 1983، 1991، 1992، وبلغ إجمالي أرباح البنك خلال عام 2005 حوالي 7.39 بلايين تكا (112.40 مليون دولار)، وإجمالي الإنفاقات 6.39 بلايين تكا (97.17 مليون دولار)، وبلغ صافي الأرباح ألف مليون تكا (15.21 مليون دولار)، وذلك رغم أن فوائد بنك جرامين هي الأدنى في بنجلاديش؛ حيث تصل إلى 10% على قروض المشروعات المدرة للدخل (100 تكا على قرض يصل 1000 تكا طوال العام)، و8% على قروض الإسكان، و5% على قروض الطلاب، و0% على قروض الأعضاء المكافحين (المتسولين سابقا).

وكان من نتيجة برامج البنك أن أظهرت أحدث المسوح الداخلية أن 58% من أسر مقترضي البنك قد نجحت في تخطي خط الفقر، بينما تتحسن أحوال النسبة الباقية بشكل مضطرد، وهي في سبيلها إلى تجاوز ذلك الخط.

كما نجح البنك في وضع سياسات جديدة لم يسبق تطبيقها في العمل المصرفي؛ كسياسته في تقييم فروعه وموظفيه

بإعطاء رموز ملونة للفروع والموظفين المتميزين في أعمال محددة وفقا لمقياس رقمي للإنجاز من 100 درجة، وقد حصل 1246 فرعا على النجمة الخضراء لتحقيقه 100% في نسبة سداد القروض، وحصل 1431 آخرون على النجمة الزرقاء لتحقيقهم أعلى أرباح، بينما حصل 1179 فرعا على النجمة البنفسجية لقدرتها على توفير كل تمويلها من دخلها وإيداعاتها الخاصة، وتقدم 308 فروع بطلب الحصول على النجمة البنية لتمكنهم من تعليم 100% من أبناء أسر المقترضين من البنك، وتقدم 45 آخرون بطلب الحصول على النجمة الحمراء؛ لأن كل أعضائه قد جاوزوا خط الفقر، وسوف يتم منحهم تلك النجوم بعد الفحص والتأكد من إنجازهم.

وأقر البنك سياسة رائدة لفتح الفروع الجديدة تقوم على أن يمول الفرع نفسه من الإيداعات التي يحصل عليها، ولا يحصل الفرع على أي تمويل من المكتب الرئيسي أو من أي فرع آخر، وينتظر من كل فرع جديد أن يحقق التدفق المالي خلال عام من تشغيله.

تجربة اجتماعية في ثوب اقتصادي

هذه هي الملامح العامة لجرامين الحاضر، تجربة تنظر للإنسان الفقير كإنسان كامل الأهلية، يستطيع أن يكافح ليخرج من دائرة الفقر بكده وعرقه، وتتعامل معه بإنسانية وتسعى لتنميته وتحسين إمكاناته وقدراته ونوعية حياته سعيا لإخراجه من دائرة الفقر من خلال مسيرة كفاح طويلة يشارك فيها برأيه وجهده، بل وماله.

وهي تجربة تعود منافعها ليس فقط على أعضائها بل على مجمل الاقتصاد والمجتمع البنغالي، كما هي في نفس الوقت "مدرسة" تتعلم منها الإنسانية، لذلك استحقت النجاح الذي منحها 7 جوائز محلية وعالمية سابقة، ومنح صاحبها 60 جائزة محلية وعالمية، إضافة إلى 27 دكتوراة فخرية، و15 تكريما خاصا من بلدان العالم المختلفة قبل أن يتوج ذلك بجائزة نوبل.


كاتب وخبير متخصص بالقضايا التنموية بالعالم العربي.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم