|
| يهود فرنسا يفضلون ساركوزي رئيسا |
للمرة الأولى في تاريخ الانتخابات الرئاسية يكون مرشح اليمين المنحدر من التراث الديغولي – وإن كان يرغب في إنجاز القطيعة مع هذا الذي يسميه ماضيا – أكثر التصاقا بإسرائيل من مرشح الحزب الاشتراكي الفرنسي، سليل الأممية الثانية التي احتضنت تاريخيا الحركة الصهيونية، يحار من يجاهر من المثقفين الفرنسيين بصهيونيته وبعلاقته الوطيدة مع إسرائيل، يحار في «القدم التي سيرقص عليها» كما يقول التعبير الفرنسي؛ فتلك فئة كانت على الدوام تدعم المرشح الاشتراكي، بل كانت وما زالت تكتظ بها صفوف الحزب الاشتراكي الأمامية، لكن السيد ساركوزي يجعل من علاقته بإسرائيل أحد أبرز دعامات موقفه، وقد بادر إلى زيارة تل أبيب بعد ساعات من انتخابه رئيسا لحزبه منذ عام ونيف كأول نشاط يقوم به، في حركة رمزية أرادها واضحة المعنى. وقبل ذلك وبعده لم يتوقف الرجل عن تعزيز هذا الملمح بقوة وفي كل مناسبة وتصريح.
إلا أن جدّة أخرى تلازم سابقتها هي تغليب السياسة على الأيديولوجيا كأساس لهذا الانحياز؛ فالسيد ساركوزي يهتم بإسرائيل كقوة سياسية، ولا تخصه كثيرا الجوانب الفكرية للحركة الصهيونية، وهي الجوانب التي استقطبت تقليديا انتباه الغربيين، سياسيين ومثقفين، ووفرت أساسا «لائقا» لتعاطفهم العلني مع إسرائيل.
ويُفترض بمن يواكب الانتخابات الرئاسية الفرنسية من المهتمين العرب بها، الالتفات إلى هذه الملامح والسعي إلى استنطاقها وربطها بسواها، عوضا عن التركيز على «تفسير» بدائي لا صلة له بشيء (يدعي أن أحد أسلاف السيد ساركوزي يهودي!) وبعضهم يسترسل في المبالغة في «وجدتُها» تلك، فيقول: "إن الرجل هو نفسه يهودي"، أو إنها والدته، ويضيف متعالما إن من المعروف أن الأم هي من «تنقل» هذا الانتماء إلى أبنائها وليس الأب؛ فانحياز السيد ساركوزي إلى إسرائيل جزء من مقاربة شاملة للعالم يتبناها الرجل، وجهها الآخر أطلسيته الفجة التي لا يتردد في الإعلان عنها بل التفاخر بها. وهذه أيضا خاصية جديدة، ما لا يعني بالطبع أن أحدا لم يسبقه إليها، وإنما هي تشكل قطيعة حقيقية مع تراث سياسي وفكري فرنسي شديد الانتشار والرسوخ، يعتبر أن لفرنسا دورا مميزا في العالم بحكم امتلاكها لثروة «غير مادية» هي عظمة إسهامها في التراث الإنساني، ويضيف عليه التركيز على مكانتها في محورين هما أوروبا والمتوسط، يشكلان بيئة تكوينها كأمة، بينما يريد السيد ساركوزي الانتهاء من هذه العوائق، كما يعتبرها، والتي تحول دون الالتحاق بالمعسكر المظفّر الذي تقوده الولايات المتحدة، حيث يعتبر أن مكانة فرنسا ستجد موضعها الملائم.
ساركوزي نموذج لحالة أمريكية حاضرة
في هذا المعنى، هو يطرح نفسه كحداثي في وجه المتمسكين بتراث مُفوّت، والحق أنه نموذج مطبق لحالة أمريكية حاضرة بقوة تمزج بين ليبرالية جديدة ومحافظة جديدة، إلا أنها تقع على بيئة لا تبدو بعد جاهزة لاستقبالها، بل ما زالت تؤكد نفسها كنقيض لقيمها.
ولقياس مبلغ غربة ساركوزي عن الروح الفرنسية كما هي قائمة منذ قرون، فهو يعتبر أن السوق تنظم نفسها من دون حاجة إلى وسيط آخر، وبالتحديد الدولة التي يراها جهاز سياسة وأمن ليس إلا، ويخالف ساركوزي بذلك ما يمكن اعتباره روح فرنسا وسمة شخصيتها العامة، أي الميل العام الشديد الرسوخ والانتشار، بغض النظر عن الانقسامات السياسية، إلى وضع الدولة في قلب العملية الاجتماعية كضابط وحكم، وهو ما يرافقه نزوع إلى المساواة والعدالة، يعبر عنه الشعار الرسمي «حرية، مساواة، أخوة»، المستند إلى اعتزاز بالأمة التي وضعت أول إعلان لحقوق الإنسان يبدأ بأن البشر يولدون أحرارا ومتساوين في الحقوق. ولهذه الاعتبارات قيمة عليا، بمعنى أنها تمثل تصور الفرنسيين عن أنفسهم، وذلك بغض النظر عن حيثيات وتفاصيل ما هو قائم في الواقع، وبالمناسبة لا تقوم أمة من دون مثل هذا التصور القوي عن الذات، بمعنى أنه ليس نفلا أو ذا وظيفة لفظية وتنميقية؛ فحتى الولايات المتحدة البرجماتية تعتز بكونها خلاصة «الميلتنغ بوت» (البوتقة)، وموئل الفرص الدائمة، أو ما يقال له «الحلم الأمريكي».
منظومة ساركوزي الكلية
وتتصل بهذه المواقف المستجدة على مشهد المعارك السياسية الفرنسية سمات أخرى تنتمي إلى ميادين مختلفة، كالصلة بالقضاء وبالإعلام وبالتعليم وبالأفكار العنصرية، أو تلك التي ترد بعض السلوكيات إلى الوراثة أو التركيب الجيني فتدعي لنفسها أساسا علميا، آخر تصريحات السيد ساركوزي منذ أيام كان نسبته الميول الانتحارية أو تلك المتعلقة بالاعتداء الجنسي على الأطفال إلى موروث جيني، ما أقام عالم الباحثين وكبار العلماء الفرنسيين ولم يقعده بعد، وقد ربطوا في ردهم على تلك التصريحات بين الاعتداد بجبرية في هذا المجال -وهي نظرية قوية في الولايات المتحدة إلا أن أساسها أيديولوجي أكثر منه علمي وهو يصل سريعا إلى أشكال مختلفة من العنصرية– وبين رفض الرجل للمجتمع بشكل عام، المتجسد في هذا المجال برفض اعتبار المؤثرات الاجتماعية وشروط الحياة كعنصر حاسم في السلوكيات، بما فيها تلك الإجرامية.
وقبلها بأيام اصطدم ساركوزي بالإعلاميين في القناة العامة الثالثة لأنهم لم يلبوا بالسرعة المطلوبة طلباته، فهددهم قائلا إنه سيطردهم جميعا حين «يصل»، وذلك أيضا -علاوة على طابعه البلطجي- مس بمقدس في فرنسا، هو ثبات العمل والفصل بين السلطات، وهو تدخل في القضاء إلى حد دفع نقابات القضاة إلى طلب تدخل الرئيس شيراك وإلى إخراج الوقائع إلى العلن، وتكرر الأمر فيما يخص مفهومه عن التعليم والمدرسة ودور الأهل في التربية وما يسميه حقهم في اختيار المدارس العامة التي يسجلون فيها أبناءهم، ما يدخل فرزا طبقيا وإثنيا حادا على ما اعتبرته فرنسا طويلا المصهر الجمهوري.
تشكل كل هذه الحوادث وما يرافقها من مواقف غير متوارية -يقول الرجل إنه يتحمل تماما مسئوليتها والدلالات التي تعنيها- منظومة كلية مترابطة، ليست أهميتها في التندر أو الخوف مما يمثل بخصائصه الشخصية التي يضاعف من أثرها طباعه الميالة إلى النزق والعدوانية والاستعراضية، بل أهميتها فيما هي تجسيد لانبثاق وجهة أخرى، خيار آخر ينهي فرنسا التي نعرفها، بعجرها وبجرها، ويطمح إلى تغييرها جذريا، لتشبه قدر الإمكان مثاله الأمريكي الأعلى؛ فهل يمرر الفرنسيون هذا الخيار؟ وهل يتمكن هو أن ينفذه إذا ما فاز؟ إن التوتر غير المسبوق المرافق للانتخابات الرئاسية الفرنسية الوشيكة مرتبط ولا شك بهذه الأبعاد.
كاتبة ومحللة سياسية، قيادية في الحركة العالمية لمناهضة العولمة والحرب.
*مقال نشر بجريدة الحياة يوم 14 أبريل 2007 تحت عنوان: "بعض مستجدات المشهد السياسي الفرنسي: حالة ساركوزي نموذجاً".
|