|
كأن أمريكا قد قررت ركوب الصعب سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا بعد العمليات التفجيرية التي تعرضت لها، فهي تسعى إلى إقناع أو ربما إجبار جميع دول العالم للتحالف معها في حربها ضد ما أسمته الإرهاب، رغم صعوبة ذلك، كما أنها تسعى إلى القضاء على "الإرهاب" من خلال قتال دولة أو عدد من الدول بها حوالي مائة فرد متهمين في هذه العمليات الإرهابية رغم صعوبة ذلك أيضاً.
أما محاربتها الإرهاب اقتصاديًا فجاءت من خلال تجميد أرصدة "أسامة بن لادن" و"تنظيم القاعدة" بعد البحث عن هذه الأرصدة في حوالي خمسة آلاف بنك داخل الولايات المتحدة نفسها وعشرات الآلاف من البنوك في جميع أنحاء العالم، وهو أمر ليس صعبًا فقط، ولكنه ربما يكون في غاية الصعوبة أو مستحيلا، فما هي الطرق التي ستسلكها الولايات المتحدة لاقتناص هذه الأرصدة وتتبعها في كل بنوك العالم؟ وما هي التحديات التي تقف أمام الخزانة الأمريكية رغم الصلاحيات الواسعة التي منحت لها في هذا المجال؟ هذه الأسئلة وغيرها نحاول الإجابة عليها في السطور التالية…
أرصدة بن لادن.. إبرة في كومة قش!!
تضاربت التقديرات حول الحجم الحقيقي لأموال بن لادن، وكذلك حول مصدرها وطريقة تحركها عبر المؤسسات المالية، فبعض التقديرات تذهب إلى أن الثروة التي ورثها بن لادن تصل إلى حوالي 300 مليون دولار من إجمالي ثروة أسرته التي تقدر بنحو 5 مليارات دولار، ولكن التقديرات الأخرى تذهب إلى أن السلطات السعودية قد جردت بن لادن من أمواله عندما جردته من جنسيته السعودية عام 1994 ولم يبق لديه سوى بعض المشروعات الصغيرة والمحدودة، وتؤكد هذه التقديرات أن بن لادن يعد مفلسًا منذ عام 1997؛ وذلك بعد أن تعرضت معظم أمواله للسلب عندما اضطر إلى مغادرة السودان.
في مقابل ذلك ترى بعض الجهات أن بن لادن وتنظيم القاعدة نجح في تكوين شبكة مالية تتخذ من السودان مقرًا لها من خلال شركة قابضة أطلق عليها واد العقيق، وكذلك تكوين شركة للبناء يطلق عليها الهجرة، ولكن أموال بن لادن تعرضت لفقدان جزء كبير من قيمتها بسبب تراجع الجنيه السوداني بدرجة كبيرة أمام الدولار.
والواضح أن المخابرات الأمريكية لا تعطي أهمية كبيرة لأرباح شركات ومشروعات بن لادن ولكنها تعطي أهمية كبيرة لتدفق رؤوس الأموال إلى تنظيم بن لادن من خلال من منظمات ومؤسسات خيرية في المنطقة العربية، وذلك من خلال الشبكات الخيرية التي استخدمت في الثمانينيات لتوصيل التمويل للقوى والجماعات التي كانت تحارب الاتحاد السوفيتي في أفغانستان والتي ما زالت قائمة حتى الآن وتتدفق من خلالها الأموال التي يدفعها أثرياء مسلمين كصدقات أو زكاة.
حيث تؤكد تقارير المخابرات الأمريكية أن الأموال التي حصلت عليها مناطق مثل البوسنة والشيشان كمساعدات إنسانية أصبحت في النهاية تحت تصرف تنظيم بن لادن يستخدمها في بناء المساجد في الأماكن الفقيرة وتقديم خدمات طبية للفقراء من خلالها، وهو ما أدى إلى زيادة تدفق رؤوس الأموال إليه من جميع البلاد العربية والإسلامية، وخاصة من المسلمين المؤمنين بعدالة القضايا التي يتبناها بن لادن.
وتؤكد الجهات الأمريكية أن الأرصدة المالية لـ"بن لادن" وتنظيم القاعدة تتحرك بطريقة يصعب معها تتبع هذه الأموال وتجميدها؛ حيث ترى هذه الجهات أن هذه الأرصدة يتم نقلها من خلال الطرق التالية:
- من خلال حسابات الأفشور في بنوك المناطق الحرة واستخدام أسلوب التحويل غير الرسمي.
- من خلال النقل المباشر لهذه الأموال بعيدًا عن البنوك؛ حيث أكدت بعض المصادر الإيرانية أن هناك رحلتين جويتين كانتا تسافران أسبوعيًا من دبي إلى قندهار، حيث مقر إقامة بن لادن وكانت تحمل على متنها صناديق مملوءة بالدولارات، وهي طريقة كانت المخابرات الأمريكية تتبعها في الماضي لنقل أموال الخليج لدعم الجماعات الإسلامية في حربها ضد الاتحاد السوفيتي، ولكن بعد توقف الحرب استمر تدفق الأموال التي استخدمت الأغراض أخرى من أهمها شراء أسلحة وأجهزة اتصالات وتكوين شبكة من المشروعات.
وبذلك وحسب التقارير الأمريكية تكون الولايات المتحدة لا تتعقب أرصدة تتدفق من شركات أو أفراد محددين بعد عمليات بيع أو شراء، ولكنها تتبع أرصدة تتجمع من كل حدب وصوب في الدول الإسلامية أو من المسلمين في دول غربية في صورة زكاة أو صدقات أو حتى في صورة إتاوات؛ لتجنب شرور بعض الجماعات الإرهابية على حد قول المخابرات الأمريكية، ولذلك يكون أمر تعقب هذه الأرصدة في غاية الصعوبة؛ لأنه بمثابة البحث عن إبرة في كومة كبيرة من القش.
بين القانون الدولي والإرهاب الأمريكي
يمكن "تجميد" أو "مصادرة" الأرصدة لأسباب اقتصادية أو سياسية، ولكن عملية تجميد الأرصدة لا يعني ضياعها تماما على العميل، ففي عملية التجميد يظل البنك يستفيد من الرصيد، ولكنه يوقف التعامل عليه؛ ولذلك يقوم باحتساب فائدة على الأرصدة وإضافتها إليها حتى يزول سبب التجميد ويستعيد العميل كافة حقوقه.
أما في حالة المصادرة فتنتهي علاقة العميل بالأرصدة وتسقط كافة حقوقه تمامًا، وهنا يقتصر القرار الأمريكي على تجميد أرصدة المنظمات والأشخاص المتعاونين مع الإرهاب في جميع أنحاء العالم دون مصادرتها.
والملاحظ أن القرار الأمريكي الأخير تنحصر فاعليته على البنوك العاملة في داخل الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، سواء كانت أمريكية أو فروعا لبنوك أجنبية، ولا يسري هذا القرار على البنوك خارج الولايات المتحدة حتى ولو كانت فروعا لبنوك أمريكية إلا في حالة وجود اتفاقيات ثنائية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وبذلك فإن البنوك في جميع دول العالم غير معنية بالقرار الأمريكي من الناحية القانونية؛ لأنه لا توجد اتفاقية دولية في هذا الخصوص، ولأن القرار صادر عن دولة، وليس صادرا عن منظمة دولية مثل الأمم المتحدة.
وعلى ذلك فإن إجبار الولايات المتحدة لدول العالم لإلزام بنوكها بتجميد الأرصدة المشتبه في دعمها للإرهاب لا يقوم على سند قانوني ولاعلى يقين تام بانتماء هذه الأرصدة إلى جماعات الإرهاب، وإنما يقوم على مجرد اشتباه، وإزاء هذا القرار أصبحت دول العالم أمام أمرين لا ثالث لهما: إما أن تحترم قوانينها الداخلية ونظامها القضائي ولا تجمد الأرصدة إلا بالرجوع إلى القواعد المتبعة في هذا المجال واحترام سرية حسابات العملاء، وإما أن تسارع إلى إرضاء الولايات المتحدة التي تمارس إرهابًا اقتصاديًا ضد الدول غير المتعاونة معها، وتضع نظامها القضائي وقوانينها الداخلية وسرية الحسابات في متناول الأيدي الأمريكية وتحت تصرفها.
والواضح أن الدول التي سلكت المسلك الثاني هي الغالبية العظمى من دول العالم؛ حيث سارعت معظم الدول بمراجعة القائمة التي أعلنت عنها الولايات المتحدة، وتجميد الأموال التي تخص الأفراد أو المؤسسات الواردة بها دون أن تبذل أي جهد لمراجعة هذه المؤسسات أو الأفراد للتحقق من مصداقية انتمائها أو مساعدتها للإرهاب من عدمه، ودون أن تدرس خطورة اتباعها لهذا المسلك على مناخ الاستثمار بها وعلى علاقة بنوكها مع العملاء بعد إهدار أهم الأعراف المصرفية وهو سرية حسابات العملاء.
تحديات في طريق القرار الأمريكي
رغم الصلاحيات الواسعة التي منحها الرئيس الأمريكي للخزانة الأمريكية لإجراء تحقيقات واسعة حول هذه الأرصدة ومصادرها وتجميدها حتى في حالة وجود أدنى درجة من الشك، فإن العديد من التحديات تحول دون تنفيذ هذا القرار حتى النهاية، أو تنفيذه بدقة تسمح بتحقيق هدفه النهائي وهو قطع التمويل عن الجماعات الإرهابية، ويرجع ذلك لعدة أسباب هي:
- ضخامة عدد البنوك التي تتابع وزارة الخزانة الأموال بها؛ حيث إن هناك أكثر من 5000 بنك تلقت تعليمات وزارة الخزانة داخل الولايات المتحدة الأمريكية فقط، فما بالك بعشرات الآلاف من البنوك والفروع حول العالم؟
- تصادم القرار الأمريكي مع العديد من الأعراف والقواعد القانونية والمصرفية داخل الولايات المتحدة نفسها وخارجها، بل إن الصلاحيات التي حصلت عليها وزارة الخزانة الأمريكية تتعارض مع الدستور الأمريكي ومختلف الدساتير في دول العالم؛ لأنها تدين الأرصدة وأصحابها بمجرد الاشتباه ودون تحقيق أو حكم قضائي.
- وجود طرق أخرى بديلة لتوصيل الأموال إلى الجماعات الإرهابية وأشهرها عمليات النقل المباشر لها دون المرور من خلال الجهاز المصرفي.
- خطورة ذلك القرار على علاقة البنوك بالعملاء والثقة المتبادلة بين الطرفين، وهو ما سيؤثر على النشاط المصرفي حول العالم، ويهدد عمل المنظمات والجمعيات الخيرية حول العالم وخاصة الإسلامية منها.
- خطورة استغلال بعض الشركات الدولية لهذا القرار للزج ببعض الشركات الأخرى المنافسة أو المتعاملة مع منافسيها في هذه التعاملات المشبوهة دون سند حقيقي لتصفية حسابات قديمة أو لإنهاء منافستها، وهو ما يشكل خطورة على مناخ الأعمال والتجارة في العالم.
وهكذا، فإن أمكن التغلب على صعوبة تطبيق القرار الأمريكي تبقى الخطورة في آثاره القريبة والبعيدة المدى.
|