English

 

الثلاثاء. أبريل. 17, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » القضية الفلسطينية » الداخل الفلسطيني

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

بين السلطة والمقاومة.. هل نجحت مزاوجة حماس؟

طلعت رميح

Image
لم يكن اعتماد حركة المقاومة الإسلامية (حماس) فكرة ممارسة الحكم قبل التحرير نمطا ابتكرته أو استحدثته وفق حالة من المزاوجة بين المقاومة وممارسة الحكم؛ إذ كل حركات التحرير والمقاومة مارست "الحكم والسلطة" وفق أشكال متعددة خلال نضالها وجهادها قبل أن تصل إلى إنجاز التحرير الكامل.

كان النموذج المشتهر في ذلك هو "نمط إدارة المناطق المحررة" الذي اعتمدته كل حركات التحرير خلال مرحلة الحرب العالمية الثانية، كما كان النمط الأكثر شيوعا من بعدُ هو تشكيل المقاومات لحكومات في "المنفى" لقيادة النضال، وممارسة الحكم بطرق سرية في الداخل تحت الاحتلال، ولنيل الاعتراف الرسمي والدبلوماسي بها كممثل رسمي للشعب -تحت الاحتلال- وليس كحركة مقاومة فقط، بل إذا شئنا الدقة فإن حركة فتح في المرحلة الأخيرة من قيادة الرئيس عرفات لها –وبعيدا عن معايير الحكم ومفاهيمه والمقاومة وإستراتيجيتها- وتحت ضغط من تصاعد قوة وجماهيرية الانتفاضة، وإيغال إسرائيل في قتل المدنيين الفلسطينيين، قد مارست نمطا من الجمع بين "المقاومة والحكم" إذا أخذنا في الاعتبار دور شهداء الأقصى في الصراع مع إسرائيل، حين كانت تقوم بعمليات داخل الأراضي المحتلة عام 48 إضافة إلى نشاطها في الأراضي المحتلة عام 67.

لكن خصوصية تجربة حماس أنها وصلت الحكم (أو لإدارة المناطق المحررة) من خلال آليات الديمقراطية التمثيلية التي قامت أطرها على اتفاقات أوسلو وأطرها وقواعدها التي حققت حماس نفسها جماهيريتها من خلال رفضها ومقاومتها والسعي إلى تغييرها، فقد رفضت حماس "الاعتراف بشرعية أوسلو" وما نتج عنها، ثم جاءت للحكم اعتمادا على ما تأسس من خلال تطبيقات أوسلو ذاتها، وهنا الفارق بين تجربة عرفات وفتح وتجربة حماس.

مرحلتان وإستراتيجيتان

بهذه الخصوصية أصبحت حماس في وضع سمته "الازدواجية" في مصادر الشرعية والمرجعية القانونية لممارسة الفعل السياسي، فهي تمارس السلطة بتفويض شعبي مقنن، بينما أخذت شرعية حق ممارسة المقاومة من خلال تفويض شرعية وحق مقاومة الاحتلال، مثلها مثل كل حركة مقاومة في العالم؛ إذ المقاومات لا تبدأ نشاطها المقاوم بعد استفتاء الشعب على خط المقاومة من عدمه.

إن هذه الازدواجية بين شرعيتين هو ما جعل حماس حين دخولها السلطة تجد نفسها داخل إطار "ضيق" على صعيد نشاطها في السلطة، ومتعارض في مقاساته السياسية مع أهدافها التكتيكية والإستراتيجية من خلال المقاومة، وهنا بدا أن حماس تعيش تناقضا بين "الإطار السياسي الذي تفرضه الاتفاقات التي نظمت وجود السلطة وحددت أفقها وصلاحياتها"، وبين "الأهداف التي تسعى إليها، وعلى رأسها تحرير كل فلسطين"، كما وجدت نفسها أمام تناقض بين الأهداف والوسائل؛ إذ لا تتحقق أهدافها من خلال أطر ممارسة الديمقراطية بل بالمقاومة.
وفي ذلك سعت حماس إلى توسيع إطار السلطة ليناسب أهدافها، وإلى إقامة حالة "مزاوجة" دقيقة بين ممارسة المقاومة وممارسة أعمال السلطة، وكان الأبرز هنا أنها وافقت قبل الانتخابات بفترة على "التهدئة" في أعمال المقاومة، لتصبح التهدئة إطارا سياسيا رسميا لاستمرار المقاومة في ظل ممارسة السلطة. هذا ما فهم لاحقا.. كما فهم أنها بقبولها التهدئة كانت توجه رسالة لطمأنة الأطراف الداخلية والخارجية حول سلوكها وهي في السلطة.

لكن الأطراف الخارجية (إسرائيل، والولايات المتحدة، وأوروبا، والدول العربية) والداخلية (فتح خاصة) -التي لم تشترط قبل الانتخابات إعلانا من حماس بنبذ المقاومة أو تحديد الإطار الإستراتيجي لحركتها بحدود عام 67 وفق صلاحيات وأسس قيام السلطة- قد اندفعت بعد إحراز حماس لأغلبية المقاعد البرلمانية لمواجهة حادة معها لتحويل "خطتها القائمة على المزاوجة بين الحكم والمقاومة" إلى "تناقض" ومأزق ذي طبيعة إستراتيجية بين ممارسة السلطة وممارسة المقاومة، ولتجد حماس نفسها تحت الضغط، أو أمام حل في اتجاه واحد هو التخلي عن المقاومة لصالح البقاء في السلطة.

لقد دخلت حماس بتولي مسئولية الحكومة مرحلة إستراتيجية جديدة ومختلفة جذريا، ففي المرحلة السابقة على دخول الحكم قامت إستراتيجية حماس السياسية على إفشال الاتفاقيات المعقودة من قبل حركة فتح بالنظر إلى مخاطرها على الحقوق الفلسطينية، وعلى الصعيد الجماهيري استهدفت حماس تعبئة الجهد الفلسطيني نحو أهدافها الإستراتيجية المتمايزة عن أهداف من كان في الحكم وقتها، وتنظيميا استهدفت التوسع في القدرة والبناء لأجهزة الحركة ذاتها، كل ذلك من خلال المقاومة على أوسع نطاق.

أما في مرحلة ما بعد دخول السلطة فاستهدفت حماس إحداث تغييرات في نمط مفاهيم وأهداف وأسس قيام السلطة لتطوير الأداء باتجاه طرح رؤية سياسية جديدة -وصفها خالد مشعل باللغة والممارسة السياسية الجديدة-، كما استهدفت توسيع التعبئة الجماهيرية من خلال الأطر الأوسع التي تتيحها قيادة أجهزة الحكم، وتوسيع عملية التنظيم لتشمل المجتمع الفلسطيني كله.. كل ذلك دون إعلان إلغاء اتفاقات أوسلو –لعدم إعطاء مبررات للخصوم -ولكن تحت ظلال مقولة: إن اتفاقات أوسلو ماتت أصلا وانتهى أمدها الزمني، وأن الأراضي الفلسطينية أمام وضع جديد.

وهنا وُوجهت حماس بخطة مقابلة من القوى الداخلية والخارجية استهدفت تطويع إرادة حماس داخل السلطة، أو سجنها داخل حدود المواقف السياسية التي تأسست عليها السلطة ضمن حدود وآفاق اتفاقات أوسلو، كما استهدفت إجبارها على حل مشكلة المزاوجة –بعد تحويلها إلى مأزق– بتحويلها لحالة تنتصر فيها للسلطة على حساب المقاومة، وامتنعت القوى الداخلية عن مشاركة حماس في الحكومة (رفضت تغطية السلطة الحمساوية). وتحركت الأطراف الخارجية لمنع حدوث اعتراف دولي بـ"حكومة حماس"، ومنع وصول الأموال والمساعدات.. إلخ، ولم يتأخر الإسرائيليون على الصعيد العسكري إذ باتوا يشنون العدوان تلو الآخر، وأغلقوا المناطق الفلسطينية بشكل شبه دائم لمنع وصول الغذاء والدواء لتشديد عقاب الشعب الفلسطيني على اختياره لحماس، ولجعله عنصر ضغط عليها.

والحال هذه، شهدنا صداما وصراعا بين إستراتيجيتين: حماس تستهدف توسيع إطار السلطة باتجاه نشاط المقاومة، بينما بعض من فتح -الانقلابيون خاصة- وإسرائيل وأمريكا وبعض من النظام الرسمي العربي يستهدفون محاصرة حماس بالسلطة لإجبارها على نبذ خيار المقاومة... وتتابعت الأحداث والمآسي حتى وصل الأمر حد بدايات الحرب الأهلية، وتدخلت قوى عديدة لينتهي الأمر إلى موافقة حماس على اتفاق مكة الذي احتفظت من خلاله برئاسة الحكومة، وتنازلت بفعله عن وزارات الداخلية والخارجية والإعلام والمالية وغيرها، وهو ما بات يطرح التساؤل: هل نجحت حماس في المزاوجة بين المقاومة وممارسة الحكم على أساس من استمرار المقاومة ودعمها أم أن حماس انتهت تجربتها إلى جعل حسابات المقاومة مرتبطة بخيار البقاء في السلطة وضمن إطارها، خاصة أن حماس ظلت طوال هذه الفترة محافظة على التهدئة رغم الاعتداءات الإسرائيلية فيما عدا واقعة أسر الجندي الإسرائيلي؟.

عناصر التقييم

هنا يبدو ضروريا الالتفات إلى عناصر التقييم لتجربة حماس قبل الشروع في الحكم على التجربة؛ حيث تقييم التجربة -أي تجربة- يجب ألا يجرى من خلال فكرة مبسطة أو رؤية نفسية ومزاجية أو رغبية، وإنما من خلال "قياسات" تتعامل مع التجربة من خلال المفاهيم التي تحكم رؤيتها، والإستراتيجيات التي تستهدفها، والوقائع على الأرض، وفي ذلك فإن عناصر التقييم لتجربة حماس كثيرة، لكن أهمها:

أولا: ما إذا كانت حماس في مزاوجتها هذه قد تنازلت عن ثوابت عقدية ومفاهيمية في أسس الصراع، بمعنى أن تكون قد رجحت كفة الوجود في السلطة على الالتزام بثوابت الحركة والشعب الفلسطيني.

ثانيا: ما إذا كانت بسبب وجودها في السلطة، قد دخلت في مفاوضات وعقدت اتفاقات تتنافى وتمنع أو تقيد سعيها لتحقيق إستراتيجيتها، ذلك أن الحكم على أسلوب العمل هو من خلال تأثيره على الأهداف الإستراتيجية سلبا أو إيجابا.

ثالثا: موقفها من حق المقاومة في الفعل الواقعي، وما إذا كانت في محاولة بقائها في السلطة قد نبذت أو أدانت هذا السلوك وقامت بحل الأجهزة المقاومة بعد تشكيل الحكومة.

إدارة حماس للأزمة

بدأت حماس إستراتيجيتها الجديدة بعد الحصول على الأغلبية في المجلس التشريعي الفلسطيني ببذل جهد كبير من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية، ففوجئت برفض شديد من قبل حركة فتح وغيرها، وكان لافتا وقتها أن هذا الرفض قدم دوما للرأي العام مقرونا بأن فتح تحترم رغبة الشعب الفلسطيني، وأن قيادتها هي التي أصرت على دخول حماس الانتخابات.

وفور تشكيل الحكومة -وقبل أن تبدأ نشاطها بإعادة توجيه أجهزة السلطة وإداراتها- وُوجهت حماس بهجوم عليها من حركة فتح ذاتها، بما جعلها تتحول إلى إستراتيجية دفاعية، خاصة أنها لم تبادر إلى تقديم مختلسي الأموال من الحكم السابق للمحاكمات -أو بالدقة لم تول الأمر الأهمية الواجبة- ربما حتى تقطع الطريق على محاولة وصم تحركاتها بالممارسة الاجتثاثية، كما لم تبادر بالهجوم الإعلامي والسياسي الواسع المخطط على الأطراف الخارجية خاصة ضد إسرائيل.

لقد فُرض على حماس منذ البداية أن تدخل أتون صراع حول أحقيتها في تولي السلطة مع الاحتفاظ ببرنامجها السياسي، أو وفق الجمع بين المقاومة وممارسة الحكم، حتى أصبحت تلك القضية هي وحدها تقريبا القضية المطروحة في الصراع مع الداخل والخارج الذي سعى إلى دفع حماس لأن تختار بين الحكم وتقبل بكل الاتفاقات التي رفضتها قبل تشكيل الحكومة، وبين المقاومة بالتفويض الممنوح من خلال عدم شرعية الاحتلال. ومن ثم دفعت حماس إلى حالة لا تملك فيها أي مقومات لممارسة الحكم؛ حيث الجهاز التنفيذي للسلطة يناصبها العداء، وحيث باتت حالة شعبية ضاغطة بسبب ظروف الحصار والتجويع، وهو ما يعني تلخيصا أنها باتت في حالة الدفاع لا الهجوم، لا سيما وقد تم الدفع هجوميا بتأليب الشعب الفلسطيني ضد حماس حيث رفضها الاعترافات بالاتفاقات التي وصلت ضمن إطار نظمها للحكم، وهو ما يدفع الشعب الفلسطيني للمجاعة... ووصل الأمر بوادر حرب أهلية أقفلها اتفاق مكة.. فكيف نقيم موقف حماس؟.

التكتيكات الصادمة والنجاح الإستراتيجي

في خضم الصراع -ومن خلال الاتفاقات- عادت حماس على الصعيد السياسي إلى بعض مواقفها السابقة، فصارت تعلن موقفا مؤيدا لإقامة دولة فلسطينية على حدود عام 67 وعاصمتها القدس الشريف، كما أعلنت عن موافقتها على هدنة طويلة الأجل، مشددة على أن تلك المواقف ليست جديدة، وإنما سبق إطلاقها خلال قيادة الشيخ أحمد ياسين للحركة، كما وافقت وفقا لبرنامج الحكومة الجديدة "حكومة الوحدة" على أن منظمة التحرير هي المخولة بالتفاوض مع إسرائيل، مع إضافة صيغة تنص على احترام الاتفاقيات الموقعة دون إعلان بالموافقة عليها أو الالتزام بها. وعلى الصعيد العملي فإن حماس لم تعد تمارس نشاطها المقاوم في داخل الأراضي المحتلة عام 48، وكذا لم تعد تمارس دورها المقاوم بالسلاح في الضفة الغربية... فهل يعني ذلك أن حماس غلّبت فكرة البقاء في السلطة على فكرة المقاومة؟!

هنا نعود إلى العوامل الجوهرية في الحكم والتقييم؛ فحماس ورغم ممارستها تكتيكات قد تبدو "صادمة" للكثيرين، فإنها لا تزال محققة قدرا من النجاح في المزاوجة بين الحكم وممارسة المقاومة، هي لم تعلن خروجا على الثوابت والمبادئ والأهداف الإستراتيجية.. هي ربطت بين موافقتها على الدولة الفلسطينية في حدود 67 والهدنة الطويلة لا الاعتراف.. هي لم تعقد أي اتفاقيات تمنع أو تقيد حقها في ممارسة المقاومة.

وتبقى النقطة الجوهرية وهي: ما إذا كانت مشاركة حماس في الحكم قربتها من تحقيق أهدافها الإستراتيجية في تحرير فلسطين كل فلسطين أم أبعدتها عنها، حسب رأي البعض الذي يرى أنها بما فعلت قد أثبتت صحة وجهة نظر وخطة فتح وباتت تسير في نفس الخط المتدرج الذي سارت عليه، وكذا ما إذا كان بقاؤها في الضغط بالمقاومة على إسرائيل –دون دخولها الحكومة– سيحقق نتائج أفضل من خلال قدرة المقاومة على تصعيد حالة الضعف التي حققتها العمليات الفدائية في الوضع الداخلي في إسرائيل، وباعتبار أن المقاومة وحدها القادرة على استرجاع الحقوق.

يجب النظر إلى طبيعة معركة تحرير فلسطين باعتبارها نمطا يحتاج إلى إستراتيجيات طويلة المدى زمنيا، وإلى أن تحديد التكتيكات في ظل توازنات القوى الحرجة الحالية أمر يحتاج إلى نمط من المناورات الحادة لضمان البقاء في وضع الحركة دون انكسار، وهنا يكون الحكم التقييمي على تجربة حماس معلقا في صيغته النهائية في انتظار المفاوضات الجارية بين عباس وأولمرت، ليظهر إلى أي مدى وصلت حماس في المزاوجة؛ إذ السؤال الكاشف هو: ماذا ستفعل حماس إذا وافق عباس في ظل وجودها في الحكومة على ما يخرج عن الثوابت التي تتبناها؟.. كيف ستواجه حماس الأمر في داخل مناطق السلطة وعلى صعيد الأوضاع في الأراضي المحتلة عام 48؟ هل ستظل في قيادة الحكومة؟ وهل ستظل تحصر صراعها في الوسائل السياسية السلمية في مواجهة إسرائيل في تلك الحالة التي ستعطي إسرائيل زخما ستترجمه على الفور في الهجوم على المقاومة؟ هل ستعود إلى المواجهة والمقاومة في الأراضي المحتلة عام 67؟ وهل ستعود أيضا إلى العمليات داخل الأرض المحتلة عام 48 إذا توسعت إسرائيل في عدوانها المتوقع في حال رفض حماس لأي توافقات بينها وعباس، في ضوء ما هو معروف في السلوك الإسرائيلي من اعتبار كل اتفاق وسيلة للحصول على استحقاق إطلاق يد جيشها في الهجوم على الرافضين؟.


كاتب ومحلل سياسي، رئيس تحرير سلسلة كتاب "إستراتيجيات".

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات