|
| الركود الاقتصادي دفع لنمو الودائع بالبنوك المصرية
|
تعد الودائع المصرفية الوسيلة الأكثر انتشارا بين عموم المصريين لادخار أموالهم في ظل الخبرات السلبية التي تعرضوا لها خلال الأربعين عاما الماضية منذ أحداث التأميم في بدايات الستينيات من القرن الماضي، وما تعرضت له أموال المودعين لدى شركات توظيف الأموال في أواخر عقد الثمانينيات.
وعزز هذا الوضع التراجع الحاد لأسعار الأسهم بالبورصة المصرية منذ بدايات عام 1997 لعدة سنوات؛ حتى تراجعت أسعار كثير من الأسهم العامة والخاصة عن أسعار شرائها بنسب كبيرة؛ وهو ما انعكس على أداء صناديق الاستثمار التي حقق معظمها خسائر لبضع سنوات؛ حيث تراجعت أسعار وثائقها عن أسعار شرائها. كما أدى الركود المهيمن على السوق المصرية منذ أواخر عام 1997 وحتى الآن إلى ضعف الإقبال على شراء الوحدات السكنية كوسيلة للادخار والاستثمار.
ومن هنا كان الاضطرار للتعامل مع الودائع المصرفية كوسيلة آمنة للادخار سواء بالجنيه المصري أو بالعملات الأجنبية، ولهذا شهد معدل نمو الودائع بالبنوك المصرية أرقاما قياسية بلغت نسبتها 36.7% في يونيو 1988 مع بدء التصدي الحكومي لشركات توظيف الأموال بعد تأثر البنوك خلال ذروة نشاط شركات توظيف الأموال، ومع بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي في يونيو 1991 بلغت نسبة نمو الودائع 34.6%، فيما تراوحت هذه النسبة خلال السنوات العشر الأخيرة ما بين 8% و18.3%.
وظل الوزن النسبي للودائع بالعملات الأجنبية أعلى من نسبة الودائع بالجنيه المصري حتى عام 1991 مع بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي، وتثبيت سعر الصرف للدولار؛ مما أدى إلى تحويل الكثيرين لأرصدة ودائعهم بالعملات الأجنبية إلى الجنيه المصري للاستفادة بالفارق الكبير في سعر الفائدة الذي كان في صالح الجنيه بهامش حوالي 13%.
وعاد الاتجاه للإيداع بالعملات الأجنبية يتزايد منذ عام 1999 في ظل أزمة نقص العملات الأجنبية حتى أواخر ديسمبر 2004، حين تراجعت قيمة سعر الدولار أمام الجنيه؛ وهو ما دفع الكثيرين لتحويل أرصدتهم الدولارية إلى الجنيه المصري.
منافسة على المدخرين
ودخلت الحكومة مجال جمع أموال المدخرين من خلال إصدار شهادات استثمار بفائدة تعلو عن أسعار فائدة الودائع المصرفية بنسبة تتراوح بين 10 و10.5%، حتى بلغت أرصدتها 60.2 مليار جنيه مصري مقابل 357.3 مليار جنيه للمدخرات داخل الجهاز المصرفي في يونيو 2004، كما استقطبت ودائع صغار المدخرين من خلال صندوق توفير البريد المنتشرة فروعه في أقاصي البلاد وهى الأماكن التي لا تستطيع البنوك الوصول إليها، وبفائدة مميزة لتصل ودائعه 28.4 مليار جنيه في يونيو 2004. وحين واجهت الحكومة مشكلة في تمويل عجز الموازنة لجأت لدفع بنكين من البنوك العامة لإصدار شهادات ادخار مدتها 3 سنوات بفائدة ثابتة 12%.
وتبارت البنوك المصرية الإحدى والأربعون إلى جانب 13 فرعا لبنوك أجنبية في استقطاب مدخرات المصريين من خلال تنويع الأوعية الادخارية حتى تخطى عددها في بعض البنوك 20 وعاء ادخاريا، ما بين الحسابات الجارية والودائع لأجل ودائع التوفير والحسابات الرقمية وشهادات الادخار والإيداع، خاصة أن عوائد كل تلك الأوعية معفاة من الضرائب بعكس الاستثمار في الأنشطة التجارية أو الصناعية.
وتنوعت تلك الأوعية الادخارية في المزايا التي تقدمها، ما بين إجراء سحوبات دورية على أرصدتها ذات جوائز مالية أو عينية مثل شقق التمليك أو سيارات وغيرها. وتنوعت شهادات الادخار بشكل ملحوظ، وتمثل ذلك في إصدار شهادات ذات مدد مختلفة ما بين 3 و5 و7 و10 سنوات، كما تنوعت هذه الشهادات ما بين الصدور بالجنيه المصري والجنيه الإسترليني والدولار واليورو، فضلا عن ثبات أو تغير العائد، واختلاف دورية صرف العائد ما بين الشهري والربع سنوي والنصف سنوي والسنوي. كذلك تنوعت فئات الشهادات النقدية، وخاطب عدد من البنوك مشاعر بعض المتدينين، فأعلنوا عن شهادات إيداع إسلامية.
وتعددت أشكال دفاتر التوفير ما بين دفتر توفير للمدخر الصغير يتعامل في المبالغ الصغيرة، ودفتر توفير المعاش المبكر لمن خرجوا إلى المعاش المبكر من العاملين.. إلى غير ذلك، كما تنوعت المزايا مثل تجزئة المبالغ بالدفتر إلى أجزاء صغيرة كي يدخل كل مبلغ السحب برقم خاص بحيث تتاح للدفتر الواحد إمكانية الفوز بعدة جوائز خلال السحب الواحد.
كما قدمت الفروع الإسلامية للبنوك التجارية عددا من الأوعية الادخارية ما بين حسابات جارية تحت الطلب، وحسابات استثمارية بعائد، وحسابات توفير بدون عائد، ودفاتر استثمارية بعائد، إلى جانب شهادات الإيداع ذات العائد الشهري وغير الشهري وذات الجوائز وبدون جوائز.
وكانت حملة حكومية تزعمها شيخ الأزهر قبل سنوات قد تبنت الدعوة بحِل فوائد البنوك التجارية عندما سحبت شركات توظيف الأموال البساط من تحت أرجل البنوك، إلا أنها لم تجد صدى لدى بعض الأوساط التي ظلت على معتقداتها المتحفظة إزاء حرمة تلك الفوائد، مستندين إلى آراء علماء آخرين، واتجه هؤلاء بودائعهم إلى فروع 4 بنوك إسلامية إلى جانب 70 فرعا تمارس الأنشطة المصرفية الإسلامية تتبع 13 بنكا تجاريا.
مناطق محرومة من الفروع
ونظرا لتطلب الإيداع والسحب من الوديعة التردد على البنك فإن القرب الجغرافي لفرع البنك من العملاء له دوره في تفضيل بنك على آخر في الإيداع به إلى جانب سعر الفائدة كعامل حيوي في الاختيار بين بنك وآخر، أو بين وعاء وآخر داخل البنك الواحد.
وبالنظر إلى خريطة فروع البنوك المصرية يتبين تركزها في مناطق الحضر، خاصة القاهرة والإسكندرية والسويس ودمياط (شمال مصر)، بينما يقل عدد الفروع بدرجة ملحوظة في المحافظات الريفية مثل القليوبية والبحيرة والمنوفية، كما تقل بالوجه القبلي عنها بالوجه البحري خاصة في بني سويف والفيوم حيث يوجد فرع لكل 14 ألف شخص في بورسعيد، وفرع لكل 17 ألفا بالقاهرة، بينما يوجد فرع لكل 44 ألف مواطن بالقليوبية، ولكل 37 ألفا بالبحيرة ولكل 36 ألفا ببني سويف.
وتختار البنوك أماكن فروعها عادة اتساقا مع ارتفاع المستوى الاقتصادي لأماكن الفروع؛ حيث تقل الفروع في المحافظات الأكثر فقرا في جنوب مصر مثل أسيوط، وهي الأعلى في مستوى الفقر بين المحافظات، تليها في نسبة الفقر بني سويف ثم سوهاج والفيوم، كما يقل تواجد فروع البنوك بالأماكن العشوائية بالمدن رغم أنها مزدحمة بالسكان.
وتخلو بيانات البنك المركزي أو البنوك المصرية من أي توزيع جغرافي أو اجتماعي لأرصدة الودائع؛ حيث تقتصر بيانات الودائع على توزيعها ما بين ودائع بالعملة المحلية أو بالعملات الأجنبية التي بلغت نسبتها 32.7% دون أي توزيع تفصيلي لنوعيات تلك العملات الأجنبية. كما يتم تقسيمها وفقا للآجال ما بين ودائع جارية بلغت نسبتها 10.1% من الإجمالي في يونيو 2004، وودائع لأجل وحسابات توفير بنسبة 84.4%، وودائع مجمدة ومحتجزة بنسبة 5.5%.
غالبية الودائع من الأفراد
كما يتم توزيع الودائع حسب القطاعات المودعة التي تصدرها في يونيو 2004 كما يلي: القطاع العائلي أي أفراد الأسر بنسبة 64.2% من الإجمالي، يليه القطاع الحكومي 17.4%، وقطاع الأعمال الخاص 14%، وقطاع الأعمال العام وشركات القطاع العام 4.1%، والأجانب المقيمين بمصر 0.4%، وهكذا تمثل ودائع الأفراد الرافد الأكبر للودائع خلال السنوات الماضية، وهو الذي دفع بعض البنوك لإعطاء فوائد على الحسابات الجارية لجذب هؤلاء الأفراد.
وتبدو أهمية الودائع القصوى للبنوك؛ حيث تمثل الرافد الأكبر لضخ موارد للبنوك لتمكنها من أداء دورها في الاستثمار أو الإقراض؛ باعتبارها تشكل النسبة الكبرى من تغطية أصول البنوك؛ حيث لم تقل نسبة تغطيتها للأصول خلال السنوات العشر الماضية عن 66%؛ بل زادت النسبة إلى 73% خلال العام الأخير، في حين لا تغطي حقوق الملكية سوى حوالي 5% فقط، إلى جانب نسب أقل يغطيها الاقتراض من البنوك الأخرى بالداخل والخارج ومن القروض طويلة الأجل.
إلا أن ظروف الركود قد تسببت في ضعف فرص التوظيف لأموال المودعين لدى البنوك خاصة مع تعثر كثير من المقترضين وصعوبات استرجاع حقوق البنوك منهم؛ وهو ما ينجم عنه انخفاض سعر الفائدة على الودائع.
كما تمثل الودائع بالنسبة لأصحابها المُعين على مواجهة تكاليف الحياة، خاصة من خرجوا إلى المعاش أو غير القادرين على العمل أو عادوا من العمل بالدول العربية، وكذلك في ظل زيادة معدلات التضخم عن نسب الفائدة التي يحصلون عليها في كثير من الأوعية الادخارية؛ وهو ما يعني تآكل قيمة تلك الأرصدة؛ فقد بلغت معدلات التضخم 12% في بعض الشهور، بينما كان متوسط الفائدة على الودائع حوالي 8%؛ وهو ما دفع الكثيرين إلى تحويل ودائعهم إلى شهادات الادخار الأعلى فائدة للحفاظ على قيمة الأموال.
وإذا كانت البورصة المصرية قد شهدت انتعاشا خلال العام الماضي والحالي استقطب معه جانبا من الودائع، فإن مخاطر التعامل بالبورصة تحول دون تحويل الأغلبية لأموالهم تجاه البورصة، والنتيجة أن قيمة التعامل داخل البورصة لا تقارن بحجم الودائع بالبنوك.
صحفي اقتصادي، نائب رئيس تحرير صحيفة الأهرام المصرية للشئون الاقتصادية، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بصفحة نماء namaa@iolteam.com
*الأرقام الواردة تستند لتقارير رسمية صادرة عن البنك المركزي المصري خلال الأعوام العشرة الأخيرة.
|