English

 

الأحد. أكتوبر. 15, 2006

نماء » إغاثة وتنمية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

مصر.. الخضراوات الجاهزة رزق رمضان

أمير لاشين

 
تجهيز الخضراوات فكرة مبدعة لمقاومة الفقر
تجهيز الخضراوات فكرة مبدعة لمقاومة الفقر

لم يكن أمامها سوى المواجهة.. فقد أصبحت هي وأولادها والفقر في بوتقة واحدة.. كان لا بد أن تنجو بنفسها وأبنائها الأربعة من تلك البوتقة قبل أن ينصهروا جميعا ويحترقوا بنيران الحاجة والعوز.

أم أشرف، سيدة في العقد الرابع من عمرها، فجأة وبدون مقدمات فقدت زوجها وعائلها في حادث سيارة، ووجدت نفسها وحدها لا ميراث لها سوى 4 أطفال بلا مأوى ولا مأكل ولا مشرب. ثلاثة منهم أوشكوا على البدء في أولى خطواتهم التعليمية. وهنا كان عليها تقرير مصير أولادها؛ فإما أن يتوقفوا جميعا عن السير في مشوارهم التعليمي قبل أن يبدءوا أو تحاول البحث عن مصدر رزق يساعدها على استكمال المسيرة مع أولادها؛ أملاً في أن تصنع لهم مستقبلا أفضل.

جمعت أم أشرف كل قوتها، واقترضت من أخ لها 1000 جنيه (الدولار = 5.75 جنيهات)، واشترت بها بعض الخضراوات، ونزلت بها إلى سوق التوفيقية -أحد أشهر الأسواق في وسط القاهرة- لتبيعها.. لكن مشروعها الصغير لم يكتب له النجاح وسط سوق تعج بتجار ذوي خبرة كبيرة وقدرات مالية ضخمة.

شهر رمضان كان البداية

قررت أم أشرف الخروج من السوق الكبيرة والانسحاب طواعية، لكن الصدفة وحدها قادتها إلى بصيص أمل أعاد الحياة مرة أخرى لمشروعها؛ ففي أحد أيام شهر رمضان الماضي وفي أثناء جلوسها ببضاعتها بالقرب من أحد المصالح الحكومية، اشترت منها إحدى الموظفات بعض حبات البطاطس والقلقاس، وطلبت منها -بسبب ضيق الوقت خلال الشهر- تجهيزها وتقطيعها إلى أن تخرج من عملها على أن تعطيها مبلغا إضافيا على سعر الكيلو. وبالفعل قامت بالمهمة على أكمل وجه، وأسعد ذلك الموظفة كثيرا، وتكرر الأمر على مدى أيام الشهر؛ بل وجلبت الموظفة زبائن لها من مكان عملها.

بدأت أم أشرف تغير من نظام وجودها بالسوق؛ فتحضر منذ الصباح الباكر وتنصرف بما تبقى من بضاعتها في الساعة الثالثة. حاولت كذلك أن تبتكر أساليب جديدة لجذب المزيد من الزبائن؛ فحرصت على الظهور بمظهر لائق، واهتمت بنظافة أدواتها والخضراوات التي تبيعها. وبالفعل نجحت أم أشرف في جذب عشرات الموظفات من مصالح حكومية مختلفة، ولم يتوقف الأمر عند حدود شهر رمضان، بل بدأ يتعداها إلى باقي أيام العام، وإن كان شهر رمضان هو الموسم بالنسبة لها.

فاطمة أكثر حظا

ربما كانت الصدفة وقبلها القدر هما اللذان كتبا قصة نجاح أم أشرف، وإعادة الحياة لمشروعها، لكن فاطمة التي اختارت مكانا يحمل في طياته مميزات السوق الكبيرة كانت أكثر حظًّا من أم أشرف، فقد جلست ببضاعتها بالقرب من مبنى الإذاعة والتليفزيون؛ ذلك المبني الذي يعج بالموظفات، لذا كان الطلب عليها كثيفا منذ البداية.

واختلفت عن أم أشرف في أنها قامت بتجهيز الخضراوات وتغليفها في المنزل، وأحضرت بجوار خضرواتها بعض المخبوزات الريفية التي كانت تلقى قبولا واستحسانا من الموظفات، لكن مشكلتها هي أنها تعاني من ملاحقة شرطة المرافق؛ حيث ينظر إليها المسئولون على أنها إحدى معوقات المرور في منطقتها.

الحاجة أم الاختراع

لكن على الجانب الآخر، هناك سؤال هام يطرح نفسه وبقوة، وهو: هل تخلفت السيدات عن أداء دورهن المنزلي وتنازلن عنه طواعية لأم أشرف وفاطمة وأمثالهن؟ تجيب علياء الموظفة بأحد البنوك بوسط القاهرة وتقول: المرأة العاملة الآن لديها أعباء والتزامات كثيرة سواء في العمل أو تجاه أولادها وزوجها؛ فبخلاف عملي في البنك عليَّ أن أهتم بمذاكرة أولادي ورعايتهم وإعداد الطعام لزوجي؛ لأنه لن يقبل مني أن يأتي ولا يجد طعاما جاهزا رغم أنني أعمل مثله، لذا عليَّ أن أكون على قدر المسئولية، فأضطر إلى شراء الخضراوات جاهزة لأعدها بسرعة لأولادي، ولولا ظروف العمل لقمت بكامل أعمالي المنزلية دون أي مساعدة، فالحاجة هي أم الاختراع.

أما ميرفت عزمي فتقول: أنا لم أتخلَّ عن دوري في المطبخ كسيدة؛ لأن ذلك من أساسيات واجباتي وفطرة داخلية لدينا كسيدات، لكن لظروف عملي تخليت عن نصف جنيه لأم أشرف مقابل تجهيز طعامي، وهذا مبلغ قليل إذا ما قارنته بالجهد الذي سأبذله والميزة التي سأحققها من ذلك؛ حيث سأجهز الطعام لأولادي بسرعة.

وتلفت هالة عيد النظر إلى نقطة أخرى، وهي أن الخضراوات التي تشتريها من أم أشرف تكون طازجة، بخلاف الخضراوات المغلفة التي كانت تشتريها فيما سبق من المحلات.

الفكرة بين مؤيد ومعارض

الفكرة التي طرحت نفسها بقوة على أرض الواقع خاصة خلال شهر رمضان وجدت تباينا شديدا في آراء خبراء الاقتصاد؛ فبعضهم يرى أن ظهور مثل هذه المهن يعد أبرز صور العجز الحكومي عن توفير إستراتيجية واضحة ومنظمة لمكافحة الفقر والبطالة، وأن انتشارها يضر بصناعات أخرى ذات عائد على الاقتصاد القومي.

أما المؤيدون فيؤكدون أنها أحد أساليب التحايل على الفقر بطرق مبتكرة، ويجب تشجيع الشباب على الإقدام عليها.

د. خالد مصطفى -أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، أحد المؤيدين للفكرة- يؤكد أنها فكرة جيدة لمواجهة الفقر الذي تعاني منه 17.5 مليون أسرة مصرية، حسب التقارير الحكومية.

ويضيف: نحن الآن في مصر نعاني من ظروف اقتصادية صعبة، وبطالة شديدة، وتراخ حكومي في مواجهة تلك المشكلات، لذا كان حتما على الشباب والفتيات أن يبتكروا طرقا جديدة لمواجهة البطالة، فالانتظار لن يفيد. فإما أن يواجهوا الحياة بعقل مفتوح أو يجدوا أنفسهم محاصرين بالفقر والإحباط. فالأفكار البسيطة، مثل تجهيز الطعام عائدها مناسب للغاية، وتتميز بقابليتها للتوسع المستقبلي، فضلا عن أن لها سوقا من المستهلكين ضخمة للغاية يجب استغلالها بشكل أفضل.

ويؤكد د. مصطفى أن أحد مراكز الشباب بمحافظة بورسعيد "إحدى المحافظات الساحلية شمال القاهرة" قام بتنفيذ تلك الفكرة في المركز، وشجع الشباب على العمل بها، وسهل لهم تجهيز الخضراوات وتغليفها، واستفاد منها العديد من الشباب وحققت لهم عائدات كبيرة.

ويطرح الدكتور حسام عيسى، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس، رؤية أخرى تشجع امتهان الفقراء مثل هذه المهن، ولكن على أن يكون ذلك في إطار إستراتيجية واضحة لمكافحة الفقر يكون الأساس فيها هو إنشاء صناعات حديثة وكبيرة، وخلق فرص عمل من خلال تلك الصناعات. أما المهن التقليدية فتكون مكملة لذلك.

ويضيف: فرصة العمل في المصانع الكبيرة تتكلف ما بين 120:180 ألف جنيه، لكن عائدها على الاقتصاد القومي يكون كبيرا، أما فرصة العمل التقليدية فتتكلف ما يقرب من 120 ألف جنيه، لكن عائدها يكون ضعيفا، فالمطلوب عمل مزج بين الوظائف التقليدية والحديثة في ظل إستراتجية واضحة.

تبادل منفعة

ويرجع د. محمد عبد العزيز -أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر- ظهور هذه المهنة إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها مصر والتي جعلت هناك ما يشبه تبادل منفعة بين السيدات العاملات والقائمات على هذه المهنة؛ فالمرأة العاملة أصبح عملها لا غنى عنه بالنسبة للعديد من الأسر المصرية، وتضطرها الظروف في كثير من الأحيان إلى شراء أطعمة جاهزة من المطاعم، وهذا أمر مكلف للغاية، لذلك فإنها تلجأ إلى طريقة أقل في التكلفة وأكثر قابلية عند الأسرة المصرية من خلال شراء خضروات مجهزة تقوم هي بطهيها.

أما السيدات القائمات على هذه المهنة فيحصلن على قروش قليلة تكون مقنعة لهن في ظل ظروف اقتصادية صعبة.


صحفى مهتم بالشأن الإقتصادى ، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكترونى للصفحةnamaa@iolteam.com

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم