English

 

الأحد. أبريل. 15, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » الجزائر

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

تفجيرات الجزائر.. تحول نوعي ووسائلي

إعداد - د. أميمة أحمد

Image
آثار الهجوم الإنتحاري على القصر الحكومي
تعد التفجيرات التي شهدتها العاصمة الجزائرية تحولا نوعيا من حيث التنفيذ والأهداف، فلم يسبق للجماعات المسلحة الجزائرية أن استهدفت خلال أزمة العنف في تسعينيات القرن الماضي قصر الحكومة أو أي وزارة من الوزارات.

فقط تسجل الذاكرة الجزائرية عمليتين انتحاريتين عام 1994 استهدفت إحداهما مقر الأمن الوطني في شارع عميروش -أحد الشوارع الرئيسية وسط العاصمة- فيما استهدفت الثانية مقر الاستخبارات العامة في ساحة باب الوادي، وكان معظم الضحايا في المرتين من المارة وقت حدوث التفجير، كما حدث في الانفجارين الأخيرين بالعاصمة يوم الأربعاء 11 إبريل 2007.

فاستهداف قصر الحكومة الخاضع لتعزيزات أمنية مشددة يعبر -حسب المحلل السياسي عبد العالي رزاقي- عن رسالة تحد صارخة للسلطة بأن الجماعات المسلحة التي استهزأ منها وزير الداخلية نور الدين يزيد زرهوني بسبب تغيير اسمها (تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي)، ووصفه ذلك بأنه "لا حدث"، قادرة على ضرب وزارته القائمة في مبنى قصر الحكومة، وفي وضح النهار، وأنها تستطيع أيضا ضرب المرافق الكبرى (كالمطار) لو أرادت، عندما ضربت مقر الأمن الخارجي (الإنتربول)، ومركز الشرطة بضاحية باب الزوار قرب مطار هواري بومدين الدولي شرق العاصمة.

لكن هذه التفجيرات ليست الأولى هذا العام، فقد استهدفت من قبل مراكز للشرطة في الرغاية ودرقانة شرق العاصمة، كما استهدفت حافلة لنقل عمال شركة أمريكية قرب غابة بوشاوي غرب العاصمة قرب الإقامة الرسمية لكبار المسئولين بالدولة الخاضعة لحراسة أمنية مشددة، بل وصورت المجموعة المسلحة العملية ونشرتها عبر الإنترنت، لتأتي بعدها عملية تستهدف عمال شركة روسية تعمل في تمديد أنابيب الغاز بمنطقة عين الدفلي.

هدف داخلي وآخر خارجي

إذن عمليات الأربعاء الماضي تأتي في سياق سلسلة عمليات سابقة، تدل على إعادة هيكلة الجماعات المسلحة وتدريبها النوعي في تنفيذ العملية. لكن السؤال الذي يطرحه المحلل السياسي رزاقي هو: كيف استطاعت هذه الجماعات الحصول على 2400 كيلوجرام من المتفجرات؟ ومن أين لها ثمن سيارات مرسيدس يزيد عن 85 ألف دولار أمريكي لتنفيذ العمليات الانتحارية؟.

هنا يربط رزاقي بين توقيت التفجيرات والموعد الانتخابي المزمع في 17 مايو القادم، وبين جماعة وصفها "بالمؤسسة" داخل وخارج السلطة، حيث تسعى هذه الجماعة إلى خلط الأوراق وإعادة الوضع الأمني إلى قديمه، لتعيش البلاد في حالة من اللااستقرار. والهدف -حسب اعتقاده- لتنهب تلك المجموعات الوفرة المالية الحالية بالجزائر، والتي تقدر بأكثر من 80 مليار دولار أمريكي؛ لأنه في ظل الاستقرار لا تقدر على نهب الأموال وتبييضها كما فعلت من قبل في بنك الخليفة الذي استخدم كواجهة لغسل الأموال خلال سنوات ذروة العنف 1997- 1998، وتأسس البنك في عام 1998. ويضيف رزاقي: "إن الانتخابات لم تعد تعبيرا سياسيا للناخب ليختار هذا المرشح أو ذاك وفق برنامجه الانتخابي، بل لعبة مغلقة على الموالين للسلطة".

ولم يعد خافيا على أحد أن الإرهاب أصبح له غطاء سياسي دولي، تناقشه المؤتمرات الدولية لبحث أسلوب مكافحته، دون أن يُحدَّد حتى الآن تعريف دقيق لمعناه. فالولايات المتحدة الأمريكية سوّقت المفهوم السياسي للإرهاب بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، ولم تدع فرصة لأحد من الدول أن يبحث في تعريف الإرهاب المطلوب مكافحته، فأصبحت حركات التحرر من أجل الاستقلال الوطني -كالمقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، والمقاومة العراقية ضد الاحتلال الأمريكي- تصنف في خانة المنظمات الإرهابية، بل وصل التحقير لنضال الشعوب لانعتاقها بأن تدين "السلطة أو الحكومة" في البلدين عمليات المقاومة وتصفها بالإرهاب، كما يقول محلل سياسي جزائري رفض ذكر اسمه.

وأضاف: "لا نستطيع فصل العمليات في الجزائر عن عمليات مماثلة تقوم بها أطراف مأجورة بالعراق لضرب السنة أو لضرب الشيعة في سعي لتأجيج الحرب الطائفية في العراق، وفي حالة الجزائر لا توجد تركيبة مذهبية في المجتمع، لكن يوجد صراع ثقافي بين التيار العروبي الإسلامي، والفرانكفوني اللائكي".


ويرى المحلل أن تفجيرات الأربعاء تخدم التيار الفرانكفوني أمام التيار الآخر، والمستفيد من هذا كله هو أمريكا قائدة الحرب الكونية ضد ما تصفه بالإرهاب، بعد أن جيشت خلفها العالم لخوض هذه الحرب تحت مبدأ "من ليس معنا فهو ضدنا". وهنا أمريكا ليست معنية بمغرب عربي مستقر تتوافر لأبنائه التنمية والأمن، بل هي تريده يعيش حالة من "الاستقرار القلق"، وذلك في سياق ما تطرحه من شرق أوسط كبير أو جديد، أصبح يعرف بـ"الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، لتكريس فصل المشرق العربي عن مغربه، تحت مسمى "الفوضى البناءة" كما حدث بالعراق، وما يهيأ له في لبنان.

لكن رزاقي يرفض هذا الرأي، ويؤكد "أن الأمن له آليات داخلية تضبطه، ولا علاقة للخارج به". ويعتقد أن السلطة تزيد في الاحتقان المؤدي لمثل هذه العمليات، فمثلا عندما يصدر وزير الداخلية تعليماته بمنع كل "إسلامي" من الترشح للانتخابات، فهذا يدفع للاحتقان داخل الشارع الجزائري، وعندما تغلق المجالات الإعلامية والسياسية وتمنع صحف ولا تعطى الأحزاب الجديدة اعتمادا لتمارس العمل السياسي، فهذا يدفع الآخرين للعمل المسلح.

ويعتقد رزاقي بوجود ما يدفع المواطن الجزائري إلى فقدان الأمل وعدم الاقتناع بما هو حاضر؛ لأن هناك في السلطة من يريد إعطاء الانطباع بأن الجزائر "ما زالت في وضع قلق وغير مستقر"، ومن ثم فهي تحتاج إلى مرحلة انتقالية.. هذا ما قد يدفع المواطن للاقتناع –حسب رزاقي– بأن أطرافا بالسلطة وراء هذه العمليات بالرغم من أننا متأكدون على الأقل بنسبة 50% بأن للعملية هدفين: الأول، رفع الحصار المضروب على الجماعات الإسلامية في الجبال، حيث يوجد أكثر من 150 من القيادات بغابات أميزور الجبلية بولاية بجاية (263 كم شرق العاصمة)، وهناك مجموعة كبيرة في جبال القل بولاية سكيكدة في الشرق الجزائري تحاصرهم قوات الجيش منذ أيام، وقد تكبد الإسلاميون خسائر في صفوفهم، ومن ثم فالعمليات الانتحارية جاءت للضغط لرفع الحصار عن أولئك المسلحين من جهة، وتوجيه الرأي العام لآثار التفجيرات الأخيرة من جهة أخرى، وتحويله عن اجتماع قيادات الجماعات الإسلامية في الجبال؛ حيث يحاولون إعادة هيكلة صفوفهم من جديد.

أما الهدف الثاني فهو أن هذه التفجيرات تسبق زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس إلى الجزائر في غضون الأسابيع القادمة، وهي زيارة مهمة جدا للجزائريين، إما لجهة دعم توجه السلطة نحو الأمريكيين، أو لجهة أنها فرصة للإسلاميين لإيصال رسالة للأمريكيين بأن الجزائر ليست بلدا آمنا شأن غيرها من الدول.

وحول أسباب عودة العمليات بعنف غير مسبوق، يعتقد بعض المحللين أن هناك سببا آنيا يتمثل في أن بعض الشباب قد توافرت لديهم أسباب إضافية تجعل من ضرب السلطة "القمعية" هدفا "استشهاديا"، بعد أن بدأت في سجن العائدين من الشباب بعد التحاقهم بالمقاومة العراقية، ومنع غيرهم من الذهاب إلى العراق، وهو ما قد يجعل هؤلاء الشباب يقدمون أنفسهم فداءً لمعتقداتهم، وربما يجد هؤلاء الشباب "مؤسسة" من داخل السلطة وخارجها ومسئولين ورجال أعمال ييسرون لهم القيام بهذه العمليات الإرهابية.

ولا شك أن الاسترسال بعوامل نشوء ظاهرة العنف على هذا النحو في المجتمعات العربية والإسلامية يقودنا إلى مسببات عديدة، لكن أهمها على الإطلاق الأسباب الاجتماعية التي زجت بأكثر من 80% من الشباب على هامش الحياة، وجعلت بارونات المال والمافيات حيثما كانت في المجتمعات العربية والإسلامية.

هؤلاء الشباب في حالة من اليأس والإحباط تقودهم لعمل أي شيء للتعبير عن أنفسهم حتى لو كان إنهاء حياتهم بتفجير انتحاري يودي بحياة الأبرياء. والجزائر في هذا السياق مثل غيرها من الدول، وما لم تحل الحكومات هذا الواقع المزري بتوزيع عادل للثروات الوطنية فستبقى منابع الإرهاب رافدا قويا لإنتاج العنف في العالم.

هل تنشأ قواعد عسكرية أمريكية بالجزائر؟

وبالعودة إلى تفجيرات الجزائر، فإنها تجعل مسار المصالحة الوطنية عسيرا جدا على مستقبل المصالحة كما يرى المحلل السياسي أحميدة عياشي مدير عام جريدة أخبار الجزائر نيوز، والمتخصص في الحركات الإسلامية، ويذكر عياشي أن "تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، أو الجماعة السلفية للدعوة والقتال، ترفض أصلا المصالحة والحوار مع السلطة، وبالتالي ما قامت به ليس من أهدافه الضغط على السلطة كي تدخل في مسار المصالحة، وإنما للدعاية الانتخابية والبلد على أبواب انتخابات".

ويعتقد عياشي أن الفرصة أمام المصالحة موجودة في حال توفر الإرادة السياسية لدى المعارضة والسلطة والناشطين الإسلاميين الداعمين لمسار المصالحة.

وتجدر الإشارة إلى أن عبد الكريم بن دهينة -أحد قادة جبهة الإنقاذ بالخارج، والمؤيد لمسار المصالحة الوطنية- قد أدان التفجيرات الأخيرة ووصفها بالعمل الإجرامي. ويوجد عدد من قادة الإنقاذ انضم تحت لواء المصالحة الوطنية.

لكن رزاقي يختلف مع هذا الرأي؛ لأن المصالحة عبارة عن قانون وضعته السلطة، وصوّت الشعب عليه ليحل مشكلة نحو 20 ألفا ممن تورطوا في أعمال العنف. وهذا المعنى يُفقد المصالحة جوهرها الأشمل الذي يعني أنها ليست قانونا بقدر ما تعني الانفتاح والحوار مع الآخر وفتح المجال السياسي والإعلامي. وما نراه في الواقع من الانغلاق السياسي والإعلامي يقوض أسس المصالحة والمواطنة الحقيقية التي تعني أن كل مواطن يمتلك الحرية وله الحق الكامل في الترشح والانتخاب وتشكيل حزب وتنظيم تجمع، أي أنه حتى الآن ما زالت حالة الطوارئ مستمرة تحت غطاء الدواعي الأمنية، ومن ثم فكيف نتحدث عن المصالحة؟.

وإذا ما نظرنا إلى الانتخابات القادمة وقوائم المرشحين، نجد أن معظم المرشحين هم ممن تجاوزوا سن الثمانين، وأن جميع وزراء الحكومة مرشحون، ويستغلون مناصبهم الوزارية للترويج الانتخابي، وهذا –حسب رزاقي– يفقد الانتخابات أهدافها الحقيقية بالتغيير السلمي عبر التعبير السياسي للمواطن باختيار ممثليه، فالمواطن يعرف أنه مجرد رقم، ويدرك عجزه عن التأثير بصوته، سواء صوّت أم لا؟.

وأيا كانت القراءات المختلفة لتلك التفجيرات وتداعياتها داخليا وخارجيا، يلاحظ أن وقوع تفجيرات في الجزائر أصبح أمرا مألوفا مع كل موعد انتخابي، منذ أول انتخابات رئاسية عام 1995 وما جاء بعدها من انتخابات تشريعية ومحلية ورئاسية؛ إذ تعرف الساحة الأمنية تصعيدا جديدا، ثم تهدأ من جديد. لكن نوعية العمليات الأخيرة مكانا وتوقيتا ووسيلة تثير التساؤل حول مستقبل الحركات الإسلامية في المغرب العربي، سواء في الجزائر أو تونس أو المغرب أو موريتانيا، كما أنها تشير إلى أن جدول زيارة كوندوليزا رايس للجزائر سوف يحمل طرحا لمكافحة ما تصفه بالإرهاب، وربما تعيد طرح بناء القواعد الأمريكية في إفريقيا -ومنها الجزائر- لسد المنافذ على الإرهاب.. فهل تقبل الجزائر بعد رفض سابق إقامة قواعد عسكرية أمريكية بأراضيها بعد أن رحبت بقيادة إفريقية موحدة لمكافحة الإرهاب؟.. إن غدا لناظره قريب!!

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات