English

 

السبت. أبريل. 14, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » الجزائر

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

الإرهاب بشمال غرب إفريقيا.. شوكة برقبة أمريكا *

إيميلي هنت

ترجمة - مروى صبري

Image
الزعيم الروحي للجماعة السلفية الجزائرية
أحمد أبو البراء "يمين" وأبو مصعب الزرقاوي
في أغسطس عام 2006 أعلن "أيمن الظواهري" -الرجل الثاني بتنظيم "القاعدة"- عن عقد تحالف مع الجماعة السلفية للدعوة والقتال بالجزائر، وهي شبكة راديكالية جزائرية لا تحظى بشهرة كبيرة داخل الولايات المتحدة على الرغم من كونها أحد أخطر التهديدات الإرهابية بشمال غرب إفريقيا، علاوة على النشاط الذي تتسم به داخل القارة الأوروبية، بل وربما ارتباطها ببعض العناصر المسلحة بأمريكا الشمالية.

ويذكر أن تنامي وجود الجماعات الإسلامية المحلية مثل الجماعة الجزائرية الإسلامية المسلحة وحركة "طالبان" النيجيرية كان نتاج تواجد المئات من أبناء شمال إفريقيا ممن شاركوا ضد التواجد السوفيتي بأفغانستان عام 1979 ثم عادوا لأوطانهم ليجدوا ظروفا سياسية على امتداد التسعينيات ساعدت على صعود التوجهات الإسلامية "المسلحة" بشمال غرب إفريقيا. ومنذ ذلك الحين انتشرت الشبكات الراديكالية وعمدت إلى ترسيخ جذورها داخل المجتمع، وفي ذات الوقت اتبعت القيادة الأصلية لـ"القاعدة" إستراتيجية ترمي لحشد الجماعات المحلية التي تتحرك بدافع من قضايا محلية.

وانعكس نجاح هذه الإستراتيجية في تنفيذ سلسلة من الهجمات الإرهابية التي شهدتها منطقة شمال غرب إفريقيا، وفي تورط أبناء هذه المنطقة في أعمال إرهابية دولية، بما في ذلك هجمات 11 سبتمبر عام 2001 وتفجيرات قطارات مدريد عام 2004.

والآن في أعقاب إعلان التحالف الرسمي بين الجماعة السلفية و"القاعدة"، يجب تقييم أنشطة المسلحين الجزائريين في إطار الحركة الإسلامية الدولية المسلحة، لأن ثمة مخاوفَ من توسع نطاق عمليات الجماعة السلفية للدعوة والقتال في منطقة الساحل الإفريقية وتحويلها لمتطوعين أفارقة للمشاركة بحركة التمرد العراقية، إضافة إلى تمتعها بصلات داخل أوروبا ووجود إستراتيجية دعائية تعتمد على شبكة الإنترنت.

البيئة العملية للإرهاب

تسهم البيئة التي تعمل جماعة إرهابية ما في إطارها في تحديد هيكل الجماعة والفرص المتاحة أمامها وأسلوب عملها، ومن بين العوامل التي تخلف تأثيرا مباشرا وغير مباشر على العمليات الإرهابية: الجغرافيا المادية والبشرية، والإطار السياسي المحلي والدولي.

وعلى الرغم من أن غالبية أبناء منطقة شمال غرب إفريقيا لا تتعاون مع العناصر المسلحة المتعاطفة مع "القاعدة" ويرفضون أيديولوجيتها، فإنه تتوافر مجموعة من العوامل الجغرافية والسياسية والتاريخية تجعل من هذه المنطقة بيئة موائمة لعمل "الإرهابيين" الإسلاميين.

الجغرافيا الطبيعية

تعتبر كل من المغرب والجزائر معقل النشاط الإرهابي بشمال غرب القارة السمراء؛ حيث أدى اتساع نطاق العمليات واستغلال شبكة الإنترنت وتنقل الأفراد داخل وخارج المنطقة إلى تعزيز البعد الدولي للشبكات الراديكالية المحلية.

من جانبها تعاني المغرب من وجود خلايا راديكالية تترعرع بأزقة المراكز الحضرية الكبرى، مثل الدار البيضاء وطنجة، ويسّر تنوعُ تيارات الإسلام السياسي جهود المتطرفين للاندماج في السكان، ولا شك أن صناعة السياحة المزدهرة بالمغرب والموقع الإستراتيجي للبلاد عند مضيق جبل طارق يضمنان تدفقًا كبيرًا للسائحين والتجارة، مما يتيح أمام الإرهابيين بيئة غنية بالأهداف.

أما في الجزائر.. فينطوي التعامل مع الخلايا الإرهابية الحضرية على مشكلات أقل، نتيجة البيئة الأمنية الصارمة التي خلفتها حقبة الحرب الأهلية، حيث نجحت هيئات الأمن الجزائرية في بناء شبكة محكمة من المخبرين داخل العاصمة والمدن الكبرى الأخرى، وتمكنت من عزل الكثير من القيادات المسلحة بالجبال خارج العاصمة.

وبالرغم من احتمالات اتخاذ التحدي الإرهابي بالجزائر لطابع حضري أكبر، مثلما الحال بالمغرب في المستقبل، فإن التحدي الرئيسي حاليًا في مواجهة النظام نابع من المناطق القروية شمال البلاد وأجزاء من الصحراء الجنوبية؛ حيث يذكر أن المسلحين الإسلاميين، بقيادة الجماعة السلفية، عمدوا خلال السنوات الأخيرة إلى توسيع نطاق أنشطتهم بمنطقة الصحراء الكبرى، نتيجة مواجهتهم تكتيكات لمكافحة الإرهاب أكثر قوة داخل المراكز الحضرية، إلى جانب ما تحمله الصحراء من فرص لممارسة الجريمة المنظمة المربحة نظرا لمساحتها الهائلة التي تيسر الاتجار غير المشروع بكافة أنواع السلع.

وتوحي هذه التطورات بأن نقطة الضعف الجزائرية ربما تكمن في خطوط الأنابيب الممتدة آلاف الأميال وتربط بين حقول النفط والغاز الطبيعي بالداخل وموانئ التصدير المطلة على البحر المتوسط، وأبدت العناصر المسلحة المرتبطة بـ"القاعدة" هناك إصرارا على مهاجمة قطاع الصناعات الهيدروكربونية بالجزائر، والذي يوفر نحو 60% من عوائد الميزانية الجزائرية.

الجغرافيا البشرية

مقارنة بشعوب تقع في قلب المنطقة فإن سكان منطقة شمال غرب إفريقيا ينفصلون جغرافيًا وثقافيًا عن الصراعات الكبرى بالشرق الأوسط، وهم يتميزون بقدر أكبر من الاعتدال الديني عن نظرائهم بمنطقة الخليج، لكن ذلك لم يصل بهذه المنطقة إلى أن تكون بمأمن كامل عن تطورات الشرق الأوسط، مثل حركة الإحياء الإسلامي المتصاعدة منذ السبعينيات، وتحول الإسلام السياسي على مدار العقدين الماضيين إلى وسيلة شعبية لمعارضة الأنظمة غير الديمقراطية.

كما أن الرعاية الخارجية للمساجد والمدارس الدينية وتوفير منح لأبناء المنطقة لدراسة علوم الدين بدول مثل السعودية وإيران ساهم في تعزيز التيارات المحافظة من الإسلاميين. وتجلى هذا بشكل خاص في دول تفتقر إلى حكومة مركزية قوية، مثل موريتانيا ونيجيريا، أو تلك التي تتبع مذهبا إسلاميا أقل تشددا.

وجاء انتشار استخدام شبكة الإنترنت والمحطات التلفزيونية الفضائية وتقنية الهواتف المحمولة، لييسر الجهود الدعائية لـ"القاعدة" والاتصال بين العناصر المسلحة والعناصر الطامحة للانضمام إليها، ومن الواضح أنه منذ وقوع هجمات 11 سبتمبر عام 2001، تنامت أعداد أنصار أيديولوجية "القاعدة" بصورة هائلة، ومع أنه من الناحية التقليدية غابت مشاعر كراهية الولايات المتحدة عن شمال القارة السمراء فقد أسفر الغزو الأمريكي للعراق والتغطية الإعلامية أحادية الجانب لسياسات الاحتجاز والتحقيق الأمريكية عن إضفاء المصداقية على رسالة "القاعدة" داخل المنطقة الرامية لتصوير إجراءات أمريكية منفصلة باعتبارها جزءا من حرب منسقة ضد الإرهاب.

الحركة الإسلامية الدولية والجماعة السلفية

ومثلما تؤثر التوجهات الخارجية على السكان المدنيين بشمال غرب إفريقيا، يعمل الإرهابيون الإسلاميون داخل المنطقة في إطار توجهات الحركة الدولية الإسلامية المسلحة، ومنذ هجمات 11 سبتمبر طرأ تحول كبير على الشبكات الإسلامية الراديكالية، فتحولت من النموذج التنظيمي الهرمي (مع توافر رعاية دولة ما وقاعدة إقليمية وقيادة مركزية) إلى "شبكة من الشبكات" منتشرة بمختلف أنحاء العالم بدون هيكل قيادي يمكن تحديده، وتحولت "القاعدة" من منظمة يأتي ترتيب أهمية طبقاتها من أعلى إلى أسفل إلى منظمة مرتبة من حيث الأهمية من أسفل إلى أعلى، مع تركز المسئولية الكبرى عن تنفيذ الهجمات على الخلايا المحلية.

وبالرغم من صعوبة إقامة معسكرات تدريبية عمليا، فإن شبكة الإنترنت والحملات الدعائية ساعدتا في سد جزء من الفراغ، كما أن صعود الأنشطة الجهادية يسر انتشار الأيديولوجية الإسلامية العنيفة والمبادئ الأساسية الضرورية لشن الهجمات، ومع ازدياد أعداد أتباع "القاعدة" دونما توجيه من قائد معين، باتت أيديولوجيتها أكثر مرونة وأقل تناغمًا، مما زاد من جاذبيتها بالنسبة مجموعات متنوعة من الأفراد.

وربما ينفرد الشمال الإفريقي باندماج العديد من التوجهات المهمة للحركة الإسلامية المسلحة العالمية به، وخلقها بيئة تمكنت في إطارها من التطور والتعايش مع بعضها البعض، فقد شكل تنامي وانتشار الخلايا المحلية الراديكالية مشكلة داخل المغرب، وبقدر أقل في الجزائر وموريتانيا، حيث تختلط أيديولوجية "القاعدة" داخل هذه الدول بمشاعر الغضب المحلية إزاء الأنظمة غير الديمقراطية التي سمحت على امتداد سنوات طويلة بتحول المساجد إلى مراكز للنشاط السياسي الشعبي، وفي الوقت ذاته عمدت "القاعدة" مؤخرًا إلى تجديد جهودها الرامية لاستغلال مشاعر السخط المحلية من خلال الربط بينها وبين الجهاد العالمي ضد الغرب والأنظمة المسلمة المتحالفة معه.

وبالنسبة للجزائر فهي تعد موطن إحدى حركات التمرد الإسلامية القليلة المندلعة منذ أمد بعيد، والتي ركزت في بدايتها على القضايا المحلية، ولكن بحلول منتصف التسعينيات أصبحت تمثل شبكة دولية يصل مداها إلى الولايات المتحدة، وتشكل الجماعة السلفية للدعوة والقتال أحدث تجسيد للعنف السياسي الإسلامي بالجزائر، وبالرغم من اتباعها لتوجهات دولية أكبر عن الجماعات السابقة لها، فإن العنصر الجزائري ما زال متواجدًا بقوة في أجندة الجماعة.

وقد استفادت الجماعة من تحولها إلى هيكل يعتمد بقدر أكبر على الخلايا، الأمر الذي أضفى عليها مرونة وقدرة على التكيف، وأصبح من العسير اختراقها من قبل قوات مكافحة الإرهاب، وتمكنت الخلايا المحلية من استغلال بقايا الهيكل المتمرد الخاص بالجماعة المسلحة الجزائرية في الحصول على التدريب، كما تمكن أفراد مرتبطون بالجناحين العراقي والأفغاني من "القاعدة" من العمل بشمال غرب إفريقيا، وهو ما سهل الاتصال بين العناصر المحلية المسلحة والشبكات الإسلامية الدولية، وتتورط معظم هذه العناصر الإرهابية في الجريمة المنظمة، بما في ذلك السطو المسلح، من أجل تمويل أنشطتهم، ما يزيد من صعوبة تحديد ملامح التهديد الإرهابي بالمنطقة.

والآن، أصبحت الأنشطة الإرهابية بشمال غرب إفريقيا متنوعة ما بين تكتيكات التمرد التقليدية التي تفضلها الجماعة السلفية للدعوة والقتال والنموذج العصري للخلايا الحضرية الصغيرة المتميزة بصلات دولية وتستقي إلهامها من أيديولوجية راديكالية عالمية، وينطوي هذا التنوع على تداعيات تمتد إلى ما وراء الأضرار الفورية للعنف وضحاياه، ذلك أن الهجمات الصغيرة المستمرة تضر بالروابط التي تدعم المجتمع وتخلق شعورًا بالخوف وانعدام الثقة بين السكان، إلى جانب زعزعة الاستقرار السياسي والاقتصادي، بينما بمقدور الهجمات الكبرى المنفصلة الإضرار بصناعة السياحة وتثبيط الاستثمارات الأجنبية، أما المحصلة النهائية فتتمثل في إعاقة عملية الانفتاح السياسي وإحداث انتكاسة بالجهود التنموية على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي.

الإطار العام للجماعة السلفية للدعوة والقتال

ما تزال حركة التمرد بالجزائر أهم مصدر لأعمال العنف ذات الدوافع الإسلامية بالمنطقة، وكثيرًا ما يقع المسئولون الحكوميون والمراقبون من خارج المنطقة الذين يرفضون فكرة وجود تهديد ناشئ عن الجماعة السلفية في خطأ الاعتماد حصريًا في تقييم أدائها على مقارنتها بسابقتها "الجماعة الإسلامية المسلحة" بالجزائر.

فعند مقارنتها بالقدرة الهجومية للجماعة الإسلامية المسلحة وجهازها شبه العسكري وهي في أوج قوتها، تبدو الجماعة السلفية ضعيفة بالفعل، بيد أن قصر التركيز على هيكل الجماعة السلفية المرتبط بأنشطة التمرد يغفل قدرتها على العمل في إطار حركة الجهاد العالمية، وفي واقع الأمر، تعتبر الجماعة واحدة من الجماعات القليلة التي تمكنت من التغلب بفاعلية على الخط الفاصل بين الإرهاب الإسلامي المحلي والدولي ومنح أولوية متكافئة للعدوين "القريب" و"البعيد".

واتضح التزام الجماعة بالأجندة الجزائرية من خلال بياناتها التي شددت على عزمها الاستمرار في شن الجهاد المحلي ورفضها الاستسلام على الرغم من العروض المتكررة بالعفو. في الوقت ذاته أعلنت الجماعة عن عزمها مهاجمة أهداف فرنسية بكل من أوروبا والعراق، وبذلت بالفعل عدة محاولات لشن تفجيرات داخل فرنسا، ودعمت شبكة "الزرقاوي" في العراق معنويًا وماديًا، بل وسعت إلى محاكاة التكتيكات الخاصة بالشبكة من خلال نشر شريط مصور لذبح أحد الضحايا المختطفين.

وواقعيا يشكل هذا التقارب ذروة جهود تحقيق الهدف الرئيسي الخاص بالجماعة والمتمثل في الاندماج مع الشبكات المسلحة الدولية، لتنتقل الجماعة التي تأسست عام 1998 على يد مجموعة من الجزائريين تلقوا تدريبهم في أفغانستان إلى تحول راديكالي يعزز وضعها بوصفها الجبهة "الجهادية" القادمة، ومن المعتقد أن "أسامة بن لادن" تبرع بحوالي 40 ألف دولار للجزائريين لبناء البنية التحتية الخاصة بحركة التمرد الجزائرية، لكن بحلول أواخر التسعينيات تخلى الكثير من أبرز الإرهابيين الدوليين، ومنهم "بن لادن"، عن المتمردين الجزائريين، بينما أسفر العنف الجامح الذي مارسته الجماعة الإسلامية المسلحة وانتشار الاعتقاد بأنه جرى اختراقها من قبل قوات الأمن الجزائرية عن تحويلها إلى جماعة منبوذة داخل أوروبا، وبالتالي كان أحد أهداف مؤسسي الجماعة السلفية للدعوة والقتال هو استعادة السمعة الدولية لحركة التمرد الجزائرية وكسر العزلة المفروضة على المتمردين.

وداخليا، انقسمت الجماعة السلفية فعليا إلى مجموعتين، تعمل إحداهما في الشمال بقيادة "عبد المالك دروكال" (اسميًا على الأقل)، أما الثانية فتعمل بصورة رئيسية بالمنطقة الصحراوية الممتدة عبر جنوب الجزائر وشمال مالي وموريتانيا، وتخضع المجموعة الشمالية لقيود أكبر من جانب قوات الأمن الجزائرية عن نظيرتها الجنوبية، وتعتمد في تمويلها بصورة أساسية على عمليات الاختطاف بهدف طلب فدية والسطو المسلح، كما يتورط أعضاؤها من حين لآخر في مذابح صغيرة الحجم للمدنيين.

وعملت المجموعة الجنوبية حتى وقت قريب تحت قيادة "مختار بلمختار" أحد المسلحين الذين تلقوا تدريبهم في أفغانستان، ويرتبط "مختار" بعلاقات أسرية بمنطقة الصحراء الكبرى وتمكن من استغلال الفرص الإجرامية المتنوعة المتوافرة بها، خاصة في مجال التهريب، ودفعت هذه الأنشطة أعضاء المجموعة الجنوبية للسفر إلى مالي وموريتانيا ونيجيريا والنيجر وتشاد وربما السودان، واضطلعت هذه المجموعة بتنفيذ بعض أخطر هجمات الجماعة السلفية في السنوات الأخيرة؛ ففي مطلع عام 2003، اختطفت 32 سائحا أوروبيا، يعتقد أنها حصلت مقابل إطلاق سراحهم على 6 ملايين دولار، وفي يونيو عام 2005 هاجم أفراد منها قاعدة عسكرية بموريتانيا، وهو ما أسفر عن مقتل 15 جنديا، ومؤخرا قتل المهربون التابعون للجماعة السلفية للدعوة والقتال 13 من مسئولي الجمارك الجزائريين، ومن غير المعروف بعد تأثير وفاة "بلمختار" على هيكل وقدرات الخلية الجنوبية.

الشبكة الدولية للجماعة السلفية

عمدت الجماعة السلفية للدعوة والقتال إلى توسيع نطاق أنشطتها الدولية، وربما تحمل عمليات الجماعة الأكثر خطورة دلالات أهم إقليميا عن دلالاتها محليا. وقد اضطلعت بدور مهم في نقل المتمردين شمال الإفريقيين إلى العراق. ويذكر أنه في يونيو عام 2005 أعلنت القيادة الأمريكية أن ما يصل إلى 25% من منفذي الهجمات الانتحارية بالعراق ينتمون إلى شمال إفريقيا، خاصة الجزائر، وفي سبتمبر عام 2005 قامت الحكومة السورية بترحيل "عادل ساكر المقيني" (المعروف أيضًا باسم "ياسر أبو سياف") لمساعدته المقاتلين الأجانب على دخول العراق، ومن المعتقد أنه عمل كحلقة وصل جوهرية بين الجماعة السلفية وشبكة "الزرقاوي" بالعراق.

وتتسم الجماعة السلفية بتواجد كبير في أوروبا ويعمل عملاؤها على استغلال الشتات الضخم لأبناء شمال إفريقيا لجمع الأموال ونشاطات التجنيد، وتعتمد الجماعة في اتصالاتها على بقايا شبكة الاتصالات الخاصة بالجماعة الإسلامية المسلحة التي تواجدت بأوروبا على امتداد التسعينيات، وهو ما يتضح جليا في تفجيرات مترو باريس وصلة الجماعة بمجلة "الأنصار" المتشددة التي تتخذ من لندن مقرا لها.

ويعتقد أنه بعد حصول الجماعة على الموافقة الرسمية من القاعدة، أنها ستبدأ حلقات جديدة في جمع الأموال من الحركة الجهادية الدولية وتوجيه المزيد منها إلى الجزائر، ولهذا قامت سلطات فرض القانون الأوروبية بتفكيك العديد من الخلايا الإجرامية المعتقد ارتباطها بصورة مباشرة بالجماعة السلفية بالجزائر.

أما عن التجنيد والتدريب وعلى الرغم من قبول مئات الأعضاء بالجماعة العروض الحكومية بالعفو والذي انتهى في أغسطس 2006، فإنها وفي سياق رؤيتها لفرض نظام إسلامي بالجزائر تتعاون مع العناصر المسلحة من خارج الجزائر والذين سعى بعضهم للتدريب مع الجماعة والتعاون بمجال التخطيط لشن الهجمات مع أفرادها، خاصة من المغرب وتونس.
ومن العسير تقييم مدى نجاح جهود التجنيد الخاصة بالجماعة السلفية بدول الساحل الإفريقي الأخرى، لكن يبدو أنها نشطة بشمال نيجيريا بالمناطق التي سبق أن كانت معقلاً لـ"طالبان" النيجيرية، ومن ناحيتها أعلنت الحكومة النيجيرية أن الجماعة السلفية تدرب الشباب من أبناء هذه المنطقة للمشاركة في حركة التمرد العراقية.

من ناحية أخرى، سعت العديد من الخلايا الأوروبية بقيادة أفراد ذوي أصول شمالية إفريقية لإقامة علاقات مع الجماعة السلفية للدعوة والقتال، وهناك الكثير من الدوافع لأن يتجه الأوروبيون للتطلع نحو شمال إفريقيا فيما يخص فرص التدريب وشن الهجمات، على رأسها الجذور التاريخية للجماعة.

وعلى المستوى التكتيكي تتوافر فرص تدريبية أفضل بشمال غرب إفريقيا، وتنطوي على مخاطرة أقل عن الانتقال إلى مناطق القتال والصراعات، كما أنه من الشائع سفر الأوروبيين إلى هذا الجزء من إفريقيا لممارسة نشاطات تجارية وسياحية، الأمر الذي يثير شكوكًا بقدر ما يثيره السفر إلى العراق على سبيل المثال.

الشراكة عبر الصحراوية

كان من شأن التداخل بين الصراعات المحلية والأيديولوجية العالمية لـ"القاعدة" دفع المسئولين الأمريكيين للتركيز على شمال إفريقيا باعتبارها هدفا محتملا للهجمات، وملاذا آمنا أو قاعدة تجنيد للإرهابيين عاقدي العزم على شن هجمات بمناطق أخرى.

وتتمثل الأداة الرئيسية التي يتم من خلالها تنفيذ السياسة الأمريكية لمكافحة الإرهاب في هذه المنطقة في "الشراكة عبر الصحراوية لمكافحة الإرهاب"، والتي تقودها وزارة الخارجية الأمريكية وترمي لتحقيق الأهداف التي وضعتها عدة وكالات أمريكية من خلال العمل مع وتمكين الشركاء المحليين، وتضم الشراكة تسع دول: الجزائر، تشاد، مالي، موريتانيا، المغرب، النيجر، نيجيريا، السنغال، وتونس. وقد جرت صياغة الشراكة باعتبارها مبادرة طويلة الأمد تصب تركيزها على مساعدة مسئولي الحكومات والهيئات العسكرية والشرطية المحلية في جهودها للحد من الظروف التكتيكية والإستراتيجية الموائمة لعمل الإرهابيين بمنطقة شمال غرب إفريقيا، بينما تضمنت الأهداف متوسطة المدى مساعدة الحكومات المحلية في تناول الأسباب الجذرية للإرهاب، مثل الفقر والبطالة بين الشباب. وتضطلع وزارة الخارجية الأمريكية بدور الريادة في هذا البرنامج، وتتحمل مسئولية التنسيق التكتيكي بين مختلف الوكالات.

أما وزارة الدفاع فقد تولت مسئولية تنظيم التدريب بين المؤسسات العسكرية من خلال القوات الأمريكية الخاصة المتواجدة بالقيادة الأوروبية الأمريكية في شتوتجارت بألمانيا، وذلك في إطار الجهود الأوسع التي تبذلها الوزارة لتعزيز القدرات العسكرية للدول الإفريقية المهمة.

أما دور الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في البرنامج فلا يزال في مراحله الأولى وتمويله ضعيف، لكن يأمل العاملون به تنفيذ تدخل إنساني تجاه السكان الفقراء المعرضين للتعاون مع الإرهابيين بدافع الحاجة الاقتصادية، وما تزال ملامح مشاركة مكتب التحقيقات الفيدرالي في البرنامج غير واضحة على الرغم من ضرورة مشاركته في تدريب العاملين في مؤسسات فرض القانون على جمع الاستخبارات وإستراتيجيات المنع والتحقيقات الجنائية.

وبصورة عامة، يحمل البرنامج إمكانات كبيرة لتحقيق النجاح، وتعتمد فاعلية بناء التعاون بمجال مكافحة الإرهاب في معظمها على عنصرين هما: إرادة الدول المشاركة وعزمها على تطبيق المهارات التي تم استيرادها، والقدرة على تحقيق بعض الإجماع على الأقل حول حجم التهديد الإرهابي بمنطقة بعينها.


باحثة بالمركز الدولي للتقييم والإستراتيجية بالمملكة المتحدة، درست بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى الشبكات الإرهابية في شمال أفريقيا.

*موجز لدراسة نشرت على موقع معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، سلسلة بوليسي فوكس Policy Focus، العدد رقم 65، فبراير 2007، تحت عنوان "الإرهاب الإسلامي في شمال غرب أفريقيا.. هل هوشوكة في عنق الولايات المتحدة؟".

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات