|
في دولة يعاني شعبها منذ عام 1978م ويلات الحرب الأهلية، ثم ويلات الاحتلال السوفييتي منذ عام 1979م، وحتى عندما بدأ يفرح بانتصاره، وانسحاب قوات الاحتلال، إذا هو يعاني من ويلات حرب أهلية أخرى لم تنتهِ بعد، بالإضافة إلى جفاف لم يشهد العالم مثله دام حتى الآن أربع سنوات، بالإضافة إلى الفقر المدقع والأمراض المعدية، إذا بالشعب الأفغاني ينتظر مأساة أخرى ومحنة لا يعلم منتهاها بالهجوم الأمريكي المتوقع على أراضيه.
وفي ظل هذه الظروف أكَّدت منظمة الصحة العالمية بالاشتراك مع منظمة اليونيسف وبرنامج الغذاء العالمي يوم 21 من سبتمبر الحالي في أحد المؤتمرات الصحفية، أن كارثة صحية مفجعة على وشك الحدوث.
ويبدو أن الحكومة الأمريكية لا تضع في حسبانها هذا الجانب الإنساني، فالناس لا يوجدون إلا بأمريكا، والأرواح الغالية لا توجد إلا هناك، أما ما سواها فرخيص رخص التراب. وفي حين لا يعترض عاقل على تعقّب مجرم خطير في حالة إدانته بالفعل عقب إظهار الأدلة القاطعة على مسئوليته عن جريمة مأساوية، فإن عقاب المجرم لا يكون من خلال عقاب شعب بأكمله يعاني بالفعل من أكبر مأساة إنسانية على وجه الكرة الأرضية في تاريخنا الحديث.
ويمثل لاجئو الشعب الأفغاني أكبر مجموعة للاجئين في العالم منذ 19 عامًا على التوالي، حتى أن تعداد اللاجئين الأفغان قد وصل إلى 6.2 ملايين لاجئ في بعض الأوقات، والذي يمثل أكبر عدد للاجئين من شعب واحد على مدى التاريخ. هذا بخلاف الأوضاع الداخلية التي تتسم بانعدام وجود بنية تحتية ووجود ما يقرب من مليون مرحَّل داخلي من بين حوالي 22.7 مليون هو العدد الكامل للشعب الأفغاني. كما أن الجفاف الشديد الذي أصاب البلاد منذ أربعة أعوام قد أدى إلى المزيد من الفقر والجوع داخليًّا والضغط على الدول المجاورة؛ حيث يضطر الكثير إلى اللجوء إلى الدول المجاورة بعد فقدانهم الأمل في تغذية أسرهم إثر فشل محصولهم الثالث على التوالي.
الأوضاع الصحية للشعب الأفغاني
داخل حدود أفغانستان نفسها تتوافر الخدمات الصحية الأساسية لـ 35% فقط من الشعب، ويتلقّى أقل من 45% من الأطفال ما يلزمهم من تطعيمات أساسية، كما أن الرعاية الطبية لا تتوافر إلا لـ 12% فقط من النساء الحوامل. أما معدل وفيات الأطفال الرضع فيصل إلى 152 وفاة لكل 1000 ولادة حيّة، ومعدّل وفيات الأطفال أقل من 5 سنوات هو 257 وفاة لكل ألف ولادة حيّة، أما معدل وفيات الأمهات فيصل إلى 820 وفاة لكل 100 ألف ولادة حية.
هناك الكثير من الأمراض المعدية تستشري داخل المجتمع الأفغاني. فمعدل الإصابة بمرض السلّ مثلاً هو 14.4 لكل 100 ألف شخص على مستوى جميع فئات الشعب. هناك أيضا حوالي 3 - 4 ملايين شخص يصابون كل عام بمرض الملاريا. أما مرض الكوليرا والذي يعتبر مرضًا مستوطنًا داخل أفغانستان فحدِّث ولا حرج، خاصّة أن مستويات النظافة وتوفير المياه النظيفة بالبلاد لا تصل إلى الحد الأدنى لكرامة الإنسان.
فعلى سبيل المثال فقط، بلَّغت منظمة الصحة العالمية بحدوث 24639 حالة كوليرا في عام 1999م فقط. أما في عامنا هذا فقد بلّغت المنظمة حتى شهر يوليو الماضي بحدوث 4499 حالة كوليرا نتج عنها 114 حالة وفاة. تحدث أيضًا أكثر من 85.000 حالة وفاة بين الأطفال كل عام بسبب نزلات الإسهال. أما الأسباب الأخرى لوفيات الأطفال فتشمل الحصبة، والكزاز (التيتانوس) الذي يصيب حديثي الولادة neonatal tetanus، والالتهاب الرئوي. بلّغت المنظمة أيضًا في شهر يوليو من عام 2000م عن حدوث 27 حالة من الحمّى النزيفية الحادّة acute haemorrhagic fever تشمل 16 حالة وفاة. هذا بالإضافة إلى انتشار الالتهاب السحائي، وشلل الأطفال، والجذام، ووفاة 1 - 2% من الشعب عام 1999م بعد الإصابة بوباء الأنفلونزا الذي انتشر بالبلاد.
كما ذكرنا، فإن ضعف البنية التحتية يزيد من خطورة الأوضاع الصحية داخل أفغانستان. فلا تصل المياه النظيفة إلا إلى 19% من الأفغان داخل المدن، و11% داخل الريف. أما خدمة الصرف الصحي فلا توفر إلا إلى 25% من الأفغان داخل المدن و8% داخل الريف.
الأوضاع الغذائية داخل أفغانستان
يقول المتحدث الرسمي لبرنامج الغذاء العالمي أن إمداداتهم من الأغذية داخل البلاد في الوقت الحالي والتي كان من المتوقع أن تكفي لمدة أسبوعين فقط، لا يتوقع تجديدها قبل شهر من الآن في أحسن الظروف، وذلك بعد خروج عُمَّال الإغاثة من أفغانستان إثر المخاوف من الهجوم الأمريكي على الأراضي الأفغانية. هذا إلى جانب الجفاف الشديد الذي أدى إلى لجوء أعداد هائلة من الأفغان إلى البلاد المجاورة، والتي تعاني هي الأخرى منذ سنين عدَّة من ضغوط هؤلاء اللاجئين على مواردها الخاصة مع وجود جفاف وفيضانات بتلك المناطق.
وبالتالي يُتوقع أن تُحدث الهجمات الأمريكية المنتظرة ضغطًا شديدًا على الاقتصاد في البلاد التي تجاور أفغانستان، وهو ما أدى إلى إعلان اليابان يوم الجمعة 21-9-2001م عن إعانة دولة باكستان بما يوازي 40 مليون دولار أمريكي من أجل دعم الاقتصاد الباكستاني، والذي يتوقع أن يتأثر بشدة في حالة اندلاع حرب جديدة في أفغانستان. كما تودُّ اليابان تشجيع باكستان بذلك حتى تتعاون مع الولايات المتحدة في حربها المزعومة ضد الإرهاب.
مما يزيد الطين بلَّة، أن المرحلة الحالية تتزامن مع فصل زرع القمح والذي من المفروض أن يتم حصاده في مايو 2002م. هذا الحصاد يمثل 80% من إنتاج القمح الأفغاني، إلا أنه بسبب عمليات الترحيل المكثفة التي بدأت بالفعل نحو الحدود، وتعطيل برامج إعادة التأهيل والتنمية التي تتولى مسئوليتها منظمات الإغاثة، بالإضافة إلى إغلاق حدود الدول المجاورة، وهو ما سيؤثر على عمليات استيراد الأسمدة اللازمة للمحصول، ويتوقع أن تعاني الدولة الأفغانية من انخفاض ملحوظ في إنتاجية القمح. هذا مع العلم بأن إنتاج القمح قد انخفض بمقدار النصف مما كان عليه عام 1998م مع زيادة في الاستيراد بمقدار ثلاثة أضعاف.
وحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية، فإن الشعب الأفغاني يعاني بشدة من سوء التغذية؛ حيث يعاني 4% منه من الهزال، و16.1% من الهزال الشديد، و47.6% من تعوّق في النمو الطبيعي، و49.3% من وزن أقل من الطبيعي. هذا بالإضافة إلى انتشار فقر الدم؛ بسبب نقص الحديد ونقص اليود، وهو ما يؤدي إلى تضخم الغدة الدرقية، والذي يصيب 25% من النساء، و19% من أطفال المدارس.
معسكرات اللاجئين
عدد اللاجئين الأفغان حسب تقرير للأمم المتحدة بتاريخ 10-9-2001م هو 3.696.000 موزعين على باكستان، وإيران، وروسيا، ودول آسيا الوسطى، والهند، وأوروبا، وأمريكا الشمالية، وأستراليا. هذا بالإضافة إلى عشرات الآلاف من اللاجئين الذين لم يتم حصرهم من الأمم المتحدة حتى الآن. ويتوقع أن يرتفع هذا العدد بمقدار 5 ملايين في حالة شنِّ هجوم أمريكي على الأراضي الأفغانية.
باكستان وحدها بها الآن - ودون الوضع في الاعتبار الأوضاع الجديدة - حوالي 2 مليون لاجئ أفغاني. ومن أجل تصور الأوضاع داخل معسكرات اللاجئين، فهناك مثلاً معسكر "جلوزاي" الذي يتكون من جزأين: جزء قديم متكون من بيوت طينية موفر بها خدمات المياه والصرف الصحي. وجزء جديد مكوَّن من خيام صغيرة منظمة على هيئة مجموعات كل مجموعة تحتوي على 400 أسرة. يقيم بكل خيمة 5 - 6 أشخاص في مساحة تقدر بـ 2م × ½ متر. وهناك دورة مياه واحدة لكل 20 شخصًا. إمدادات المياه ضعيفة للغاية، كما أن الصابون لا يوفر إلا بالكاد، وبالتالي مستويات النظافة سيئة للغاية. انتشار الأوبئة داخل المعسكرات كثير الحدوث، بالرغم من وجود خدمة طبية توفر من قبل منظمات الإغاثة الدولية والمحلية.
وحسب أحد التقديرات، فإن حوالي 2.5 مليون أفغاني قد توفي في خلال العشرين سنة الماضية لأسباب ترتبط مباشرة بالحروب، أو المجاعات، أو ضعف الخدمات الصحية. ويتوقع أن تزيد هذه الأرقام بعشرات الآلاف إثر الهجوم الأمريكي المرتقب، ربما ليس بسبب مباشر للضربات العسكرية، إنما بسبب تحركات الترحيل، وقلَّة الإمدادات الغذائية، واختفاء الخدمات الصحية، ودخول فصل الشتاء القارص الذي تصل درجات الحرارة فيه إلى 25 درجة مئوية تحت الصفر في وسط كل هذا.
هذا الشعب الذي كُتب عليه أن يعاني طويلاً يبدو أن معاناته ستستمر؛ بسبب عجرفة آخرين، وأخذ البريء بذنب الظالم حتى ولم لم يثبت أنه ظالم!.
|