English

 

الثلاثاء. ديسمبر. 12, 2000

علوم و صحة » علوم » أحياء

 

جنون العالم.. بجنون البقر

نهى سلامة

يقبع الآن "آرنود" صاحب الثمانية عشر ربيعًا في أحد المستشفيات الفرنسية بأطراف مصابة بالضمور وقدرة على الكلام متلاشية. باختصار في انتظار الموت. والسبب هو هذا المرض المحيِّر الذي نشر الذعر في كل مكان بأوروبا ألا وهو جنون البقر.

(Bovine Spongi From EncephaloPhathy ) BSE ظهر في فرنسا ثلاث حالات منها حالة هذا الشاب.. وحالات أخرى مشابهة في أسبانيا وألمانيا.. نزلت مبيعات هذه الدول من20 إلى 30% وحظرت لحومها في إيطاليا وبولندا واليونان. ويقف الجميع في دهشة، مما يحدث أمام أعينهم، تكاد أعينهم تعجز عن إيجاد الحلول المناسبة لها "كارثة أوروبا" كما تسميها صحيفة لوموند الفرنسية. الكارثة بحق بريطانيا؛ حيث ظهر ما يقرب من 80 حالة حتى مارس 1996م ذبح 4.7 ملايين رأس من الماشية وأحرقت نفايتها الخطيرة.

النشأة المحيرة

ظهرت أول ماشية مصابة بالمرض في عام 1970م ولم تحقق هذه الحادثة من قبل معمل الطب البيطري المركزي في بريطانيا.. ثم أصيبت أخرى في عام 1985م، وتحقق في الأمر مَبْدئيًّا من قبل معمل "علم الأمراض"، ثم ظهر حالتان أخريان في 1986م حددتا على أنهما أصيبا بأحد الأمراض التي تنتمي لمجموعة "الأمراض المعدية التي تسبب الدماغ الإسفنجية" TSE (Transmissible Spongi From EncephaloPhathy ). ألا وهو مرض جنون البقر BSE .

ظهرت عدة نظريات تحاول تفسير سبب هذا المرض، منها: تعرض الماشية للمبيدات الحشرية التي يدخل في تركيبها الفوسفور العضوي تسبب في ذلك. وهناك نظرية أخرى فسَّرت الأمر على أنه خلل في النظام المناعي الذاتي.. وغيرهما من النظريات التي باءت جميعها بالفشل. أقوى نظرية توصَّل لها الباحثون حتى الآن، أن المرض جاء نتيجة طفرة جينية Genetic mutation ليس أكثر.. وسيظل منشأه غير مؤكد دائمًا.

هل المرض يصيب الإنسان؟

ظهر المرض بوضوح وعرف إعلاميًّا في عام 1986م إلا أن الجهود الحكومية لم تكن على المستوى المطلوب في معالجة الأمر للأسف الشديد، مما زاد من حجم المشكلة. لم يكن هناك تصديق أن المرض يصيب الإنسان حتى عام 1996م حينما أعلن ذلك رسميًّا.

أعلن Stephen Dorrell في مارس 1996م سكرتير وزارة الصحة البريطانية في البرلمان أن عشرة أشخاص من الشباب تناولوا لحومًا مصابة بجنون البقر BSE ، وتسبب ذلك في إصابتهم بمرض الـ CJD (Crutzfeldt – Jakob disease ) المعروف بمرض "يعقوب" اليهودي أول من أصيب في العالم بهذا المرض في ليبيا.

العلاقة بين BSE , CJD

بفكرة علمية مبسطة - فإن الإنسان يصاب بمرض CJD الذي يصيب الوظائف الدماغية إذا ما تعرض للعدوى من ماشية مصابة بمرض جنون البقرBSE ، ينتمي مرض CJD أيضًا إلى مجموعة من TSE (الأمراض المعدية التي تسبب الدماغ الإسفنجية)، وهذه المجموعة تصيب الدماغ وتتسبب في فجوات ميكروسكوبية بداخله تعطيه شكل "الإسفنج"، ومن هنا جاء الاسم، وهي أمراض مميتة للحيوان المصاب والعائلHost الذي أصابته العدوى سواء كان إنسانًا أو حيوانًا.

وقد تضاعفت حالات CJD من عام 94 إلى 95 بعدما كانت نسبة 1 في المليون في وقت استفحال مشكلة جنون البقر، مما قوى نظرية العلاقة بين المرضين.

كيف تحدث العدوى؟

لكل حيوان كتل بنائية ألا وهي البروتيناتProteins .. وهي عبارة عن أجسام دقيقة لها تركيبات كيميائية مختلفة. مرض جنون البقر يشوِّه واحدًا من هذه البروتينات بكميات كبيرة داخل الدماغ حتى يحوله إلى الشكل الإسفنجي وتحدث الوفاة.

لو أن هذه البروتينات انتقلت إلى الإنسان أو إلى ماشية أخرى فإن البروتينات هي الأخرى تتشوَّه في جسمه وتسبب الوفاة.

وكلما تشابه نوع البروتين بين الحيوان المريض وعائله، كانت العدوى أسهل؛ لذلك فإن العدوى بين النوع الواحد من الماشية أسهل وأقوى من غيره، كما يؤثر أيضًا في العدوى الجرعة وطريقة التعرض للمرض.

هذه البروتينات المسببة للمرض لا تعتبر فيروسا ولا ميكروبا.. فأطلق عليها العلماء اسم "Prion " اختصار جملة (أجسام بروتينية مصابة) ( Protaienus Infectious Particles ). تنتقل العدوى من الحيوان إلى الإنسان عن طريق الأكل المباشر أو تناول دهون الحيوان أو الجيلاتين المستخرج من جلد وعظم الماشية.. وسجلت بعض الحالات مصابة بالعدوى عن طريق أدوات وأجهزة جراحية يدخل في تصنيعها أنسجة حيوانية مريضة.

وقفة مع مرض الإنسان CJD

يتسبب هذا المرض في قصور في الوظائف الدماغية سريعة ومتتالية يصاحبها اضطرابات عصبية عضلية.. وهو يؤثر في الرجل والمرأة على حد سواء، إلا أن الشباب كانوا أكثر عرضة للإصابة بمرض CJD الذي يسببه مرض جنون البقر؛ وذلك لأنهم يتناولون لحم البرجر بكميات كبيرة.. كما أن المرض يستطيع اختراق الجلد والأنسجة المخاطية الملتهبة فبذلك يصيب الأطفال الذين يتعرضون بكثرة إلى التهاب اللوزتين والتهاب المعدة.

ينتقل CJD من شخص لآخر سواء بالوراثة أو العدوى من خلال المعالجة الطبية كالتلوث الجراحي بالأدوات في الكشف أو العمليات الجراحية.

يتراوح عمر المريض من وقت ظهور الأعراض إلى موته في حدود سنة قد تقل أو تكثر، تبدأ الأعراض الأولية بنوم ثقيل، اكتئاب واضطراب، تغيرات سلوكية وشخصية، مشاكل مع الذاكرة، الرؤية، اتساق الأعضاء وتدهور في الحالة الجسمانية.

ثم تتقدم الأعراض حتى تتسبب في قصور الوظائف الدماغية خطوة فخطوة، وتبدأ مشاكل التحدث والرؤية تتفاقم.. ويعيش في حالة ذعر، وتضمر عضلاته الجسمانية، ويقوم بحركات متشنجة غير إرادية تسمى بالارتجاح العضلي Myoclonus . ثم يدخل في حالة إغماء Comma ثم يفضي إلى الموت.

مما يزيد من الكارثة

تشخيص CJD صعب للغاية، يعتمد تشخيصه على أخذ عينة حية من الأنسجة Biopsy وهو أمر مكلف وله خطورته.. ولا تنظر هذه الطريقة بعض الحالات.. ويحدث لبس بينهما وبين أمراض أخرى كالالزهيمر.

CJD ليس له علاج حتى الآن، وله فترة حضانة طويلة جدًّا تصل إلى أكثر من 5 سنوات، ومرض جنون البقر BSE له فترة حضانة تقل قليلاً.. ويصيب بقرة واحدة في القطيع كله.. وله علامات ظاهرية مشابهة لأمراض أخرى. كما أنه لا يعرف إلا بعد ظهور الأعراض. فقد يتواجد المرض لمدة عشر سنوات دون معرفته.

علامة استفهام"؟"

لا يعرف عدد المصابين بالضبط حتى الآن، وقد ذكرت رويتر الشهر الماضي أن اختبار جنون البقر لم تثبت صحته تمامًا، وغير معروف إلى أي مدى يمكن الاعتماد عليه، مما فتح الباب على مصراعيه أمام علماء الأجيال القادمة الذين لم يزدهم علماء الحاضر إلا حيرة وتساؤلا.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
 
 
 

ابحث

بحث متقدم