English

 

الأربعاء. أبريل. 11, 2007

أخبار وتحليلات » تحليلات وآراء » المنطقة العربية » الجزائر

 
   
روابط من إسلام أون لاين  
أهم الأخبار  

برلمان الجزائر 2007.. الإسلاميون يتراجعون

محاند أمقران

Image
الإسلاميون يتراجعون بعد تشقق حركة الإصلاح
قبل أن تعلن وزارة الداخلية الجزائرية عن القوائم الانتخابية المقبولة وفق قانون الانتخابات، طعن الشيخ عبد الله جاب الله الذي أطيح برئاسته من حركة الإصلاح الوطني بقرار من الداخلية، بنزاهة الانتخابات التشريعية المزمعة في 17 مايو 2007، فقال في تصريح صحفي "إن الانتخابات القادمة غير نزيهة، وستشهد تزويرًا واسعًا لصالح الأحزاب الموالية للسلطة، وإن كان بينها أحزاب إسلامية سيكون تمثيلها هزيلاً في البرلمان".

جاء تصريح جاب الله في أعقاب خسارته الفرصة الأخيرة التي كان يأمل ولو يائسًا أن تتراجع وزارة الداخلية عن قراراها الذي منحت بموجبه الاعتماد لخصومه في الحزب، وتسمح لجاب الله بالمشاركة في الانتخابات باسم "حركة الإصلاح"، مثلما سمحت له بالمشاركة من قبل في الانتخابات الجزئية بمنطقة القبائل، وانتخابات تجديد نصف أعضاء مجلس الأمة، ومعاملة السلطة معه كرئيس حزب حتى الأمس القريب.
 
لكن وزارة الداخلية خيّبت أمل الشيخ، وأصرت على موقفها باعتماد جناح خصمه "محمد بولحية" الذي أصبح رئيسًا لحركة الإصلاح بعد عقد مؤتمرها مطلع شهر مارس 2007، ويطعن جاب الله بشرعية هذا المؤتمر، أولاً: لعدم حضور غالبية أعضاء مجلس شورى الحركة، أعلى هيئة في الحركة بين مؤتمرين. وثانيًا: إن القائمين على المؤتمر (قيادة الجناح الآخر) فصلوا من الحركة، وكان فصلهم بقرار من القضاء الإداري، وبالتالي هؤلاء –بنظر جاب الله- اعتدوا على الحزب بدعم ومساندة جهات نافذة في السلطة.

تصدع حركة الإصلاح الوطني

لقد أصاب جاب الله بعض الحقيقة في تحليله لشق حركة الإصلاح الوطني، لكنه جانب الصواب عندما تصور النزاع يقصده "شخصيًّا"، ويبرر ذلك بأن ترشحه في الانتخابات الرئاسية كمنافس للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وعدم مشاركته في الحكومة وهو ثالث حزب في البرلمان، وإصراره على البقاء في صف المعارضة.. جعلت منه هدفًا للسلطة كي تبعده عن الحزب.

صحيح أن الشيخ جاب الله شخصية كاريزمية، وخطيب مفوّه، وداعية مشهود له، لكن قصة الإصلاح، الحزب الإسلامي، والثالث من حيث العدد في البرلمان، لا تنسجم البتة مع توجهات السياسة الجزائرية الجديدة والتي ظهرت معالمها بعد الانتخابات الرئاسية عام 2004، حيث شهدت تحسنًا ملحوظًا في العلاقات الجزائرية الأمريكية والتي تعني فيما تعنيه تقليم أظافر الأحزاب الإسلامية.

وما يسهل من المهمة السابقة، أن مجموعة من المجلس الشوري بدأت في التمرد على جاب الله؛ لأنه حسب مبررات نشروها في بياناتهم "ديكتاتوري في تعامله مع أعضاء الحركة، ووسع من صلاحياته على حساب مؤسسات الحركة"، إضافة إلى تقديم حجج أخرى كانت وراء شق عصا الطاعة للشيخ جاب الله.

واللافت أن مثل هذه التهم للشيخ جاب الله طفت على سطح الحركة فجأة، بعد أن كانوا قبل أقل من شهر على صدور أول بيان لهم في مايو 2005، يرون أن الشيخ جاب الله هو القائد ليس لحركة الإصلاح فحسب، بل للجزائر الدولة والشعب. ولم يكن أي من خصوم جاب الله يقتنع بأن الانشقاق يضعف حزبهم في الانتخابات التشريعية المقررة في 2007، أو أنهم يدركون مخطط السلطة المقصود لتحجيم الإسلاميين في البرلمان القادم وفق توجه السلطة الجديد.

وبعد عامين من المماحكات بين جاب الله وخصومه، التزمت وزارة الداخلية الحياد "بأنها لا تتدخل في الشئون الداخلية للأحزاب"، فأنهك الطرفان، وكان لا بد من حسم الصراع في اللحظة المناسبة. وجاء الحسم بتمكين خصوم جاب الله من قيادة حركة الإصلاح، وهي مجموعة أمضت حياتها السياسية خلف جاب الله، وغطت عباءته أي ظهور شعبي لهم، فحركة الإصلاح شأن الأحزاب الجزائرية الأخرى، شخصانية، كانت تسمى بالصحافة "حركة جاب الله" أو "إصلاح جاب الله"، فهو أكثر شهرة من الحزب نفسه، كما كان الحال من قبل مع حركة النهضة التي كان رئيسها، وانشق عنها عام 1999 قبيل الانتخابات الرئاسية؛ لأنها انقسمت بين مؤيد ومعارض لتزكية "مرشح الإجماع" عبد العزيز بوتفليقة، فأسس جاب الله حركة الإصلاح وترشح للانتخابات الرئاسية.

تحجيم الإسلاميين

اليوم لا يستطيع جاب الله أن يرمي حركة الإصلاح خلفه كما فعل مع النهضة ويؤسس حزبًا جديدًا، فالسلطة أغلقت باب اعتماد أحزاب جديدة؛ إذ يوجد الآن ثلاثة أحزاب ومن مشارب سياسية مختلفة لم تعتمدها وزارة الداخلية. فقصرت يد الشيخ جاب الله في الرد على ما فعله إخوة الأمس وخصوم اليوم، وما فعلته وزارة الداخلية بإنصاف الخصوم عليه، جعله يطعن بمصداقية الانتخابات خاصة أن دعوته لمقاطعة الانتخابات لم تجد صدى لدى أتباعه، فترشحوا على قوائم أحزاب صغيرة في ولاياتهم.

وأيضًا خيبت السلطة آمال مدني مزراق قائد ما يسمى "الجيش الإسلامي للإنقاذ" الذراع العسكرية لـ"جبهة الإنقاذ الإسلامية" المحظورة، حيث وعدته جهات بالسلطة بالمشاركة بالانتخابات التشريعية عبر قوائم حزب صغير، لدرجة أن مزراق غالى بالتفاؤل وراح يعلن عن تأسيس حزب على أنقاض جبهة الإنقاذ، باسم جديد؛ لأن الهدف حسب رأيه - المشروع الذي ناضل من أجله الأجداد. وجادل مزراق عبر الصحافة بحق أتباعه بالانتخابات وقد صدر بحقهم عفو رئاسي عام 2000، وأنهم غير معنيين بقوانين المصالحة الوطنية، وهذا رد على تصريحات وزير الداخلية نور الدين زرهوني، ورئيس الحكومة عبد العزيز بلخادم "بأن قوانين المصالحة الوطنية واضحة بالحظر الكامل لأي نشاط سياسي لمن تسبب بالمأساة الوطنية". وبقيت هذه المادة في قوانين المصالحة الوطنية ضبابية لم تحدد من هؤلاء المعنيون بالحظر السياسي، فالبعض فسرها، بأنها تقصد قيادة جبهة الإنقاذ، ولكن من منهم؟.

بقي الغموض سيد الموقف، والأمر ليس صدفة، بل مقصودًا ليكون سيفًا مسلطًا في وجه كل من لا تريده السلطة، فسبق لها أن شطبت من قوائم الانتخابات عام 2002 كل من كان يومًا في جبهة الإنقاذ، رغم أن صفحة السوابق العدلية لهم بيضاء وليسوا محاكمين أو متابعين، وحينها برّر وزير الداخلية زرهوني الأمر "لعدم إثارة ضحايا الإرهاب".
ويثور السؤال: لماذا جرى ما جرى لحركة الإصلاح الإسلامية ليؤتي أكله عشية الانتخابات التشريعية؟ ولماذا تراجعت السلطة عن وعودها لمدني مزراق بالمشاركة بالانتخابات؟ وما تأثير المتغيرات الدولية بما حدث ويحدث؟.

السلطة وأمريكا يلتقيان

عندما تصرح الدكتورة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية في أعقاب تشكيل الحكومة الفلسطينية وفق اتفاق مكة "نأسف أن تكون حركة حماس داخل حكومة الوحدة الوطنية".. تقول هذا متناسية موقف بلادها من الانتخابات التشريعية الفلسطينية "بأنها انتخابات نزيهة وشفافة"، والعالم أجمع شهد بنزاهة الانتخابات الفلسطينية التي أسفرت عن اكتساح حركة حماس لأغلبية مقاعد البرلمان والتي مكّنتها من تشكيل حكومة لوحدها برئاسة إسماعيل هنية بعدما رفضت حركة فتح المشاركة معها في الحكومة. وطبعًا حوصرت حكومة "هنية" حصارًا دوليًّا وعربيًّا غير مسبوق.

هذا المشهد الفلسطيني له امتداده في كل دولة عربية تسوّل لها نفسها أن تسمح للتيار الإسلامي بالوصول إلى السلطة ولو بانتخابات نزيهة وشفافة، أو حتى الوجود بمؤسسات الدولة وإن كانت هذه المؤسسات ليست صاحبة قرار ما كالبرلمان.

فالقرار الأمريكي بتحجيم التيار الإسلامي حيث وجد صدر في أعقاب فوز حركة حماس الفلسطينية. والولايات المتحدة حاليًّا هي صاحبة القرار الدولي كإمبراطورية العصر. وبالتالي الدول الأخرى تكون أتباعًا لهذه الإمبراطورية وليس حلفاء، فكان على دول مثل مصر والجزائر والأردن وغيرها ممن لديها تيار إسلامي شعبي أن تعمل على تحجيم هذا التيار بإحدى الطريقتين، التدجين أو التكسير.

ففي الجزائر نجحت السلطة في تدجين حركة مجتمع السلم التي أسسها المرحوم الشيخ محفوظ نحناح، ذو التعبير الشهير "خذ وطالب"، ويعني الوقوف على خطوة من السلطة ليأخذ ما تعطيه، وعلى خطوة من المعارضة ليقنع أتباعه أنه معارضة. وبعد وفاة الشيخ نحناح، وقفت الحركة بالكامل مع السلطة لتكون أحد أطراف التحالف الرئاسي، وما كان يسمى معارضتها للنظام أصبح من ذكريات مرحلة سابقة في الماضي البعيد. وإن كسبت حركة مجتمع السلم ثلاث حقائب وزارية، فإنها خسرت شعبيًّا خسارة كبيرة، بانخفاض تمثيلها في البرلمان بأكثر من ربع مقاعدها، ولا أحد يسمع لتبريرها بتزوير الانتخابات، والمتوقع أن ينخفض تمثيلها أكثر في الانتخابات القادمة. وهو ما ينتظر حركة الإصلاح أيضًا، فصاحبة الـ43 مقعدًا في البرلمان والمرتبة الثالثة فيه، ستعرف تراجعًا مريعًا، لا يختلف عما أصاب حركة النهضة سابقًا، فبعد 34 مقعدًا للنهضة في انتخابات برلمان 1997، حصدت مقعدًا واحدًا فقط في انتخابات 2002 جراء الانشقاق.

والحالة هذه، يتوقع أن ينخفض تمثيل التيار الإسلامي في البرلمان القادم لصالح قوى اقتصادية جديدة، أوجدتها ظروف الانفتاح الاقتصادي في البلاد، فتمثيل القوى الاقتصادية القريبة من دائرة صنع القرار سيكون له حضور يزيد عن 30%.

هذا فضلاً عن مزاج الناخب الجزائري الذي شهد على مدى السنوات الخمس الماضية خلافات المعارضة وانشقاقاتها، وبحثها عن مكاسب حزبية. يجد المواطن نفسه غير معني بها، إلى القدر الذي يرجح أن يصوت للسلطة في انتخابات 2007 انتقامًا من المعارضة على عكس ما فعل في انتخابات 1990، حيث صوت لجبهة الإنقاذ انتقامًا من السلطة.

الآن وبعد 17 عامًا من بدء التعددية السياسية في الجزائر يقف الناخب مع السلطة انتقامًا من المعارضة.. معارضة لم يرَ منها سوى البحث عن مكاسب شخصية، والدمار كما سوّق الإعلام العالمي للحركات الإسلامية.

والحاصل أن المعارضة "الإسلامية" اليوم تحاصر نفسها بالانشقاقات عشية الانتخابات، وهي بذلك ترضخ لحصار خارجي يشارك السلطة في عدم تقبل الإسلاميين.. وبين الإرادة الكونية لتحجيم التيار الإسلامي وإضرار الإسلاميين بأنفسهم لن يجد المواطن إذن سوى التصويت للسلطة انتقامًا من المعارضة.


  باحث سياسي جزائري

 

أرسل لصديق أرسل لصديق

 

 

«

ابحث

«

بحث متقدم

أخبار وتحليلات
  ساحات الحوار
أخبار وتحليلات
خدمات