|
هذه هي الحقيقة، ربما كانت صادمة، ولكنها الحقيقة بعينها؛ لذا تطرح بعض الأسئلة نفسها عن مصداقية استفتاءات الإنترنت، وهل تعبر نتائجها حقيقة عن آراء من يصوّت فيها؟ وما هي الضمانات التي تؤمن مصداقية استفتاء ما، ضد هجمات جماعات الضغط التي تملك الوسائل التي تمكنها من تغيير نتيجة استفتاء ما كما تريد؟ وإذا كانت السيطرة أقوى على العملية التقليدية للاستفتاءات فما جدوى الاستمرار في الاستفتاءات عبر الإنترنت؟ وإذ لم تستعصِ مواقع من المفترض أن يتوفر لها القدر الأقصى من التأمين ضد هجمات القراصنة مثل مواقع ناسا والبنتاجون ومكتب التحقيقات الفيدرالية الأمريكية - بل والاستخبارات المركزية الأمريكية - فأنى لاستفتاء أن يصمد أمام عبث الـ hackers بنتيجته أو حتى بعملية الاستفتاء نفسها؟ وهل من سبيل لإعادة بناء الثقة في استفتاءات الإنترنت بعدما فطن الناس للتلاعب المفتوح على مصراعيه بنتائجها؟!
مثل تلك التساؤلات المشروعة وغيرها تدور على أصعدة مختلفة تتناول عملية الاستفتاء الحر على الإنترنت من حيث الجدوى، والمصداقية، والشفافية، والحاصل أن الإحباط يخيم على معظم الأروقة والمنتديات التي تتناول تلك القضية بالبحث والمناقشة، حتى أنه في إحدى مجموعات النقاش، بعدما احتدم النقاش حول كيفية تأمين التصويت ضد العبث به، والوسائل التي تضمن عملية التأمين، دخل أحد هؤلاء الـ hackers وتهكّم قائلاً: "إن اقتحام الممنوع، وإشاعة الفوضى ضد أي نظام أمر سيقع إن عاجلاً (وغالبا ما يكون عاجلاً) أو آجلاً"، وشرح عددًا من الوسائل التي تمكنه من العبث بأي استفتاء مهما اختلفت طرق تشفيره؛ ليصيب أفراد النقاش بالصمت لفترة طويلة، ثم لم يلبث أن انتهى النقاش بعد قليل إلى لا شيء.
ثقة المصوّتين تتداعى أو تداعت بالفعل
والحق أنه إذا تهاوت ثقة المصوتين في عملية الاستفتاء على الإنترنت، فلهم في ذلك كل العذر، فالمثالان اللذان لدينا في هذا الصدد يشهدان بوضوح، ويثبتان دون مراء على كذب وزيف تلك الاستفتاءات التي تجرى على شاشات الإنترنت.
نبدأ بمثال صارخ حول التلاعب بعملية التصويت نفسها، وبنتيجتها من قبل الموقع الذي يعرض الاستفتاء نفسه، وهو موقع محطة CNN الشهيرة، حيث أجرى موقع CNN على الإنترنت استفتاء حول إذا كان على الحكومة أن تعلن المزيد من الأراضي الواقعة في ولاية أوتاه "محميات برية" أم لا؟ ضمن مقال عن إعلان مكتب إدارة البرية عن مناطق محمية أكثر في الولاية الأمريكية، ونجح أحد المستخدمين في التصويت حوالي 1689 مرة بعدم الموافقة، ثم ألقى بقنبلة، حيث أوضح أن الموقع عرض مجموع الأصوات التي صوتت بعدم الموافقة في تلك الليلة لم يزد عن 429 صوتًا، ثم أرشد عن الطريقة التي تم بها ذلك، وتتلخص تلك الطريقة في تطويره لبرنامج يقوم بالتصويت آليًّا.
الذي يعنينا في ذلك المثال هو: كيف أن هذا الشخص نجح في التلاعب بالاستفتاء، وكيف أن الموقع كذب وعرض نتيجة زائفة، ثم تساءل عن السياسيين الذي ينظرون بعين الاعتبار لمثل تلك الاستفتاءات على أنها مؤشر للرأي العام. إلا أن الأهم في هذا الصدد، هو أن هذا الشخص تحول إلى دعاية متحركة ضد تلك الاستفتاءات، وراح يعرض تجربته في مجموعات النقاش المنتشرة على شاشات الإنترنت، بل وأوصى من يقرأ السطور التي شرح فيها تجربته بتمريرها لمن يجب أن يرى تلك السطور، حتى يأتي على أي بقية من ثقة للمستخدمين والمهتمين بمثل تلك الاستفتاءات.
المهم في الأمر أن فصول الملهاة لم تنته بعد، بل إن ذلك الشخص دخل في إحدى مجموعات النقاش وبيّن كيفية تلاعبه بالاستفتاء تحت عنوان استفتاء CNN زائف، فتهكم ثان وقال: ماذا لو تم تسريب تلك المعلومة لأي من المنافسين؟ وتساءل ثالث إذا كان العبث باستفتاء لموقع كبير مثل CNN بمثل تلك السهولة، فكيف لها أن تدّعي الصدق؟ وأن ذلك الشخص يقوم هو ومجموعة من أصدقائه بنفس العبث، فلم يمهله رابع ورد عليه قائلاً: إنه نجح في التصويت عدة مرات يدويًّا لا آليًّا لصالح اختيار "لا"، ثم فاجأ الجميع بأنه صوت أيضًا لصالح "نعم" في نفس الاستفتاء في نفس اليوم، بل واختيار cookies نشط (تابع شرحها أسفل)، وأن هناك من أقرانه من ما يزال يصوت لصالح أحد الاختيارين، ثم بين أنهم أرسلوا لـ CNN يطلبون توضيحا حول تلك الحوادث مجتمعة إلا أن أحدًا لم يتلقّ أي رد أو إجابة.
أما المثال الثاني، فلعل متصفحي شبكة "إسلام أون لاين.نت" يذكرون من قريب كيف أن عملية التصويت على شبكة MSNBC على صورة العام كانت أبعد ما تكون عن استفتاء حر نظيف، بل كانت مجرد حرب إلكترونية تبارى فيها طرفان أو أكثر من خلال مجموعة من البرامج التي تسمح لفرد واحد من خلال برنامج يمكنه من التصويت العديد من المرات، يزيد عددها تبعًا لسرعة الجهاز وسرعة اتصاله بالإنترنت، وهذا ما حدث تحديدًا، حيث بدأ التصويت نظيفًا وكانت الكفة راجحة لصالح صورة "الدرة"، ثم انتبهت لذلك المنظمات الصهيونية؛ فتدخلت بصورة غير مشروعة مستخدمة في ذلك بعضًا من تلك البرامج التي تزيف آراء المصوّتين، ومالت الكفة عن صورة "الدرة" لصالح صورة أخرى، مما حدا ببعض المعنيين بالأمر بالدعوة للتدخل تقنيًّا لصالح صورة "الدرة"، واستجاب لتلك الدعوة بعض المبرمجين المسلمين، مما اضطر شبكة MSNBC إلى إنهاء الاستفتاء الذي خرج من ساحة الرأي والرأي الآخر إلى مبارزة برمجة زُيِّفت فيها الأصوات.
الإنترنت.. بيئة غير آمنة وغير نظيفة
وكان قد ثار جدل واسع بعد انتهاء الانتخابات الأمريكية حول الانتخاب عن طريق الإنترنت، عن مصداقيته وشفافيته، وأمنه، والضمانات التي تكفل تلك نزاهة التصويت عبر الإنترنت، والحقيقة أن هذا الجدل لم يظهر فقط بعد انتهاء الانتخابات، بل إن طنينًا في الأوساط المعنية حول نفس المواضيع سبق الانتخابات بفترة ليست قصيرة، ولكن نبرة الجدل وحدّته هي التي علت.
وقد كانت معظم انتقادات المعارضين للانتخاب والتصويت عن طريق الإنترنت، منصبة على انعدام الأمن والنزاهة للتصويت عبر الإنترنت، وصعوبة - بل بالأحرى انعدام - ضمان أي قدر من سلامة عملية الاقتراع، حيث يمكن العبث والتلاعب بعملية التصويت قبل وأثناء التصويت نفسه، بل وبالنتيجة بعد التصويت.
وبالرغم من أن عملية الاقتراع عبر الإنترنت لغرض انتخابي ليست مجال ذلك المقال، فإن كل الانتقادات التي وجهت لعملية الاقتراع والتصويت عبر الإنترنت لغرض انتخابي، وإن كان لدى المؤيدين لها ما يَسدّ بعض مثالبها، فإن كل تلك المثالب تتوافر وبشدة في عملية التصويت بغرض الاستفتاء بعيدًا عن أي سيطرة نظامية، وإنما هي مجرد استفتاءات جماهيرية تجريها المواقع المختلفة، على الإنترنت، لأغراض مختلفة، أغلبها للحشد والتعبئة لصالح أو ضد هدف ما.
وتتلخص تلك الانتقادات في التالي:
1- عبث الحكومات التي لها مآرب في رجحان كفة التصويت لصالح أحد اختيارات الاقتراع، حيث طوّرت تلك الحكومات قدراتها التكنولوجية والبرمجية، فيما يسمى بـ "الإرهاب على الإنترنت"، للتدخل أثناء سير عملية التصويت أو بعدها في النتيجة، وهو أمر وارد جدًّا خاصة في الأمور الحساسة، ولو كان مجرد استفتاء جماهيري على الإنترنت.
2- انتشار المتسللين الذي يقتحمون الشبكات في كافة أرجاء المعمورة، وهم فئة من ذوي المهارات الفائقة في مجال النظم والشبكات، ولديهم فهم عميق لكيفية اختراق كافة برامج الحوائط الدفاعية والتي تسمى بالـ fire wall programs.
3- الموظفون السابقون الذين يعملون بالثغرات الموجودة في النظم والشبكات، وكيفية اختراقها من بعد عن طريق الإنترنت، وينضم لتلك الفئة مجموعة من الموظفين العاملين بالفعل أثناء عملية الاقتراع، وكلا النوعين يمكن شراؤه أو إرهابه، أو أن يكون ذا أيديولوجية تسمح له إما بالعبث بالنتيجة أو بالتصويت نفسه بشكل ذاتي، أو تجنيده للقيام بمثل تلك الأعمال.
4- إغراق الخوادم في حالة الفشل في الاختراق لمنع عملية الاقتراع برمتها عن طريق ما يسمى بـ Denial of Service Attacks، ومما يزيد الطين بلَّة أن هناك برامج متاحة وبوفرة على المواقع الحكومية والتجارية على حد سواء تقوم بعمل اللازم لإغراق الخوادم وإتخامها بسيل من الأوامر والطلبات لا تستطيع الوفاء والقيام بها، مما يؤدي إلى سقوطها، أو على الأقل منع المصوّتين من الوصول للموقع للقيام بعملية الاقتراع.
5- توافر البرامج التي تنتج الفيروسات الشبكية المعروفة بالديدان Worms، والتي يمكن أن تستخدم أيضًا أثناء عملية التصويت، وأخطر منها النوع المسمى بحصان طروادة Trojan horse، حيث يقوم بدور تخريبي يشبه ما قام به الحصان الخشبي في الملحمة الشهيرة، ففي الوقت الذي يشغل البرنامج بعمل قانوني، فهو في حقيقة الأمر فيروس يقوم بدور تخريبي، وهذا النوع يمكن استخدامه أيضًا أثناء وبعد عملية التصويت.
حرب إلكترونية لا استفتاء حر نظيف
وحيث إن هناك اختلافًا في طرق الاستفتاء على الإنترنت، فإن محو الملف الذي يقوم المتصفح بإنشائه لإثبات أن نفس المستخدم قام بالتصويت، فيُحرم من التصويت مرة أخرى لضمان نزاهة عملية التصويت، فإن معظم البرامج التي تقوم بالتزييف لا تحتاج كي تغير أصوات الاستفتاء لمقدرة مبرمج عالية، وإنما تكفي في ذلك خبرة متوسطة لتطوير برنامج يقوم بتكرار التصويت لصالح أحد الاختيارات المطروحة في الاستفتاء؛ إذ يتوقف ذلك كله على محو الملف الذي يقوم المتصفح بإنشائه في مجلد COOKIES، والذي يحتوي عليه كل نظام متصل بالإنترنت، فتصبح مهمة المبرمج آنذاك هي تحديد مكان ذلك المجلد، ثم محو ذلك الملف، لتكون مهمة التصويت مرات عديدة أمرا بالغ اليسر، ولما كان من الصعب تحديد أي ملف بمجلد COOKIES هو الذي يثبت المرة الأولى للتصويت، فإن محو كل الملفات التي بالمجلد (وضمنها الملف الهدف) هي المهمة الأكثر سهولة للمبرمج.
ويشبه هذا ما قام به صاحبنا الذي صوّت في استفتاء موقع محطة CNN، وإن كان قد قام بذلك عن طريق تطوير برنامج يقوم بالمهمة آليًّا، حيث أوضح أنه قام بضبط جهازه، بحيث لا يقوم بحفظ أي مواقع في مجلد الـ COOKIES، ثم يقوم بتحميل موقع آخر غير صفحة الموقع التي عليها الاستفتاء، ثم يقوم بتحميل صفحة الاستفتاء مرة أخرى ويقوم بالتصويت بما يشاء، ومن ثَم لا يدرك الجهاز قيامه بالتصويت من قبل عن طريق مجلد الـ COOKIES.
والطريقة السابقة وإن كانت تحتاج كما أشير إلى مقدرة مبرمج متوسطة، فإن محو محتويات مجلد الـ COOKIES يدويًّا أمر لا يحتاج مقدرة مبرمج أو أعلى أو أقل، وإنما يكفي لأي مستخدم عندما يريد أن يقوم بالتصويت لصالح أي من خيارات الاقتراع أكثر من مرة، أن يقوم بمحو محتويات المجلد يدويًّا؛ ليقوم بعدها بعمل أي عدد من الاقتراعات حسبما يريد، دون قيد.
الخبراء بعد الحماس والتأييد يتراجعون
ما سبق يمكن أن يقوم به إما ذوو المهارات المتوسطة أو حتى عديمو الخبرة، أما الـ hackers أو مقتحمو الشبكات الذين يتسللون إليها من بعد عن طريق الإنترنت، فيمكنهم العبث مباشرة بعملية التصويت أو بنتيجتها، والخوف من مثل تلك الفئة من المقتحمين أنمى في الغرب خوفًا مرضيًّا، حتى إن "أوجين سبافورد" مدير أحد المراكز التعليمية البحثية في أمور الأمن والسلامة قال: "إن الجهاز الآمن هو الجهاز المغلق غير المتصل (بشبكة)، والموضوع في خزينة تيتانيوم، والمدفون في مكعب خرساني في قاع البحر ومحاط بمجموعة من الحراس مدفوع لهم بسخاء".
وقد تبدو هذه مبالغة، إلا أن "كيم ألكسندر" رئيسة مؤسسة غير ربحية للتصويت والاقتراع بعد أن كانت متحمسة لفكرة التصويت عبر الإنترنت، ما لبثت أن تراجعت بعد أن ساندت وشاركت في عملية اقتراع ضمن مجموعة أوكلت إليها مهام الإشراف على التصويت بكاليفورنيا، وأوضحت أن الفكرة بعد التفكير فيها لمدة خمس دقائق تبدو جذابة، إلا أنه بعد عشرة أشهر من البحث والتجربة غيّرت رأيها بسبب استحالة التحقق من عدم العبث بحزمة الاقتراع عبر الإنترنت، وخوفها حتى من الموظفين القائمين على عملية الاقتراع معها، وقالت عن الاقتراع على الإنترنت إنه "مرتع للنصب".
كذلك "دايفيد جيفرسون"، وهو باحث بمعامل كومباك، عندما أوكل إليه رئاسة الوحدة التقنية ضمن المجموعة التي أوكلت إليها مهام الإشراف على التصويت بالانتخابات الأولية بأريزونا، بيّن أنه لا التشفير encryption يجدي في الحفاظ على نزاهة التصويت على الإنترنت، ولا أي تقنية أخرى متاحة حتى الآن، وبرّر ذلك بشرحه عملية التصويت على الإنترنت بأنه ببطاقة (حزمة رقمية) التصويت يمكن للمقتحم أن يتسلل دون أن يدرك بوجوده أحد من خلال اتصال بالإنترنت؛ ليسطو على هذه الحزمة في جزء من الثانية قبل أن يتم تشفيرها، ليعبث بها كيف يشاء، وربما انتظر لو كان ذا مهارات أعلى ليعبث بالنتيجة، أو حتى يدير عملية الاقتراع كيف يشاء دون أن يشعر بعبثه أحد.
وإذا كانت هذه هي آراء الخبراء، وبعض جوانب عملية الاقتراع والتصويت على الإنترنت، حيث إنه لا يوجد نظام واحد يستطيع أن يصمد أمام عبث العابثين الذين دائمًا ما يتقدمون خطوة أو أكثر على النظم (القانونية الشرعية)، فإنه يمكننا وفي غير تردد أن نقول: "على مصداقية استفتاءات الإنترنت السلام!!".
كاتب في الشأن العلمي، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بصفحة علوم وتكنولوجيا oloom@islamonline.net
|