|
| الشيخ راشد الغنوشي |
كان وقع الصدمة كبيرا في الداخل والخارج على حد سواء؛ بسبب المواجهة العنيفة المسلحة التي اندلعت يوم 23 ديسمبر 2006، واستمرت أكثر من 10 أيام بين الدولة بجهازيها الأمني والعسكري وبين حوالي 30 من الشبان التونسيين قدم بعضهم -حسب رواية السلطة- من الجزائر، وانضم إليهم بقية المسلحين الذين هم في سن العشرينيات فما دون.
وبذلت الدولة –كعادتها- وسعها في التعتيم على النبأ الجلل، والإعلان أنها واجهت عصابة من المجرمين الخطرين، ثم سربت لصحف مقربة أنهم تجار مخدرات، وبعد أكثر من أسبوعين صرح وزير الداخلية لكوادر حزبه -وليس للصحافة والرأي العام- أن الأمر يتعلق بإرهابيين ينتمون إلى من دعاهم بمسمى جديد في الساحة التونسية، غائمة "السلفية الجهادية"، تمّ قتل 12 من أفرادها وأسر15، كما قتل اثنان من رجال الأمن وجرح آخرون. وظلت البلاد بسبب التعتيم على المعلومات مسرحا لمختلف الهواجس والإشاعات بلغت حد الحديث عن تصفية حسابات بين أجنحة داخل السلطة، وتحدثت إشاعات أخرى عن محاولة انقلاب.
وكانت الصحافة الأجنبية سباقة إلى تقديم بعض المعلومات الصحيحة، بينما كان الإعلام المحلي كالرأي العام في ظلام دامس وحيرة قاتلة، وهو يرى البلاد تشهد حالة عسكرة، زائدة عما ترزح تحته باستمرار، حتى بلغ عدد حواجز التفتيش في تلك الفترة، بين العاصمة وحمام الأنف (مسافة 15 كم) عشرة. ولم يخفف شيئا من وقع الصدمة في الداخل والخارج النزر من المعلومات الذي تسرب أو قدم عن هؤلاء الشبان؟ فلا قائمة اسمية ولا ذكر لمن بقي منهم على قيد الحياة؟ ولا لمن قتل؟ ولا خبر عن تسليم جثث لأهاليهم؟ ولا أين ومتى تم دفنهم؟ ذُكر أن بعضهم دفن بليل، وما مبلغ صحة ما نقل بعض المحامين من أن بعض المحاكمين في هذه القضية على الأقل قد قبض عليهم قبل الواقعة بكثير؟ ولماذا منعت ملفات المتهمين عن محاميهم، بل حظر على هؤلاء حتى حضور التحقيق؟ وكيف حصلوا على هذه الأسلحة المتطورة؟ وكيف تدربوا عليها هذا التدريب الجيد؟ وكيف انتظموا؟ وكيف تسربوا من الحدود داخلين خارجين بينما البلاد تحت مجهر أمني وغربال لا ينفذ منه الماء، ويُمكِّن من إجهاض أي تحرك أو لقاء لمعارضة مسالمة حتى قبل وقوعه؟.
قد يعتذر بأن أحدث الأجهزة الأمنية في البلاد الديمقراطية لم تتمكن من الحيلولة دون وقوع مثل هذه العمليات بل أخطر، ولكن أجهزة تلك البلاد تعتذر بقيود القوانين المكبلة لحركتها، بينما نحن هنا إزاء سلطة مطلقة للأجهزة، بما رسخ لدى المواطنين بأن سلبهم الحريات العامة والخاصة هو الثمن الضروري لاستتباب الأمن والسلام وتحقيق التنمية والاستقرار والازدهار، وفرض عليهم أن يدفعوا الثمن، وأن "يقبلوا" شرعية الأمن بديلا عن شرعية الديمقراطية. وها هم يصدمون بأنهم فقدوا الأمرين. لطالما نظر التونسيون لأنفسهم وأرادوا أن يعرفوا أو أريد لهم أن يقتنعوا، وراج عنهم أنهم شعب مسالم ينبذ العنف، ودلّلوا على ذلك أنه حتى استقلالهم حصلوا عليه بالسياسة مع قليل من القوة. ورسخ عنهم هذه الصورة النمطية ما "تمتعت" به البلاد من "استقرار" لدرجة أنها لم تعرف خلال نصف قرن من استقلالها غير رئيسين، بينما شهد البلد المجاور الذي استقل بعدها 6 رؤساء.
فمن أين نبع هذا الحجم من العنف الذي استغرق حسمه من قوات الأمن والجيش أكثر من 10 أيام، استخدمت خلالها مختلف الأسلحة بما فيها المروحيات والمدافع؟! وهل هناك ما يطمئن التونسيين "المسالمين" أن جرثومة العنف بعد الإجهاز على "العصابة "بين قتيل (12) وأسير(15) قد استؤصلت نهائيا؟ كيف للتونسيين أن يصدقوا ذلك ونار العنف الاجتماعي تنتشر كالنار في أرجاء البلاد كالنار في الهشيم؟ حتى ما عاد أمن في البيوت، ولا في المدارس ولا في الشوارع ولا في الأحياء ولا في وسائل النقل، وهو ما يجعل العنف السياسي جزءا من حالة الأزمة العامة التي تمر بها البلاد، ردا على النظام البوليسي (المافيوزي).
كيف لهم أن يصدقوا ماكينة الإعلام الرسمي وقيادات الحزب والحكومة، وقد انطلقت في حملة توعية ضد خطر التطرف الديني ممثلا فيما أسموه "السلفية الجهادية" حتى أن رئيس الدولة لم يتردد في دعوة رؤساء "أحزاب معارضة" للتشاور معهم فيما حل بالبلاد، وندبهم للنهوض بمهمة توعية الشباب من خطر التطرف، وهو نفسه قد حذر في خطابه في الذكرى الواحدة والخمسين لاستقلال البلاد من خطر فكر التطرف، بما يوحي أن الخطب أجلّ من تسرب مجموعة صغيرة من الشباب تسربت من الجزائر. يؤكد ذلك حملات الدهم والاعتقالات الواسعة على امتداد البلاد لأفواج من الشباب التلميذيّ والطلابيّ، تتراوح أعمارهم بين 15 و25 سنة قد يكون عددهم حسب بعض المصادر الصحفية داخل البلاد قد شارف ألفي معتقل، بدأت "المحاكم" تستقبلهم في حالة يرثى لها؛ قد غطيت رءوسهم بكمامات سوداء على غرار سجناء أبو غريب، وظهرت عليهم سافرة معالم الإرهاق والتعذيب، بما دفع المنظمات الحقوقية المحلية والدولية إلى إعلاء أصواتها بالاحتجاج فزعين.
دلالات الواقعة
إن ما حدث لا يزال بعد وقوعه بثلاثة أشهر يلفه قدر كبير من الغموض حول حجمه ودوافعه، إلا أن ذلك لا يخفي الحقائق التالية:
1- استفحال الأزمة في علاقة الدولة بالشعب
فلأول مرة منذ حادثة قفصة -التي كانت محدودة وحسمت في ساعات ولم تكن جزءا من حالة فكرية سياسية محلية ودولية مثلما عليه الحال هنا- تجري مواجهة مسلحة تستمر أكثر من 10 أيام بين الدولة بجهازيها الأمني والعسكري وبين فئة من "شبابها". ومن مظاهر هذه الأزمة الأسلوب الذي اعتمدته في إعلام "شعبها" بما يجري عن طريق نهج التعتيم والمغالطة، بما يكشف عن عمق أزمة الثقة التي تعانيها في علاقتها بهذا الشعب، وكأن الأمر لا يعنيه. ولم يكن ذلك شذوذا عما اعتادته من تعتيم ومغالطة في كل ما يهم الشعب، حتى في قضايا مدنية بحتة تتعلق بكشوفات إحصائية عن أوضاع اقتصادية أو صحية تتعلق بأمراض معينة كالإيدز. أما إذا تعلق الأمر بالحالة الصحية للرئيس، فالحديث يغدو جريمة لا تغتفر، وكأن الرئيس قوة خارقة لا تسري عليها سنن الله في خلقه (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ) [الرحمن:26 ،27].
2- انهيار شرعية الأمن المطلق بديلا عن الشرعية الديمقراطية
لقد ظلت السلطة تدفع ضغوط الداخل والخارج من أجل الإصلاحات الديمقراطية متذرعة بأن ذلك هو الثمن الضروري للقضاء على التطرف والإرهاب، وهو ما جعل من تونس "واحة أمن ورخاء"، وحديقة خلفية لأوروبا تستضيف أكثر من 5 ملايين سائح كل سنة، وذلك في محيط مضطرب يموج بالعنف والإرهاب.
بل إن تونس طالما تبجحت بإبداعاتها الأمنية ونجاحاتها الباهرة في القضاء النهائي على طاعون العصر "الأصولية"، واستطالت بحكمتها وبعد نظرها حتى على الكبار، عارضة اكتشافاتها للتصدير حتى المجاني في الأسواق العربية والدولية المضطربة.
إن اندلاع مواجهة مع من علّقت السلطة على جباههم لافتة غائمة "السلفية الجهادية" دون أن تنسبهم لتنظيم محدد حتى الآن، المواجهة التي استمرت أكثر من 10 أيام بين قوات الأمن والجيش وبين تلك العناصر، مضافا إلى أن التكتم عن حجمهم وخططهم فضلا عن شمول الاعتقالات أفواجا من الشباب من كل أرجاء البلاد يرجح أن الأمر لا يتعلق بحادث عرضي عابر ومحدود ومستورد (من الجزائر)، وإنما يخشى أن يكون تعبيرا عن إحدى أبرز ظواهر التحولات المجتمعية والدينية في تونس، وناتجا من نواتج جملة سياسات الدولة الداخلية (مصادرة كل تعبير ديني وسياسي وثقافي حر) والخارجية (الموقف المتحيز ضد قضايا الأمة الكبرى خاصة في فلسطين والعراق).
إن ما حدث، إعلان صريح عن فشل وسقوط الحل الأمني الشامل في التعامل مع ما دعوه بالإسلام السياسي وما تأسس عليه من شرعيات وتنظيرات.
3- ما حدث في جبل الرصاص وسليمان ليس حدثا عابرا
إن واقعة سليمان نبهت إلى أن "حادث جربة" لم يكن "حدثا" معزولا، بالنظر إلى ما يلمسه المتابع لمسار الشباب التونسي خلال سنوات الألفية الجديدة من تنام سريع ثابت لاتجاه واضح صوب الانخراط المتزايد في المنظمات الجهادية ومشاركته في أعمالها، حتى ما يكاد سجن غربي يخلو من شباب تونسي متهم بذلك، ولا يكاد حقل من حقول الجهاد يخلو من مشاركة تونسية فاعلة.
وهو ما يرجح أن أحداث جبل الرصاص -حيث تمت لأول مرة منذ أحداث قفصة مواجهة مسلحة بين التونسيين (سلطة ومعارضة)- ليست حدثا معزولا مثل حدث قفصة، فنحن هنا في "جبل الرصاص" "وسليمان" في مواجهة تيار عقدي واسع الانتشار، هو جزء من حالة جهادية عقدية دولية لها مراجعها الفكرية ومؤسساتها التثقيفية والإعلامية وجماعاتها المنظمة ورموزها القيادية المشعة، حالة تتغذى من أوضاع سياسية واجتماعية محلية ودولية ظالمة، بل متوحشة، حالة تنهل من الدفاع عن الهوية وكرامة الأمة المهدرة في السوق الدولية، وفي بلاطات الملوك والرؤساء، وجزء من توجه مجتمعي متنام لنفض اليد من الدولة بعد رميها بتهمة نهب الأرزاق والعداء للدين وللحرية وإدمانها الاستباحة اليومية لكرامة المواطن والخذلان للأمة.
إن التوجه العارم صوب المساجد بعد هجران قسري لها كالعودة للحجاب، ما هو بالأحداث المعزولة عن تطور عميق في عمق المجتمع، بقدر ما هو تعبير صريح وذكي عن رفض شعبي واسع لجملة سياسات الدولة؛ انتصارا للهوية ولأمن الأمة، واجهته الدولة بعنفها المعتاد فبدأ ينفجر في وجهها مستمدا صبغته مما هو رائج من صور الرفض للمخططات الدولية ضد الأمة.
ويعتبر الإسلام في هذه المرحلة من تطور العالم بؤرة هذا الرفض والمقاومة لقوى الهيمنة. وما دامت الدولة فيما هو باد مصرة على الإمعان في الطريق المسدود، رهانا مطلقا على الأساليب الأمنية في التعامل مع طموحات المجتمع إلى التغيير، كالتعامل مع ظاهرة المد الإسلامي المتصاعد بكل صوره الذي يتغذى من منابع الأزمة المحلية، ومن أوضاع إقليمية ودولية ثرة، فمن قبيل التمني الحالم تصور أن ما حدث سيكون النهاية، نسأل الله أن يريح البلاد من الاستبداد ومن ثمرته الإرهاب.
4- مقومات الهوية أصلب من كل أدوات التفكيك والاحتواء
إن الحرب على الإسلام التي بدأها الاحتلال وواصلها بفعالية أكبر عهد "الاستقلال"، بالهجوم الشامل على الإسلام عقائد وشعائر وشرائع ومؤسسات ورجالا، وكان تقويض المؤسسة الزيتونية التاريخية أبرز صورها، لم يستسلم لها شعب تونس العريق في إسلامه وعروبته، فما أن استفاق من الخدر واستشعر الخديعة والخطر على دينه وهويته حتى كانت الصحوة الإسلامية في بداية السبعينيات استجابة للطلب المتصاعد على الهوية المستباحة، وخلال عشرين سنة فقط من عمل الحركة الإسلامية عبّر شعب تونس بجلاء في انتخابات 1989عن رفضه الحاسم لمخططات التغريب المسلطة عليه؛ لسلخ تونس من سياقها العربي الإسلامي وربطها بما وراء البحار، فكان رد فعل النظام البوليسي صاعقا متوحشا، واجدا دعما دوليا غير مجذوذ، فكانت خطة الاستئصال وتجفيف الينابيع للتخلص من الخصم السياسي الرئيسي وتقويض مرتكزاته العقدية "لتيسير خطة الدمج القسري للبلاد ملحقا بالرأسمالية الدولية (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأمْسِ) [يونس:24]. فما أن بدءوا يطمئنون أنهم قد حسموا المعركة الحضارية والسياسية لصالحهم أو لصالح أوليائهم، حتى فاجأهم شعب تونس الأبيّ مرة أخرى معبّرا عن إصراره على المقاومة ورفض الاستسلام، عن طريق العودة العارمة للمساجد وللحجاب ومتابعة الدروس الدينية عبر الفضائيات والإنترنت بعد أن تحولت المساجد مقابر وشُعَبا للحزب الحاكم.
ولأن هذه التعبيرات الهادئة عن الهوية لاقت أيضا مواجهة شرسة من قبل السلطة فقد دب الغضب واكتسح أفئدة الشباب، وهو يحال بينه وبين أبسط وأهدأ التعبيرات الدينية، كما وقفت السلطة سدا منيعا بينه وبين التعبير عن ولائه للأمة من خلال تنامي التوجه صوب العراق، فإن مجرد التفكير في ذلك أو فتح موقع يتحدث في هذه المسائل كفيل بالتعرض لعقوبات تصل إلى 30 سنة سجنا، بينما لم تتجاوز الأحكام التي سلطت على أمثالهم ممن اعتقلوا في العراق بضع سنوات.
لقد كشفت الأحداث عن فشل ذريع لا لخطة الاستئصال التي سلطت على أكبر حركة معارضة، بل أيضا للخطة التي عززتها، خطة تجفيف الينابيع، باعتبارها حربا لا هوادة فيها على الإسلام، حيث استخدمت في ظروف دولية وإقليمية مناسبة كل أجهزة الدولة الأمنية والقضائية والتعليمية والثقافية والدبلوماسية والحزبية حتى المعارضة، للقضاء على الخصم السياسي الرئيسي ولتمرير خطة الإدماج القسري للبلاد ملحقا للرأسمالية الدولية، وذلك تحت لافتة براقة هي الدفاع عن الحداثة والمجتمع المدني، حيث لا حداثة ولا مجتمعا مدنيا وإنما نظام بوليسي مافيوزي ينتمي لعصور ظلمات ما قبل الحداثة. إن تلك الخطة بفرعيها الأمني والثقافي لم تزد في المحصلة -إذا صدقنا دعواها- عن كونها قد هددت بإحلال محل "أصولية" معتدلة مسالمة أصولية متشددة محاربة، ففي مجال الهوية كما في الطبيعة لا شيء يضيع، ولكن يتحول، كما هددت بفتح أبواب بلد -هو في الأصل ذو مزاج يأنف من العنف- أمام الجهادية الدولية.
5- لكل نظام ما يستحق من المعارضة
يمكن لنا، بل يجب علينا أن نعترض على نهج مواجهة عنف الدولة بعنف شعبي، أثبتت التجارب المتكررة أنه لا يفضي إلى خير، بل يعطي لمؤسسة القمع مزيدا من المسوغات لمتابعة عنفها، بل تصعيده، ولكن سنن المجتمع غلابة، ومنها سنة رد الفعل المكافئ للفعل، فإن لكل نظام ما يستحق من المعارضة كما يقال. لقد سدت السلطة في وجه كل معارضيها على اختلاف اتجاهاتهم كل باب للاعتراض حتى بلغ بها الأمر أن وقفت على أبواب مقراتهم المعترف بها تمنعهم من عقد اللقاءات وتقوم بدور الحاجب، فتجيز لهذا الدخول وتمنع الآخر، بل قد تصد في وجوههم أبواب بيوتهم لمنعهم من الالتحاق بمسيرة سلمية، فماذا أبقت هذه السلطة لمعارضيها؟ إنها بذلك تستدعي بكل لسان -كما نبهت إلى ذلك سيدة مناضلة (أم زياد)- نوعا معينا من المعارضين هم الذين واجهتهم في جبل الرصاص، حتى وإن قاد ذلك إلى مزيد من الكوارث.
هل ستتواصل حلقات الإصلاح أم ستتنابذ؟
ما علاقة هؤلاء الشباب، بل جيل الصحوة الجديدة بسابقيهم أي جيل النهضة؟ إن السلطة المضطربة إزاء ما حدث كيف تقدمه للرأي العام المحلي والدولي الذي ألف خطاب الأمن المطلق المستتب بالبلاد مصدرا لشرعية الحكم، لم تجد مسوغا من قريب أو بعيد لحمل ما حدث على المستهدف المعتاد لديها، حركة النهضة، أو لعلها لم تُرد ذلك -ولو أرادت ما أعيتها الحيلة- لأنه بعيد التصديق، ولأنه يهز ركنا أساسيا في شرعيتها حرصت دائما على اعتباره مسلّمة وهو القضاء على الحركة الأصولية!
ولكن إذا كانت العلاقة التنظيمية لما حدث مع النهضة غير موجودة ويعسر اختلاقها، فمن غير المفيد كذلك للسلطة إثارة قضية لا تزال حريصة على دفنها إلى الأبد، مع أنها لا تني هاجسها المقض، فهل يمكن التصديق أن هذه الموجة الجديدة من التدين بكل ما يخترقها من تلوينات "سلفية علمية" وأخرى "جهادية" وتوجهات صوفية و"تبليغية"..إلخ، والتي يبدو ظهورها في الألفية الجديدة مفاجئا، بل مذهلا للسلطة؛ لأنه كان ظهورا (فاقعا) بمظاهره ومسالكه المتميزة لا يمكن إخفاؤه، هل يمكن لتحليل جاد ألا يكتشف عناصر الامتداد والتواصل بين الصحوة الأولى بقيادة النهضة والصحوة الثانية الجديدة، مهما بدا من عوامل التمايز والافتراق؟.
هذا السؤال يذكر المتابع لسياق تطور الأفكار في البلاد والوشائج الظاهرة أو الخفية بين مرحلة وأخرى، بما كان يربط بين تراث جامع الزيتونة الموءود على يد نخبة "الاستقلال" "الحداثية" وبين جيل الصحوة الأولى في السبعينيات، الذي نشأ غالبا على آثار ما وفد من فكر الحركات الإصلاحية الإسلامية في المشرق العربي، وفي باكستان والهند، وتتلمذ على روادهم (البنا، قطب، الندوي، المودودي..) وكانت الصلة شبه منقطعة بينهم وبين من تبقى من جيل جامع الزيتونة (عدا خيوط رفيعة) حتى خيل لشباب تلك الصحوة إزاء الفراغ الديني الهائل الذي انطلقوا منه وسيطرة اتجاهات العلمنة العاصفة وغياب كل صوت إسلامي أنهم في غمرة حماسهم "الفاتحون الجدد"، وأنهم بصدد كتابة تاريخ إسلامي جديد للبلاد، إلا أنهم ما أن اصطدموا بجدار الدولة الصلد حتى أخذوا يضعون أقدامهم على الأرض. في السجون بدءوا يتعرفون على تراث الإسلام في البلاد وفي المنطقة المغاربية وعلى حركاته الإصلاحية وعلمائه، فقرءوا لأول مرة "التحرير والتنوير" و"مقاصد الشريعة" و"النظام الاجتماعي في الإسلام" و"أليس الصبح بقريب" لابن عاشور و"الإتحاف" و"أقوم المسالك" و"امرأتنا في الشريعة والمجتمع" و"العمال التونسيون" و"الحداد على امرأة الحداد" و"بداية المجتهد" و"الموافقات".. إلخ.
بموازاة ذلك انفتح باب التواصل الميداني مع بقية مشايخ الزيتونة والتلقي عنهم فقه الإمام مالك الذي همشته فورة الاندفاع الأول، كما بدأ التواصل مع بقية حركات التصوف ومع المكونات الأساسية للمجتمع التونسي من حركة نقابية ومعارضة ديمقراطية ونوادي كشافة وسينما. وكان دور الجناح الطلابي أساسيا في عملية التواصل والتفاعل بين الوافد المشرقي وأدبيات التحرر العالمي من جهة، وبين حقائق ومكونات المجتمع التونسي، لتصاغ من كل ذلك الشخصية النهضوية التي لا تزال بصدد التشكل. وكانت وثيقة المؤتمر السابع تعبيرا عن هذا التواصل حتى كان عنوانها "وتواصلت حلقات الإصلاح".
صحيح أنه لم تتح الفرصة أمام جيل جامع الزيتونة لتوريثنا الأمانة التي حملها، فقد حال الاستبداد دونه وما يريد، كما حرمنا نحن من بركة التتلمذ عليهم والتلقي المباشر، حتى خيل إلينا أن تراث الإسلام قد تم تقويضه جملة، بينما مواريث الشعوب المكونة لهوياتها لا يمكن أن يأتي عليها بين عشية وضحاها هجوم ساحق. كل ما في الأمر أنها إذا استهدفت بما لا تطيق تنطوي وتستكن وتكمن في انتظار أن يخف الهجوم لتطل برءوسها من جديد وإن في أثواب جديدة ملائمة للعصر، حتى وإن بدت متنكرة لنسبها، لكن أواصر القربى سرعان ما تكتشف ويعترف بها.
ولو أننا بحثنا في أنساب رواد الصحوة الأولى في السبعينيات لألفينا العدد الأوفر منهم منحدرين من عائلات زيتونية أو يوسفية، وهما العائلتان اللتان تحالفتا في وجه مخطط تغريب البلاد، وخسرتا المعركة، بفعل ميزان القوة الدولي الساحق الذي تدخّل بكل ثقله العسكري والسياسي لصالح خصمهم. الملاحظ أن جزءا من نسل هؤلاء ظهر في الحركات اليسارية والقومية بفعل مواتاة المناخ الدولي والإقليمي، وفي مرحلة تالية جزء آخر ظهر في الحركة الإسلامية بعد هزيمة اليسار والقوميين سنة 1967.
والافتراض الذي نقدمه إزاء الصحوة الإسلامية الجديدة التي من وسطها انبثقت فصائل إسلامية متنوعة منها فصيل "السلفية الجهادية" أن أنساب هؤلاء مهما تشعبت تمتد في عوائل الصحوة الأولى التي اجتاحها كما اجتاح سابقتها الزيتونية ميزان القوة الدولي، فكمنت في انتظار الظروف المناسبة محليا وإقليميا ودوليا، لتظهر مكتسية أثواب الأيديولوجيا المقاومة السائدة (الإسلام)، ولكن في أشرس صوره وأكثرها غضبا وحدّة (السلفية الجهادية)، كرد فعل مناظر، مع قدر غير قليل من النقمة على الصحوة الأولى، أنها "تساهلت" في الدين وأنها "تخلت" عن واجب الجهاد في الدفاع عن الإسلام وأعراض المسلمين بسبب خطأ، بل ربما ضلال في الدين وميل إلى الحلول السهلة "الديمقراطية" في التعامل مع أعداء "كفرة" طغاة، لا يجدي معهم غير لغة الجهاد. هل من المصادفة أن يكون عددا من المتهمين في هذه القضية هم أبناء مباشرون لرموز الصحوة الأولى رافضون لنهج آبائهم، بل حاملون لإدانات صريحة له، أو هم أقارب لهم؟.
الآن، وقد بدءوا يصطدمون بالدولة ويذوقون بأسها ويتعاملون مع توحشها، سيجدون ولو بعد حين من الوقت ما يكفي للتأمل والمراجعة والنزول بأقدامهم من سماء الأيدولوجيا إلى واقع الأرض، وسيبحثون لهم عن حلفاء وأصدقاء يقفون معهم في محنتهم، وسيدركون أن لهم في البلاد آباء نقموا عليهم في غمرة الحماس، وليسوا نبتة زرعت في أرض غريبة، وأن الدين الذي يحملون وعنه يذودون حملته من قبلهم أجيال كان لها كسبها وبلاؤها وصوابها وخطؤها.
هؤلاء الشباب جزء من صحوة الإسلام العالمية، وهم أبناء شرعيون للجيل الإسلامي الذي سبقهم حتى وإن تنكروا لهذه الحقيقة في غمرة الحماس، وتعذر التواصل مع الحرمان من التلقي المباشر عنه، كما حرم جيل الصحوة الأولى من أداء واجب توريثهم الدعوة، دون أن يحول ذلك دون اعتبارهم أبناءهم الشرعيين، لكن جيل الصحوة الأولى -بلغة عالم الاجتماع عبد القادر الزغل- أبناء غير شرعيين لبورقيبة والمسعدي، تماما مثلما أن جيل الصحوة الثانية أبناء غير شرعيين لابن علي وللشرفي، أي أن البرنامج المعد كان يستهدف تخريج الجيل النقيض لهم، لكن (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال:30]. عادة ما ينتهي الأمر إلى حقائق الأمور: التواصل بين أجيال حركات الإصلاح الإسلامي، وانتهاؤها إلى الاستواء على الاعتدال تفاعلا مع تراث البلاد ومزاج أهلها العام المسالم الذي لا تعكر صفوه غير دولة الاستبداد المسئولة عن كل الكوارث التي أحلتها بالبلاد.
في قصصهم عبرة لأولي الألباب
المثال المصري: إن التنازع داخل مكونات الحركة الإسلامية الذي حصل على إثر الانقلاب الذي أنجزته في يوليو 1952؛ قد أفضى إلى كوارث داخل مصر وفي المنطقة، بما سلط من قمع شديد على الحركة الأم في ظروف دولية مناسبة، لا تزال مصر والمنطقة، بل العالم كله يعاني من آثار ذلك الحدث.
ففي غياهب السجون وتحت سياط الجلادين تخلّق "فكر" التكفير، وما تأسس عليه من تشريع لاستخدام القوة في مواجهة الدولة "المرتدة"، ورغم أن القيادة تصدت بحزم لهذا التوجه "كتاب: دعاة لا قضاة"، وفصلت من أصرّ على هذا النهج، إلا أن خيوطا رفيعة منه واصلت المسار، حتى إذا حصل انفراج في أوائل السبعينيات وبدأت حركة الإخوان تلملم صفوفها وتضمد جراحها عائدة إلى الساحة بعد غياب عقدين وجدت جيلا جديدا من الشباب عمر المساجد، وانتشر في الجامعات قد أسس "جماعات" استهوتها –بأثر رد الفعل- مناهج التشدد والتكفير، والتفكير في استخدام القوة ضد الدولة، دافعة فكر سيد قطب إلى الأقصى، متأثرة ببعض ما يرد من جزيرة العرب من توجهات سلفية متشددة، وانطلق الإخوان بكل طاقتهم في مخطط سمّوه توريث الدعوة؛ لاستيعاب هذه الأجيال الشابة التي نشأت في غيابهم وربما متحاملة عليهم وحتى مستهدفة لهم. وخلال بضعة سنوات تمكنوا من استيعاب العدد الأوفر منها، الذين يشكلون اليوم الجيل الثاني في قيادة الإخوان من أمثال عصام العريان وعبد المنعم عبد الفتوح.. إلخ. إلا أنهم لم يتمكنوا من استيعاب كل ذلك التيار الذي اتجه- خاصة بعدما أخذت أجهزة الأمن تلاحقه وتتصدى لمشاريعه الاجتماعية التي كان منخرطا فيها- صوب الإعداد لاستخدام القوة، وكان عقد السلام مع الكيان الصهيوني فرصتهم لاستهداف رئيس الدولة، وانطلاق الحرب الشرسة مع أجهزتها، وذهب ضحية تلك المواجهة خلال 10 سنوات حوالي 1300 مصريا من الطرفين.
لقد تمكنت الدولة حتى الآن من السيطرة على الوضع، ولكن بثمن باهظ من الحريات العامة والخاصة وتسلط الأجهزة على الناس بذريعة مواجهة الإرهاب، وفرض قانون الطوارئ، ولا تزال حريصة على استخدام بعبع الإرهاب لتأبيد استبدادها وفسادها إلى حد الطمع في تحويلها جمهورية وراثية. غير أن حركة العنف التي حوصرت في الداخل وتراجع أغلب زعمائها عن نهج العنف تائبين، سرعان ما وجدت طريقها إلى المجال الدولي بذريعة الدفاع عن الأمة ومواجهة رأس الأفعى بدل ذنبها. إن المثل المصري جدير بالتأمل والدراسة؛ لأن أقرب أقطار العرب شبها بمصر هي تونس من حيث الطبيعة المدنية ومسار حركة الإصلاح والتحديث وبنية الدولة التحتية.
وإذا توفر لمصر بأزهرها الشامخ و"جمعيتها الشرعية" ومؤسساتها الأهلية وطرقها الصوفية المنتشرة، وبحركتها الإخوانية العريقة ذات التأثير الواسع رغم التضييق، من العوامل الكفيلة بتهميش فكر التطرف والإرهاب واستيعاب أغلب تياره في إطار مدني، فمن لتونس وقد أخذ يدب في أحشائها -السنوات الأخيرة- تيار من فكر التشدد والعنف حتى غدا يمتد تأثيره إلى الآلاف؟.
الحقيقة المرة أن تجربة "تحديثها" اليعقوبية الهوجاء قد فككت كل مؤسسات المجتمع القديم من المؤسسة الزيتونية إلى البنيات القبلية، وصولا إلى الأسرة وانتهاء بالحركة الإسلامية، فلم تدخر من أدوات المواجهة غير أجهزة الأمن التي مهما بلغت كثافتها وخبرتها وطلاقة يدها في السلخ والرصد والمحاصرة، فقد أثبت انطلاق هذه الصحوة العارمة بكل أطيافها ومنها الطيف الجهادي أن أدوات الدولة الأمنية والتربوية والثقافية والدبلوماسية لم تجد نفعا، ولم تفعل في المحصلة إلا أنها استبدلت إسلاما جهاديا بإسلام سياسي حسب التعبير الدارج.
ألم يكن مظهرا صارخا للعجز والإفلاس أن يكون أول رد سياسي من قبل رئيس الدولة على المصيبة التي حلت بالبلاد أواخر السنة الماضية إذ تواجه أبناء تونس مواجهة دموية أزيد من عشرة أيام، قد تمثل في استقباله لعدد من رؤساء أحزاب "السنافير" للتشاور معهم فيما حدث، ودعوتهم إلى القيام بواجبهم في "تأطير الشباب" حتى لا ينجرف إلى الإرهاب؟! ثم ما لبثت ماكينة "الحزب العتيد" أن انطلقت، يجوب رجالها أنحاء البلاد "يؤطرون الشباب" ويحذرونه من خطر الانجراف في تيار الإرهاب، يؤطرونه، ولكن بأي خطاب؟ لا شيء سوى إطلاق الألسن بلغة خشبية متقعرة، تمجد صانع التغيير وتؤكد أنه لا فهم للإسلام سويّا غير فهمه ولا خدمة للإسلام فوق خدمته وكل ما وراء ذلك إرهاب وتطرف واستغلال للدين، مهددا بأن الدولة ستضرب من يد من حديد.
أين المفتي مثلا؟ لماذا هو فقط قاضي أهلّة؟ لا كلمة له في كل ما يثار من قضايا ذات علاقة بالدين كالحجاب والميراث. أوليس دستور البلاد ينص على أنها دولة إسلامية؟ لماذا المفتي؟ هل هو مجرد عمامة مطلوب حضورها في المحافل الرسمية؟.
وفعلا لأن الدولة لا تملك للدفاع عنها غير أدوات القمع، فقد أطلقت العنان لأجهزتها الأمنية تعمل في الشباب وعوائلهم ترهيبا وسلخا وملاحقة ومحاكمات صورية، لم تنج من هولها حتى جماعة الدعوة والتبليغ المعروفة بأن من مبادئها مبدأ "عدم الدخول في ما لا يعني" ويعنون به السياسة، فقد تفتقت عبقرية تجار الحروب عن وصف لها أنها ليست إرهابية ولكنها "مفرّخة"، عودا لقصة تجفيف الينابيع التي تفتق عنها عقل يساري استئصالي انتهازي.
لقد جاء رد الفعل هذا من قبل السلطة التي تدير شئون البلاد خلافا لكثير من توقعات ذوي النوايا الطيبة ممن راودهم بصيص من الأمل في أن السلطة ستوقظها هذه الصدمة من وهم التعويل المطلق على "أجهزة الأمن" في حفظ أمن البلاد، وأنها ستفسح مجالا للسياسة في التعامل مع أوضاع غاية في الخطورة والتشابك. أليس لافتا أن الظواهري وهو يعدّد الأقطار التي استهدفها لم يذكر تونس؟! ماذا يبيّت لهذا البلد وقد أصبحت له قاعدة جديدة في قلب المنطقة؟ لقد كان المتابع الصحفي الأريب (صلاح الجورشي) محقا إذ عبر عن العجز عن تلمّس حكمة السلطة وراء هذه السياسات؟ والحقيقة أن السلطة غير متناقضة وسياساتها في غاية الانسجام، إنها خاصة في عهدها الجديد لم تثق يوما في غير جهازها الأمني ولا عولت على سواه مصدرا لشرعيتها وللتعامل مع أعقد ملفات البلاد، بما يجعل ضربا من الجري وراء السراب توقع اعترافها بوجود شعب له مطالبه المشروعة وقواه التي تستحق الاحترام، وليس حجز أو منحها شهادة الميلاد أو الوفاة بدل الاعتراف بها، والتفاوض معها للتوصل إلى حلول توافقية حول المشكلات الكبرى التي تهم مستقبل البلاد، مثل مشكلة اندلاع العنف الذي هو بصدد إفقاد بلادنا آخر فضيلة تعتز بها، وهي أن (معارضاتها) برغم ما سلط عليها من عنف الدولة "جاهدت" نفسها حتى تجنب البلاد كارثة العنف، فذهب في خلد السلطة أن ذلك عائد إلى عجز المعارضة وشطارة وعبقرية الأجهزة وليس إلى تعقل المعارضة.
الثابت أن الوقائع المتكررة لا تبعث إلا على المزيد من (تيئيس) التونسيين من الإصلاح. والتأكيد أنهم يستحقون سلطة خيرا من هذه أو في الأقل أدنى سوءا، تلحقهم بموريتانيا.
أليس مخجلا "للحداثة التونسية" أن تتشاغل بموضوع الإرث بينما البلاد كلها بصدد أن تورث لعائلتين وبلغ حالها من البؤس السياسي ما يجعل المسافة بيننا وبين الحداثة الموريتانية التي جسدتها الانتخابات الأخيرة قد تقاس بعشرات السنين؟! فمتى سنلتحق بركب موريتانيا فنشهد في حياتنا رئيسا ينتخب بـ52% وخصمه بـ48% في انتخابات صادقة يشارك فيها ويقبل بنتيجتها الجميع؟.
رئيس حركة النهضة الإسلامية في تونس.
|