|
| العقيد ولد فال يدلي بصوته في انتخابات موريتانيا الرئاسية |
حكومة مدنية في الواجهة، ومعارضة قوية تراقبها، ومؤسسة عسكرية فاعلة في الكواليس.. هكذا برزت ملامح الحياة السياسية في موريتانيا بعد عام ونصف من الانقلاب على الرئيس السابق ولد الطايع، لينتهي بأن شهدت المنطقة العربية واحدة من أنزه الانتخابات الرئاسية على غير ما هو مألوف عربيا.
كلمة السر في هذا المشهد كان العقيد علي ولد محمد فال رئيس المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية الذي وضع أسس الديمقراطية الموريتانية خلال فترة انتقالية دامت 18 شهرا ليسلم بعدها السلطة إلى الرئيس المدني المنتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله.
وفي مقابلة مع المحلل السياسي الموريتاني ورئيس صحيفة القلم الموريتانية سيد أحمد ولد أحمد الهادي، لفت النظر إلى قيام الرئيس ولد فال بالتصويت ليختار من يخلفه في كرسي الحكم، في مشهد هو الأول من نوعه في المنطقة العربية، وهو مشهد يدل على تأسيس عهد جديد عنوانه الكبير "تداول السلطة عبر الديمقراطية".
وأشار ولد أحمد الهادي إلى عدم اكتفاء ولد فال بتنفيذ تعهداته بتسليم السلطة إلى الرئيس المنتخب، بل صياغته لقانون يعطي المعارضة وزعيمها امتيازات تقوي من وضعها وتصف دورها بالواجب الوطني لرقابة وتقويم أداء الحكومة.
وحول توقعاته لمستقبل المؤسسة العسكرية ودورها في الحياة السياسية، قال ولد أحمد الهادي: إن دور الجيش في الحياة السياسية سيخرج من الواجهة، لكنه سيكون لاعبا مؤثرا خلف الكواليس، مستشهدا بالنموذج الجزائري.
وتوقع في الوقت ذاته أن يعود ولد فال إلى السلطة مرة أخرى، ولكن كمدني بعد انقضاء فترة حكم الرئيس المنتخب ولد الشيخ عبد الله، خاصة أنه بحكم القانون لا يستطيع التقدم لفترة ثانية؛ لأنه سيتعدى سن السبعين في الفترة الأولى، بما يتيح لولد فال صاحب المبادرة التاريخية الفوز في الانتخابات المقبلة.
ويرى الهادي أن الفترة القادمة ستشهد إعادة تشكيل لأدوار اللاعبين السياسيين بما فيهم المعارضة والتيار الإسلامي الساعي إلى الشرعية الحزبية، كما ستشهد نشاطا خارجيا لموريتانيا يعيدها إلى المحيط العربي والإفريقي بعد غياب طويل، برغم أنه توقع أن تستمر العلاقات مع إسرائيل دون تغيير.
وفيما يلي نص الحوار:
كيف ترى المستقبل السياسي في موريتانيا ودور الجيش في الحياة السياسية؟
هناك إجماع بين الطبقة السياسية على إبعاد الجيش عن أي دور في الممارسة السياسية حتى لا يفسد الجيش وتفسد السياسة، لكن النظر إلى الأمور بشكل واقعي يجعل من غير المتوقع أن يقبل الجيش انعزالا داخل الثكنات، خاصة أنه من بين أعضاء المجلس الذين قاموا بانقلاب شباب لهم حقهم المشروع في الطموح، ولن يقبلوا أن يفقدوا الامتيازات والنفوذ الذي كان لهم بعد الانقلاب، وبالتالي سيبحثون عن طريق أو أسلوب غير مكشوف يضمن لهم أن يكون لهم دور ما، والحفاظ على امتيازاتهم ونفوذهم.
وفي هذا الصدد أتوقع أن يكون تأثيرهم على السلطة التنفيذية من وراء الكواليس خاصة أنهم لم يُضَمّنوا الدستور تشكيل مجلس عسكري للرقابة أو الإشراف أو شيء من هذا القبيل ليكون أداة يحكمون عن طريقها كما هو الحال في النموذج التركي. وبالتالي قد يكون النموذج الحاصل في الجزائر هو الفرضية الأقرب للحصول في موريتانيا بمعنى أن يكون للجيش نفوذ على السلطة بشكل غير معلن، مع الإشارة إلى أن الرئيس العسكري إعلي ولد محمد فال قال بعد تأديته لصوته في الجولة الثانية منذ أيام: إن الجيش لا يطمح لأي دور سياسي، وإنه سيكون تحت إمرة رئيس الجمهورية المنتخب بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة وفقا للدستور.
وعليه فمن المؤكد أن المؤسسة العسكرية ستظل حاضرة ومؤثرة في المشهد السياسي لفترة من الزمن، ولكن بشكل خجول وهو ما يعتمد على مدى قبول الرئيس المنتخب لمستوى التأثير والحضور الذي يسمح به للجيش في السياسة.
وما هي الضمانات التي تحول دون ارتداد الحياة السياسية إلى الوضع السابق؟
ينص الدستور على أن دور الجيش يقتصر على حماية الدستور واحترام مواده وحماية الديمقراطية والتعددية السياسية. وهذه ضمانة قانونية وبالتأكيد لم يعد للجيش أن يحكم بشكل مباشر فهذه فترة تم تجاوزها، وعكس ذلك يسمى انقلابا وخرقا للدستور.
كما أن الطريقة التي تفاعل بها الموريتانيون مع الأحداث السياسية والانتخابات التي جرت تعزز تمسك الموريتانيين بالقطيعة مع عهد الحكم الفردي والاستبداد، ولن تقبل الطبقة السياسية والرأي العام عموما التراجع إلى نقطة البداية حيث انتهى ولد الطايع. وبالتالي فأي رئيس يحاول الارتداد عن هذه القطيعة، سوف يخلق أزمات ومشاكل تخلق جوا من عدم الاستقرار يقض مضجع من يريد أن يحكم بطريقة الحكم الفردي، فأعضاء المجلس العسكري الذي كان حاكما منذ أيام لم يعطوا الديمقراطية وينظموا انتخابات نزيهة؛ لأنهم يؤمنون بالديمقراطية لكن لأنهم حسبما قال ولد فال لعدة مرات بأنه لم يعد بالإمكان الاستمرار في حكم الشعب الموريتاني بشكل فردي وأن كل أزمات موريتانيا منذ استقلالها عام 1960 هي أزمة حكم بمعنى عدم وجود آلية تضمن التناوب على السلطة وتم اللجوء إلى الانقلابات كوسيلة.
والآن لم يعد من المقبول داخليا أو دوليا اللجوء إلى الانقلابات كوسيلة لتداول السلطة، والموريتانيون يملون بسرعة من رئيسهم. والحل هو ما اتفق عليه الموريتانيون في الدستور بألا تتجاوز مدة الرئيس فترتين لا تزيد كل منها على خمس سنوات. وأعتقد بأنه شيء جميل ونادر في محيطنا العربي والإفريقي مشاهدة رئيس وهو يصوت ليختار من يجلس على الكرسي مكانه.
وماذا عن العقيد علي ولد فال، هل سيعود للمشهد السياسي مجددا بعد خمس سنوات على غرار التجربة التي حدثت في مالي المجاورة؟
أعلن ولد فال أنه سيتقاعد من الجيش بعد تسليمه السلطة للرئيس المنتخب. والاحتمال الأقوى هو أنه يطمح في الترشح كمدني للانتخابات الرئاسية المقبلة بعد 5 سنوات، خاصة أن الرئيس المنتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله لا يمكنه الترشح لفترة رئاسية أخرى بسبب عمره، حيث لا يجوز للرئيس الذي تتعدى سنه السبعين في الفترة الأولى أن يترشح للفترة الثانية، وبالتالي فإن لدى ولد فال حظوظا كبيرة في الترشح والفوز اعتمادا على رصيده السياسي والشعبي الذي صنعه خلال الفترة الانتقالية، وهو تكرار للتجربة المالية مع الرئيس ألفا عمر كوناري الذي قام بانقلاب ثم سلم السلطة، وبعد مدة رئاسية رشح نفسه وفاز بالانتخابات بعد أن أسس شعبية كبيرة له.
وربما تكون هذه النقطة واحدة من دوافع المجلس العسكري لأن يؤيد سيدي ولد الشيخ عبد الله -لكونه رجلا مسنا- عن غيره الذي قد يترشح لولاية أخرى وهو في السلطة ما يصعب منافسته.
فيما يتعلق بزعيم المعارضة أحمد ولد داداه، هل تتوقع قبوله المشاركة في الحكومة المقبلة؟ وكيف سيؤثر ذلك على الدور الرقابي للمعارضة؟
أعتقد أن مستقبل ولد داده السياسي يجب أن يتوقف هنا وأن يفسح المجال أمام الكفاءات الشابة داخل حزبه "تكتل القوى الديمقراطية" مثل ولد لمات. كذلك يتيح لموريتانيا تجديد طبقتها السياسية.
وأعتقد أنه من الأفضل لنا أن تكون هناك معارضة قوية ومسئولة تكون سلطة موازية للسلطة الحاكمة تراقبها وتصحح أخطاءها. أما الاندماج داخل السلطة فسيقلل من قدرة المعارضة على كشف أخطاء السلطة ومظاهر الفساد المحتملة، خاصة أن القانون الجديد المتعلق بالمعارضة يكفل لها الحق في الوجود وحق أعضائها في المشاركة في الوظائف العامة وأن يكون رئيس هذه المعارضة أو زعيمها يتمتع بامتيازات مادية مثل الراتب والمنزل والسيارة على نفقة الدولة ويتمتع بحصانة ضد الاعتقال.
وهذا شيء إيجابي يتيح احترام حق المعارضة في التعبير عن رأيها السياسي وخلافها مع السلطة وسعيها للإطاحة بها ديمقراطيا دون أن تتعرض للمضايقة أو القمع أو الإقصاء.
وكيف ترى وضع التيار الإسلامي الذي برز كقوة سياسية كبيرة في موريتانيا؟ وهل سيتيح الرئيس الجديد لهذا التيار العمل في إطار حزبي؟
لا أعتقد أن الرئيس -كما ألمح إلى ذلك عدة مرات- سيعترف بحزب للإسلاميين، لكن في المقابل سيغض الطرف عنهم ويتركهم يمارسون نشاطاتهم كجمعية أو تيار، فهم في الحقيقة أمر واقع في الساحة السياسية الموريتانية ووجودهم حقيقة لا يمكن تجاهلها ولهم نوابهم ويديرون بلديات، لكن ولد الشيخ عبد الله لن يستطيع مقاومة الضغوط السياسية من الغرب والاعتراف لهم بحزب سياسي، وهو رفض الالتزام لهم بذلك كشرط لدعمهم له.
أما بخصوص الإسلاميين بعد هذه التجربة، فسيقومون بتجميع صفوفهم وعليهم أن يختاروا إما الدخول في حكومة الوحدة الوطنية التي سيشكلها الرئيس الجديد الذي سيرحب بدخولهم، أو الاستمرار كقوة سياسية معارضة، وهم إلى الآن لم يقرروا بعد.
قال العقيد ولد فال: إن الشعب الموريتاني وصل إلى مرحلة النضج السياسي. فكيف ترى تأثير الحرية السياسية التي شاهدناها في موريتانيا خلال الفترة الانتقالية على مستقبل الوعي السياسي لدى المواطن الموريتاني؟
اختار الموريتانيون رئيسهم بكل حرية، وصحيح أن الاعتبارات القبائلية والجهوية أثرت على اختيارهم، وهذه أمور تحد من حرية الاختيار، لكن الأساس هو أن نبني قاعدة تتيح للموريتاني بأن يؤخذ صوته بالحسبان ويرجح كفة دون أخرى.
ومع الوقت وتراكم التجارب والأخطاء سنصل إلى مرحلة يصبح المواطن الموريتاني العادي قادرا على التمييز بين البرامج والمترشحين ويختار على أساس قناعته وليس على أساس انتمائه العشاري والقبلي، وحينها نكون قد وصلنا إلى ديمقراطية مكتملة.
والمهم حاليا أنه لم يعد عندنا تزوير لإرادة المواطن في عمليات الاقتراع، وهذا أساس الديمقراطية الصحيحة.
كيف ترى السياسة الخارجية لموريتانيا في عهد الرئيس الجديد سيدي ولد الشيخ عبد الله؟
لا أعتقد أنه سيحصل تغيير كبير في السياسة الخارجية، فقضية العلاقة مع إسرائيل والتطبيع معها هو أولا وقبل كل شيء إيعاز غربي ورغبة أمريكية. وبالتالي لا أتصور أن ولد الشيخ عبد الله سيكون قادرا على مقاومة الضغط الغربي بهذا الخصوص. وبحسب ما قاله ولد الشيخ عبد الله وأكده في المناظرة التلفزيونية الأخيرة مع ولد داداه، سيعطي اهتماما أكبر لدور نشط لموريتانيا في محيطها العربي واندماج أكبر داخل المحيط المغاربي والعربي، خاصة أن موريتانيا عانت في زمن ولد الطايع من عزلة داخل المحيط العربي، كما أكد ولد الشيخ عبد الله في وعوده الانتخابية بأن ينشط دور موريتانيا كنقطة وصل بين العالم العربي وإفريقيا الغربية.
وأتوقع أن يعيد ولد الشيخ عبد الله موريتانيا إلى المنظمة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا ويسعى لتوطيد العلاقات الخارجية مع هذه الدول، وذلك بعد انسحاب موريتانيا من المنظمة في عهد ولد الطايع.
في ظل وجود شركات غربية تنقب عن البترول وهو المورد الجديد على موريتانيا، هل تتوقع دورا للدول الغربية في السياسة الموريتانية؟
صحيح أن موريتانيا مقبلة على ثروة نفطية واعدة بالنظر إلى قلة عدد السكان الذين يبلغون 3 ملايين نسمة. وهو ما يعكس الاهتمام المتزايد للدول الغربية والولايات المتحدة وشركاتها بالتنقيب واستخراج النفط والمعادن في موريتانيا. وعليه فإن خطر استغلال الشركات العالمية لنفط موريتانيا يبقى أمرا واردا. غير أن وجود سلطة قوية تتمتع بشرعية شعبية يمكنها رفض الرضوخ لإملاءات تلك الشركات ومن ورائها الحكومات الغربية.
ويتعدى الأمر المصالح الاقتصادية، حيث تهتم الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنوات بموريتانيا بدءا بترتيبها العلاقات مع إسرائيل وليس انتهاءً بطلبها العام الماضي الموافقة على إقامة قاعدة عسكرية في الشمال عند الحدود مع الجزائر والمغرب بذريعة مقاومة مقاتلي الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية وهو الطلب الذي رفضه علي ولد محمد فال.
وأعتقد أن أي سلطة في موريتانيا لا تستطيع مطلقا الموافقة على وجود قوات أمريكية على أراضيها؛ لأن الشعب سيرفض ذلك بشدة.
*مقابلة مع "سيد أحمد ولد أحمد الهادي" المحلل السياسي الموريتاني، رئيس تحرير صحيفة القلم الموريتانية .
|