English

 

الأحد. يوليو. 1, 2001

شرعي » الإسلام وقضايا العصر » ثقافة وفكر

 

المرأة في الرؤية الإسلامية.. واجبات لا حقوق

تعليق على الموقف من نقص شهادة المرأة

Image

تشهد قضية شهادة المرأة أهمية متزايدة من جانبين:

 الجانب الأول يتعلق بالمصدر العلماني الذي يرى في قضية شهادة المرأة موطنًا لالتماس الطعون على التشريع المستمد من الأصول الإسلامية، من زاوية انطواء هذه الأصول على تمييز سلبي ضد المرأة يفضي بها إلى وضع تنعدم فيه مساواتها بالرجل. كما يشهد – من جانب ثان - تناول بعض الإسلاميين لهذه القضية من زاوية الدفاع عن الإسلام، مع تباين منطلقات فصائل الإسلاميين ومقولاتهم في هذا الصدد.

وعند التعرض لوضع المرأة المستفاد من نقص شهادتها يسارع البعض للتأكيد على أن مساواة شهادة الرجل لشهادة امرأتين، لم ترد إلا في سورة البقرة في آية "الدين"، وأن باقي الشهادات لم يرد في القرآن نص بشأن ارتباطها بشروط الرجولة لصحة الشهادة أو كمالها، إنما قام الشرط في حدود العدالة. وعندما عرضت المقولات التي أسلفنا الإشارة إليها لهذا الأمر، كنت أود أن يُستكمل عرض هذه المقولات بالتعرض لطبيعة الشهادة، فإن ما جرى عليه النظر لدى كثير من الفقهاء أن في الشهادة معنى الولاية، ومن هنا جرى القياس؛ قياس نقص ولاية المرأة بعامة على حكم نقص شهادتها. وهذه النقطة تحتاج إلى تحرير، فهل الشهادة ولاية أم إخبار؟

إن الولاية إذا أردنا أن نُعرِّفها في كلمات مُبسطة قليلة، هي إمضاء القول على الغير. وهي تكون ولاية خاصة إن كان إمضاء القول على محصورين معينين، وتكون ولاية عامة إن كان إمضاء القول على غير محصورين. هذا هو نوع الولاية بصفة مجملة. فالولاية قولٌ نافذٌ على الغير، أي أنها حسب المصطلحات الوضعية الحديثة، هي في صورتها العامة صلاحية إصدار قرارٍ ينشئ مركزًا قانونيًا للغير أو يعدله أو يلغيه.

والمركز القانوني مجموع حقوق والتزامات. والولاية في صورتها الخاصة – بالرؤية الوضعية - هي صلاحية التصرف عن الغير بإنشاء مجموعة من الآثار القانونية – حقوقًا أو التزامات في حق هذا الغير. هذا هو جوهر الولاية بالمعنى الفقهي المقصود هنا.

أما الإخبار فهو التحديث بأمر وقع أو ذكر حادث حدث. وهو ليس الوقوع ولا الحدوث ولكنه القول بذلك. وهو ليس إنشاء الأمر ولكنه إثبات نشوء الأمر. الإخبار هو نقل الوعي بوقوع الأمر من شخص عارف به إلى شخص آخر غير عارف به. والإخبار بهذا الوضع لا ينشئ بذاته مركزًا قانونيًا ولا يُعدِّل منه ولا يلغيه، إنما يقوم به ثبوت أمرٍ قد يُفضي إلى إنشاء مركز قانوني أو تعديله أو إلغائه.

والشهادة في حقيقتها هي إخبار بفعلٍ حدث أو بواقعةٍ نزلت أو بحقٍ لأحد على أحد، ولا يقوم بها بذاتها تقرير ما يترتب على شيء من ذلك من أثر يوجبه الحكم. والشهادة تكون بما وقع تحت بصر الشاهد أو سمعه من فعل أو قول. ومع كون الشهادة من قبيل الإخبار إلا أنها كانت قديمًا أقوى أدلة الثبوت الشرعية التي يُعترف بها أمام القضاء، ولذلك سُميت البينة بحسبانها دليل الثبوت الغالب، لا يقوى عليها إلا الإقرار على النفس، أو اليمين في بعض الأقوال في بعض الأحيان.

وقد قرر الفقهاء أن دليل ثبوت الحق هو ما عليه المعول في معرفة هذا الحق وترتيب آثار قيامه، وإذا لم تكن الكتابة منتشرة وكانت المعرفة بها محدودة، والحصول على وسائل من أدوات وأوراق ليس متوافرًا، وكانت الأمية غالبة، والترحال كثيرا، وحفظ الأوراق لا يجري مجرى العادة ولا تتوافر وسائل ضبطه، إذا كان كل ذلك، كانت الشهادة هي أقوى وسائل إثبات الحقوق، وكانت هي تقريبًا ما عليه المعول في الاعتراف بقيام الحق أو الاعتراف بحدوث النازلة التي تستوجب ترتيب الأثر الشرعي، سواء في مواد المعاملات أو مواد الحدود وغيرها.

ولما كان للشهادة من الحسم في ترتيب ما حجم عن المشهود به من آثار شرعية، جهد الفقهاء في تفصيل أحكامها وتبيان شروطها من حيث التحمل ومن حيث الأداء، وشروط كل من ذلك، ومن حيث أنواع الشهادات وأنواع المشهود به، وشروط الشاهد من حيث عدالته وتجريحه ومراتب الشهود من العدل المبرز إلى غير المبرز إلى من تُتوسم فيه العدالة إلى من لا يُتوسم عدله ولا جرحه إلى من يُتوسم جرحه إلى المعروف بالجرح، ولكل منهم نوع أداء يصلح به بذاته أو بغيره وهكذا. وقد قيل في الأثر: "شاهداك قاتلاك" دلالة على ما ترتبه الشهادة من أثر، كما لو أنه يترتب عليها باللزوم دون فكاك.

ومن هنا قال الفقهاء: إن الشهادة ولاية، يريدون بذلك القول بأن من شهد فكأنما رتب بذاته الأثر المقرر على ثبوت المشهود به، أي أنَّ من شهد كمن قرر وكمن قضى، ويبغون بذلك التوصية بوجوب التشدد وبذل أقصى الجهد في تحقيق شروط الشهادة لما لثبوتها من أثر الترتيب المباشر للحكم، يبغون إقران الشهادة بالولاية من حيث التشديد في الاستيثاق من عدالتها. وشبيه بذلك ما يُقال عن الإقرار بالحق عن النفس.

فالإقرار إخبار بحق للغير على النفس، ولكنه من الحسم في إثبات الأمر المقر به بحيث يعتبر كما لو أنه هو عين التصرف، أو هو عين الفعل المُنشئ للحق على النفس، وهو بهذه المثابة يلزم فيه ما يلزم من أهلية للتصرف رغم كونه إخبارًا في أصل وظيفته. وشبيه بذلك أيضًا ما نعرفه اليوم بالعقد المسجل؛ إذ له من الحسن في ترتيب الحقوق ما وصل ببعض التشريعات إلى اعتباره ركن نشوء للحق. وشبيه به أيضًا ما نسميه اليوم في لغة القانون التجاري من اندماج الحق في الصك، أي أن الحق اندمج في وسيلة إثباته، كـ"الشيك" أو "السهم" أحيانًا.

إن القول بأن الشهادة ولاية هو محض تصور فقهي، وليس حكمًا من أحكام التشريع المنزل. وهو تصور يفيد أهمية الشهادة في ترتيب آثار الأحكام، دون أن يجردها من أصل وضعها الوظيفي، وهو أنها إخبار ووسيلة ثبوت. وأهمية هذا التمييز تظهر حاليًا في زماننا المعيش؛ إذ انتشرت الكتابة تعلمًا وممارسة ووسائل استخدام وعادات استخدام. وهي أثبت وأحفظ، فصارت وسيلة الإثبات الأقوى، وصار الدليل المستفاد منها آكد وأوثق. وتراجعت الشهادة إلى أن صارت وسيلة إثبات ثانوية، ومن ثم يزايلها وصف الولاية الذي كان مبنيًا لا على طبيعتها ولكن على أهميتها، وكان مستمدًا لا من حقيقة كنهها ولكن من تفردها في الدلالة والثبوت.

يُضاف إلى ذلك أن ظهرت أدلة وأدوات ثبوت جديدة، مثل: المعاينة، والخبرات الفنية لأهل التخصص في كل ميدان، ونتائج المعامل الكيميائية، وهذه كلها إن أدخلها فقهاء الشريعة المحدثون في المعنى العام الواسع للشهادة، فهي من جانب آخر أخص من الدلالة المستفادة من الشهادة قديمًا. وقد تكاثرت هذه الوسائل في الثبوت وتنوعت بحيث لم يعد أي منها وحده مما يلزم القاضي، ويرتب بذاته نزول الأحكام، أي أنها تكاثرت وتنوعت بحيث لم يعد لأي منها وحده من الأهمية ما يبوئه جدارة الاتصاف بأنه ولاية، إلا أن يكون الإقرار على النفس أو حكم القاضي بالثبوت.

ونخلص من ذلك كله إلى:

أولاً: أن القول بأن الشهادة ولاية، هذا القول محض تصور فقهي، وأنه تصور فقهي نتج لا عن كنه الشهادة وطبيعتها من حيث كونها إجراء للأمر على الغير، ولكنه نتج عن أهمية الشهادة كدليل إخبار، وهي الأهمية التي تعلق بها أصل الحق أو الوضع.

ثانيًا: أن المشاهدة فقدت مكانتها المنفردة في إثبات الحقوق والوقائع، وفقدت مكان الصدارة في ذلك كله، فزايلها ما كان لها من أهمية في ترتيب آثار الاعتراف بالحقوق والوقائع، وزايلها ما قامت به جدارتها في اكتساب وصف الولاية.

ثالثًا: أن نقص الشهادة لا يقوم به قياس صحيح من نقص الولاية، لا يقوم به هذا القياس قديمًا؛ لأن الولاية ليست من طبيعة الشهادة ولا يقوم به هذا القياس الآن من باب أولى.

تابع معنا بقية محاور المقال:

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم