|
أفضى صعود حماس إلى سدة الحكم إلى ارتباك العقل الإستراتيجي الإسرائيلي، خصوصا بعدما أصبحت البيئة الإستراتيجية الأمنية المحيطة بالدولة العبرية غير مريحة في عام 2006 -كما كانت سابقا- بسبب آثار الحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان، التي أسفرت عن دخول متغيرات جديدة مؤثرة لم تستعد لها إسرائيل بالقدر الكافي، أو لم تتوقع حدوثها أصلا.
كان منبع القلق الإسرائيلي راجعا بالأساس إلى نفوذ حماس في الشارع الفلسطيني وتبنيها خطابا أكثر تعبوية للقوى الشعبية في وجه الاحتلال الإسرائيلي، ثم أصبح القلق تربصا بعد المخاوف الإسرائيلية من أن يؤدي دخول حماس السلطة لتعنت الجانب الفلسطيني بوجه عام فيما يتعلق بالمشروع السياسي التحرري.
وإذا أمكن إيجاز أهم الأفكار والقضايا التي طرحت في الساحة الإسرائيلية عام 2006 في معرض تقييم تجربة حماس على مدار الشهور التي تولَّت فيها الحركةُ مقاليدَ الحكم، نجد القضايا التالية: إخفاق الأجهزة الإسرائيلية في التنبؤ باحتمال فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية، وعلاقة هذا الفوز بالتوازنات الاجتماعية الفلسطينية، وأسلوب تعامل إسرائيل مع السلطة الفلسطينية تحت قيادة حماس، واحتمالات سعي الحركة لتوظيف تجربتها في الحكم لإقامة تحالفات داخلية مع القوى الفلسطينية الأخرى، ودرجة الاستمرارية في فكر حماس ورؤاها وتأثير توليها للسلطة على ذلك، والعلاقة بين صعود حماس واحتمالات تغيُّر ميزان القوة في منطقة الشرق الأوسط، ومدى استقلالية الحركة أو تبعيتها للسياقات الإقليمية، وسبل تجنيد التأييد الدولي لتدعيم سياسة إسرائيل في عزل حكومة حماس، ورؤية إسرائيل لاحتمالات نجاح حكومة حماس.
معنى صعود حماس للسلطة إسرائيليا
بعد انتصار حماس الانتخابي اهتزت ثقة الإسرائيليين بقدرة مؤسساتهم الاستخبارية على التنبؤ بتطورات الداخل الفلسطيني؛ فصرح إيهود أولمرت-رئيس الوزراء بالوكالة آنذاك- "إذا كنّا في موضوع كهذا يبعد عنّا كيلو مترات، فشلت مخابراتنا إلى هذا الحد، فكيف سنعرف ما إذا كان أحد ما يُخطِّط لحرب ضدنا؟".
وقد دافعت عدة مقالات عن المؤسسات الاستخبارية الإسرائيلية مثل ما كتبه زئيف شيف في هاآرتس 29-1-2006، وحنان جرينبرج في يديعوت أحرونوت 26-1-2006. وهما يوردان آراء مهمة حول تحذير أجهزة الاستخبارات من حالة عدم الاستقرار التي ستلي الانتخابات، وذلك قبل إجرائها بأيام. ومع غموض الوجهة القادمة فإن جرينبرج يعتبر أن الإسلام انتصر في هذه الانتخابات على القومية، كما أن التطرف هزم الاعتدال.
وبرز اتجاه ثانٍ حاول أن يتجاوز حالة الصدمة الإسرائيلية العامة مُظهرا قدرا من التماسك، حيث صرح إيلي هورفيتس- رئيس تيفع- بأن تحديد حماس الواضح لأهدافها من شأنه التخفيف من حدة مواجهة آثار فوزها، ونحن سننجح في نزع الشرعية عنهم، فللمرة الأولى نرى كل أوروبا تقول ما نقوله بالضبط.. وإذا ما نجحنا في المحافظة على حماس كجهة لا يتحدث معها أحد فسوف يخضعون.
كما كتب إيلي فودا في هاآرتس 5/2/2006 متوقعا أن يسفر صعود حماس عن نتائج إيجابية على المدى البعيد، حتى لو بدا الآن أنه تغيير للأسوأ، كونه يزيد احتمالات التصعيد والتطرف، وهي ستتغير كما تغيرت منظمة التحرير الفلسطينية، وستضطر حماس إلى مراعاة تأثير مواقفها على تدفق المعونات ومعيشة الفلسطينيين، فضلا عن حرصها على عدم التحليق بعيدا عن السرب العربي حتى لا تفقد دعمه وتصطدم معه، ناهيك عن احتمال انقسام حماس إلى معتدلين وصقور كما يحدث في كل الحركات الثورية عادة.
وقد تبنى آخرون اتجاها ثالثا في التفكير يُبرز تبعية الواقع الفلسطيني لإسرائيل والمساعدات الدولية، فكتب جادي تاوب في معاريف 15-2-2006 "أن احتمالات تغيير حماس لعقيدتها المتعصبة ليست كبيرة، ولكن حان الوقت لنترك أوهامها تتحطم على أرض الواقع. عندئذ فقط سوف نتذكر أن فلسطين دولة صغيرة غير مستقرة، وهي دولة معدومة وتفتقر للنفط، وتقع بين ثلاث دول قوية للغاية - يقصد مصر وإسرائيل والأردن- وجميعها أعداء للأصولية الإسلامية.. وفي عالم السياسة لا بد من التكيف مع كل ذلك".
أما الاتجاه الرابع فقد حاول قراءة الرسالة الاجتماعية وراء فوز حماس، يقول عفري ووربين في معاريف 29-1-2006: إن حماس ترفع شعارين: الأول سياسي أمني، والآخر اقتصادي اجتماعي. وهي لم تحقق هذا الفوز بسبب إصرارها في المجال الأول، وإنما بسبب مواقفها وخططها الاقتصادية الاجتماعية التي تعلن عنها وتنفذها، وكذلك بسبب السمعة النظيفة لزعماء الحركة الذين لم يتهمهم أحد بالفساد. وتوقع الكاتب أن تتخذ حماس مواقف برجماتية ومسئولة وغير متسرعة، نظرا لوجودها في السلطة. وبناء عليه نصح إسرائيل بأن تتخذ خطوات مدروسة ومتزنة إزاء ما نتج عن هذه العملية الديمقراطية التي جرت عند الفلسطينيين، وأن تسمح للتحركات والتفاعلات الاجتماعية والسياسية داخل السلطة الفلسطينية؛ لأن تسير بصورة طبيعية كي يتضح نتاجها خلال الأشهر القادمة، وأن نحسب ونقيس خطواتنا استنادا إلى الأفعال الحقيقية والخطوات العملية التي تتخذها حماس، وأن نقيس ردود فعلنا بموجبها وليس بموجب أحاسيس واعتقادات سابقة أو بسبب برنامج انتخابي.
توقعات إسرائيل لممارسة حماس للسلطة
مع تنازع هذه الاتجاهات الأربعة في توصيف معنى صعود حماس تولَّد على المستوى الإدراكي اضطراب في الرؤية الإستراتيجية، ما انعكس على المستوى الثاني الخاص بالسلوك المتوقع من حماس، وبالتالي على السياسة الإسرائيلية التي باتت محكومة بمنطق رد الفعل والخطوات الجزئية الآنية.
السؤال الرئيسي الذي سيطر على العقل الإسرائيلي لمدة أربعة أشهر على الأقل بعد فوز حماس، أي حتى تنفيذ عملية الوهم المتبدد 25-6-2006، هو ما العمل إزاء حكومة حماس؟
وقد تدرَّجت الإجابة الإسرائيلية على النحو التالي:
1- الدعوة إلى اعتماد إستراتيجية إسرائيلية مؤقتة تقوم على عنصريْن: عدم التسبب في كارثة إنسانية في قطاع غزة خلال فترة رئاسة أبو مازن، ما يعني السماح بتحويل قدر ضئيل من عائدات الضرائب إلى مؤسسة الرئاسة، وإظهار الصلابة مع الفلسطينيين، حتى لو كان الضرر الذي سيلحق بهم جراء ذلك كبيرا، خصوصا أن الموقف الدولي يساند هذه الإستراتيجية "التي يجب أن تؤدي إلى إحداث انقسام في حماس حتى يتنازل البرجماتيون فيها عن فكرة تدمير إسرائيل (زئيف شيف، هاآرتس 9-2-2006).
2- حاجة إسرائيل إلى مراجعة نظريتها الأمنية وبلورة سياسة أمنية جديدة تكون مبنية على نظرية الردع واستعمال القوة العسكرية من داخل الحدود والمناطق الإسرائيلية، مع منع حماس وعناصرها من السيطرة على معبر رفح حتى لا تتمكن من نقل وإدخال الأسلحة.
3- عدم تصديق إمكانية تغيُّر حماس التي تنتهج سياسة ملتوية تقوم على تقديم خطاب إعلامي مرن ومهادن عندما يتحدث مسئولوها إلى وسائل إعلام غربية، وخطاب آخر متشدد موجَّه للداخل الفلسطيني.
4- المحافظة على علاقة إسرائيل بمؤسسة الرئاسة الفلسطينية، مع أخذ الحذر اللازم بسبب احتمال توافق أبو مازن مع حكومة حماس في بعض المواقف.
5- إعادة بحث ودراسة جميع المسائل الخاصة بالعلاقة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، مع السيطرة الكاملة على عملية تسجيل السكان والمواليد الفلسطينيين.
وقد نفت وثيقة مؤتمر هرتزيليا السادس (يناير2006) إمكانية أن تتغير حماس بسبب مشاركتها في الانتخابات؛ نظرا لميل ميزان القوى لصالحها وضعف النظام السياسي الفلسطيني، ووصولها إلى مواقع القوة والنفوذ دون أن تغيِّر قيد أنملة من مواقفها. ولذلك يمثل صعودها تحديا إستراتيجيا من الدرجة الأولى لإسرائيل.
وإيجازا للتوقعات الإسرائيلية بشأن سلوك حماس بعد توليها السلطة، كتب حاجي هوبرمان في هاتسوفيه 21-4-2006 أن الحركة ستلجأ إلى سبعة أمور:
1- تنشيط الحوار الفلسطيني الداخلي أملا في الوصول إلى حكومة وحدة وطنية.
2- سعي نشطاء كتائب القسَّام إلى استنئاف العمليات الفدائية كلما تعقَّد الوضع الفلسطيني الداخلي.
3- تجنيد الأموال وطلب تبرعات للشعب الفلسطيني عن طريق الإنترنت والإعلام.
4- استخدام لغة مبهمة ومزدوجة في تصريحات مسئولي حماس تسمح للحركة بإرسال رسائل مخفَّفة للمجتمع الدولي، في نفس الوقت الذي تؤكد فيه على ثوابتها أمام الجمهور الفلسطيني والعربي.
5- اتباع سياسة ثقافية تدعم ثقافة المقاومة وتسهم في تكريس طابع حماس الإسلامي وأعرافها الثقافية والاجتماعية.
6- استمرار صراعات القوى بين الرئاسة وحكومة حماس.
7- تعزيز وضع حماس في الأوساط الطلابية بالتوازي مع إقامة معسكرات تدريب لعناصر حماس في شمال قطاع غزة.
الوهم المتبدد.. حماس لم تتغير
بعد قيام عناصر المقاومة الفلسطينية بتنفيذ عملية الوهم المتبدد في 25-6-2006، انتقلت الرؤية الإسرائيلية إلى التصعيد؛ فطغى التوجُّه القائل بمعاقبة حماس نظرا لعدم قابليتها للتغيُّر على الأصوات القليلة المطالِبة بفتح قناة للتفاهم معها لاسترداد الجندي الأسير.
واعتبر زئيف شيف في هاآرتس 5-7-2006 العملية تصعيدا مقصودا من حماس يضع إسرائيل في مواجهة ثلاثة احتمالات للخروج من هذا المأزق المحرج: "اتفاق تبادل أسرى، تبادل الضربات العسكرية والذي لن يُسفر عن شيء، تصعيد الهجوم العسكري لإسقاط حكومة حماس".
لقد أصبحت قدرة إسرائيل في السيطرة على الوضع الفلسطيني محل شك عميق؛ فكتب أمير أورين في هاآرتس 4-7-2006 تحت عنوان" الوقت ليس في صالح إسرائيل" قائلا: إن إطلاق سراح الجندي لن يحُل الأزمة التي أحدثتها عملية اختطافه، كما لن تختفي ظاهرة إطلاق صواريخ القسام. إن الفلسطينيين يتسمون بطول النفَس. وسيسعد مَن أسروا الحندي إثبات قدرتهم على إتمام صفقة مبادلة، وبذلك ينجح المتطرفون فيما فشل المعتدلون في تحقيقه".
حزب الله وحماس.. تغير التوازنات
أسفرت عملية "الوعد الصادق" التي نفذها حزب الله في 12-7-2006 عن توجيه ضربة أخرى لهيبة الردع الإسرائيلية في المنطقة، وكان من تداعياتها تزايد احتمال التنسيق بين قوى المقاومة في المنطقة، ودخول حزب الله -ومن ورائه إيران- لاعبا أساسيا في تحديد مستقبل ميزان القوة بين أطراف الصراع في الشرق الأوسط.
لجأت إسرائيل إلى محاولة تحقيق انتصار عسكري في غزة تعوِّض به خسارتها في لبنان، وتبارى الخبراء في اقتراح إستراتيجيات عسكرية وسياسية للانتهاء من الإزعاج الذي تسببه حكومة حماس.
وفي هذا الإطار برزت ثلاثة اقتراحات كبيرة تحاول أن توضح كيفية إقصاء حماس عن السلطة من خلال الجمع بين: سياسات موجَّهة للداخل الفلسطيني، وأخرى لتطوير العقيدة العسكرية للجيش الإسرائيلي، وثالثة تركِّز على إقامة حلف دولي ضد إيران وحركات المقاومة الإسلامية.
في إطار السياسات الموجَّهة نحو الداخل الفلسطيني اعتمد التفكير الإسرائيلي في إسقاط حكومة حماس على استخدام التيار المؤيد لإحياء عملية التسوية داخل حركة فتح، لإحداث موجة من الصراعات الداخلية الفلسطينية. وهنا تتالت المشورة من الخبراء الإسرائيليين في كيفية تقوية تيار المعتدلين الفلسطينيين بدعمه ماليا ولوجستيا.
وقد أسفر الصراع الداخلي الفلسطيني عن نتيجتين لم تسعد بهما إسرائيل؛ أولاهما عودة الدبلوماسيات العربية إلى التوسط بين الفلسطينيين وطرح تصورات لاستنئاف عملية التسوية، والأخرى انطلاق قادة حماس في نشاط دبلوماسي مكثَّف نحو العواصم العربية، ما جعل إنجاز اتفاق بين حماس وفتح ممكنا برعاية عربية وبموافقة أوروبية أيضا (حاجي هوبرمان، هاتسوفيه 23-10-2006).
وعلى صعيد سياسات تطوير العقيدة العسكرية اقترح يسرائيل هارئيل في هاآرتس 21-9-2006 أن تعود إسرائيل بدون تردد إلى إستراتيجية الضربات الاستباقية حتى لا تتكرر إخفاقات لبنان ثانية، خصوصا مع تزايد احتمالات صدام الغرب مع إيران، وظهور استعدادات سورية لإعادة هيكلة قدراتها العسكرية. كما اقترح آخرون أن تقوم إسرائيل بممارسة الردع النووي العلني بالإعلان عن نفسها دولة نووية بدلا من سياسة الغموض النووي المتَّبعة منذ الخمسينيات.
وأخيرا اقترح دوري جولد -سفير إسرائيل الأسبق في الأمم المتحدة- إقامةَ حلف إقليمي ودولي ضد قوى الإسلام السياسي الثوري التي اخترعت سلاح العمليات الاستشهادية وإيران التي تهدِّد المنطقة بتصميمها على امتلاك القوة النووية. وهما خطران يغذي أحدهما الآخر؛ فالجهادية الإسلامية تعبِّر عن مدٍّ إسلامي سياسي أصولي تكمن جذوره في: الثورة الخمينية 1979، وهزيمة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان عام 1989 والتي آذنت بميلاد تنظيم القاعدة (يديعوت أحرونوت 22/1/2007).
واضح أن الرؤية الإسرائيلية تحاول تجريد حماس من زخمها الشعبي ودورها الاجتماعي والوطني، واختزالها في التبعية لإيران التي أصبحت في الخطابيْن الإسرائيلي والدولي سببا لكل مشكلات الشرق الأوسط. وفي خضم اضطراب الرؤية، عاد بعض الخبراء للدفاع عن سياسة الخطوات أحادية الجانب في غزة ولبنان التي منحت إسرائيل موقفا قويا تستطيع من خلاله إدارة الصراع مع أعدائها بشكل أفضل.
لكن يجب أن نعي حقيقة أنه لا يوجد أي حل سياسي أو عسكري قريب للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني، ولا للمواجهة مع حزب الله، لأن كليهما طويل ومنهك، ويتطلب منّا أن نديره بشيء من ضبط النفس والصبر. وعلى أي حال، لن تؤدي الإدارة الناجحة للنزاع بالضرورة إلى حلِّه، كما لن تضمن الهدوء طوال الوقت. المهم أن تسعى إسرائيل دائما لتحسين قدرتها على الصمود والدفاع عن نفسها (آيال زيسر، هاآرتس15-8-2006).
وإجمالا يمكن استخلاص أن تجربة حماس في السلطة قد أظهرت قصور الفكر الإستراتيجي الإسرائيلي الذي بات يدير الصراع بإجراءات عسكرية عاجزة عن تحقيق أهداف سياسية؛ وهو قصور في إدراك معنى صعود حماس أفضى إلى الفشل في توقع سلوكها، ما انعكس على إرباك التخطيط الإسرائيلي في تصفية القضية الفلسطينية.
كاتب وإعلامي فلسطيني
|