English

 

الاثنين. أبريل. 2, 2007

الإسلاميون » سلفيون

أرسل لصديق  
   
روابط من إسلام أون لاين

كنت في درس سلفي

بقلم - إيمان جمال الدين

Image

   قبل أن أخوض تلك التجربة، كنت أتقلب بين كثير من الشغف، وقليل من التخوف، شغف بالمعرفة والاستكشاف، وخوف من الرفض والإعراض، ولكنني استجمعت نفسي وأفكاري، أملاً في نقل صورة محايدة لمن يهمه الأمر عن الجانب النسائي من التيار السلفي في مصر، وعازمةً على توضيح العديد مما خفي عن عدد كبير من عامة الناس وخاصتهم. ولم أجد سبيلاً أفضل إلى ذلك من قضاء يوم كامل بينهن.

أقدمت على هذه التجربة وأنا أبحث عن إجابة لكثير من التساؤلات: من هنَّ؟ وما منهجهن؟ وكيف يفكرن؟ وكيف يعشن؟ وماذا يتعلمن؟ وبمن يقتنعن؟ ولمن يسمعن؟ وماذا يقرأن؟.

لم أتعب كثيرًا كي أصل إليهن، فمن حسن الحظ أن لي صديقة (سلفية) دلتني على أحد الأماكن التي يقام فيها درس للنساء على المنهج السلفي، وغالب جمهوره من المحبات والمنتميات لهذا التيار.

بداية الرحلة

بعد عصر يوم من الأيام، اصطحبتني صديقتي إلى مُصلَّى النساء بأحد المساجد الكبرى في أحد أحياء القاهرة الراقية، كان المصلى عبارة عن قاعة كبيرة، فخمة نسبيا، مقارنة بالأماكن المخصصة للنساء في مساجد الأحياء المتوسطة والفقيرة.

كان هذا اليوم هو اليوم المخصص لدرس الداعية، التي سأرمز لها بـ "أم عبد الله" (حيث كانت تنادَى من قبل الحاضرات بكنيتها)، والتي علمتُ أنها تتمتع بجاذبية وقبول لدى من يحضرن لها، كما أن نشاطها الدعوي لا يقتصر على الدروس المسجدية فقط، حيث تقيم صالونا دعويا في بيتها، تستضيف فيه بعض (الملتزمات) الجدد، من الفنانات المعتزلات وغيرهن.

لا أنكر أن المشهد أرهبني في البداية، فأغلب الحاضرات كن منتقبات، متشحات بالسواد، من رءوسهن إلى أقدامهن، إلى جانب عدد قليل من المحجبات كاشفات الوجوه، اللاتي كنتُ منهن.

كان يغلب على الحاضرات جميعا أناقة الملبس مع بساطته، مما يُظهر انتماءهن إلى الطبقتين العليا والمتوسطة للمجتمع، ومعظمهن فتيات في سن الجامعة أو ما بعدها، وربما يكون سبب ذلك ما لاحظته من رفض (أم عبد الله) لوجود الأطفال، خوفا من أن يتسبب صياحهم ولعبهم في تشتيت انتباه الحاضرات أثناء الدرس، مما يعوق حضور كثير من الأمهات.

تصدرت (أم عبد الله) المجلس، مستندة على منصة صغيرة أعدت لها، وبدأت في إلقاء درسها، مفتتحة إياه (كالعادة كما أخبرتني صديقتي) بالتذكير بفضل طلب العلم وأهميته وفرضيته، وآداب حضور مجالس العلم.

فقه وعقيدة وفتاوى

كان الجزء الأول من الدرس عن بعض أحكام فقه الطهارة، من خلال شرح (أم عبد الله) لكتاب من تأليفها، وأشارت بوضوح إلى أنها لم تتعمد تدريس كتابها، ولكن (شيخها) هو مَن ألح عليها بذلك! وقد تعجبتُ من هذا، حيث أني كنت أعتقد أن السلفيين يفضلون دراسة العلوم الشرعية من كتب الأئمة القدامى.

لاحظت توفر كتاب (أم عبد الله) في أيدي الحاضرات، حيث أخرجته كل واحدة من حقيبتها، وفتحنه على الصفحة التي أشارت إليها المحاضرة، وجلسن يستمعن في هدوء واهتمام.

شرحت (أم عبد الله) بتفصيل شديد وبأسلوب ميسَّر بعض أحكام الطهارة، وكانت ترد على أي استفسار يبدر من الحاضرات. وشددت على وجوب قيام المستمعات بتعليم أسرهن هذه الأحكام، وأنهن سيُسألن عن هذا يوم القيامة، وعنفت مَن تعللت بحيائها الذي يمنعها من الحديث في هذه الأمور، وأنها (أي أم عبد الله) قد بلَّغت، وأشهدَت الله على ذلك.

وفي ثنايا حديثها، أكدت (أم عبد الله) على وجوب اتباع (طالبة العلم) لمدرسة الدليل، بمعنى أن تسأل الطالبة دائما مَن تتعلم على يديه عن دليله الشرعي من القرآن أو السنة لكل ما يقول، مهما كان علمه ومهما كان قدره.

الجزء الثاني من الدرس كان مخصصا لدراسة العقيدة من كتاب "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" بتحقيق الشيخ السلفي المصري المعروف مصطفى العدوى، وكنت قد علمت أن هذا الكتاب (من وجهة نظر السلفيين) يعد من أهم الكتب التي يجب أن يدرسها المسلم.

تنوع أسلوب (أم عبد الله) في شرحها بين الشدة واللين، حتى كانت تمازح الحاضرات في بعض الأحيان، مخففة من رتابة الجلسة، وثقل المواد التي تشرحها.

أما الجزء الأخير من الدرس، فكان خاصا بالأسئلة والفتاوى العامة، حيث أُرسلت الأسئلة إلى المحاضِرة مكتوبة من قبل الحاضرات، وكانت الأسئلة في معظمها فقهية، عن الطهارة والصلاة والزكاة.

ولفت نظري إجابتها عن سؤال من إحدى الحاضرات عن زكاة الحلي التي تستعملها المرأة بشكل يومي، حيث أدهشني ردها القطعي بوجوب الزكاة فيها، رغم علمي بأن هذا الأمر فيه خلاف كبير بين العلماء، حتى علماء السلف أنفسهم!! وختمت إجابتها بقولها: "كثير من الناس يغفلون عن هذا ويعيشون ويموتون في الحرام"!!.

أثناء فقرة الأسئلة، اقتربت من إحدى الحاضرات، وعرفتها بنفسي وبعملي كصحفية، وأني أحاول التعرف على ملامح الدعوة السلفية في مصر، وحاولت أن أجري معها حوارا أو أفتح معها حديثا، لكنها أبت واعتذرت، واستأذنت مني منصرفة، وعلى وجهها ملامح التوجس!.

وما لبث أن علا صوت الهمس بين الحاضرات، أثناء إجابة (أم عبد الله) عن الأسئلة، فعاقبتهن بإنهاء الدرس فورًا، وإعلانها الانصراف دون الإجابة عن باقي الأسئلة. وما إن أعلنت هذا حتى هب بعض الحاضرات يلتففن حولها، ولكل منهن حاجتها الخاصة لديها.

عمرو خالد السلفي!

بعد انتهاء الدرس، توجهت مع صديقتي السلفية إلى بيتها، وجلست معها ومع أخواتها اللاتي يحملن نفس الأفكار والتوجهات، وخلال الجلسة توالت الإجابات عن الأسئلة التي كانت تشغلني، فهن يحببن ويقدِّرن كل من الشيخ أبي إسحاق الحويني، والشيخ محمد حسان، والشيخ محمد حسين يعقوب، والشيخ مصطفى العدوى، والشيخ محمود المصري، ويعتبرن الأخير أكثرهم مناسبة من حيث الأسلوب للمبتدئين في التدين، وقالت لي صديقتي بالحرف: "هو مثل عمرو خالد عند الإخوان"!!.

وعندما ذُكر اسم عمرو خالد، وجدت شبه إجماع منهن على أنه بالفعل قدم أشياء طيبة في بداياته، وأنه كان سببا في (التزام) عدد كبير من الشباب، خاصة أبناء الطبقات الثرية، إلا أنهم يرون أنه تمادى وتجاوز في كثير من الأمور، مما دعا كبار الشيوخ للتدخل وإنذاره، وبيان أخطائه، استنادا على علم (الجرح والتعديل) حتى لا يسمع إليه أحد أو يتبعه أحد، طالما تمادى في أخطائه ولم يكترث بنصح العلماء.

الزواج السلفي

قادنا الحديث بعد ذلك إلى الطريقة التي يقيمون عليها أفراحهم (حفلات الزواج)، والتي تتم وفق الخطوات التقليدية المعروفة: الخطبة، ثم العقد، ثم البناء (الدخول)، إلا أن الطريقة تختلف، فالخطبة تعني موافقة الطرفين بعد رؤية المتقدم للفتاة رؤية شرعية، وتتاح له هذه الرؤية ثلاث مرات فقط، بعدها يعلن موافقته على الارتباط بالفتاة أو رفضه.

وفترة الخطوبة عندهم غالبا ما تكون قصيرة جدا نسبيًّا، وبعدها يأتي "العقد"، والذي يتم في المسجد بعد خطبة النكاح التي يلقيها أحد المشايخ بمحضر من الرجال، في الوقت الذي تكون فيه العروس بصحبة السيدات في المكان المخصص لهن بالمسجد، بحيث يكن معزولات عن الرجال. وتطول فترة العقد أو تقصر بحسب الإمكانات المادية للزوج، ثم يتم بعدها البناء دون زفاف غالبا.

جرنا الحديث عن طقوس الزواج إلى طبيعة العلاقة بين الزوجين، حيث حكت إحدى الحاضرات قصة إحدى أخواتها التي كانت معقودًا عليها، ولكنها فضلت الانفصال عن زوجها؛ لأنه (على حسب قولها) منعها من طلب العلم الذي هو فريضة.

"مش لابسة النقاب ليه" ؟!

في وسط هذا الحوار، إذا بإحداهن تفاجئني بهذا السؤال: "انتي مش لابسة النقاب ليه يا حبيبتي؟"، ورغم الصيغة الودودة للسؤال، إلا أنه كان يحمل في طياته اتهاما بالتقصير.

حاولت أن أوضح لمن سألتني أنه لا داعي للجدال في أمور معروف الخلاف فيها بين العلماء منذ زمن، ولا يجوز أن يُنكِر أحد منا على الآخر في الأمر المختلف فيه، لكنها لاحقتني بسرد آيات من القرآن، ثم بتفسير هذه الآيات على الوجهة التي تبين صواب ما تعتقده من وجوب تغطية الوجه، مؤكدة على أن هذا هو فهم أهل السنة والجماعة، الذين هم الفرقة الناجية التي أخبر عنها النبي (صلى الله عليه وسلم) والتي كل من عداها في النار!! فما أحببت أن أطيل الجدال معها في هذه النقطة، وتحولت إلى موضوع آخر.

مثالب الإخوان

كان موضوع النقاش التالي عن علاقة السلفيين بالتيارات الإسلامية الأخرى، وكون جماعة الإخوان المسلمين أقوى تلك التيارات، فقد انحصر الحديث حولها.

قالت لي نفس (الأخت) التي حاولت إقناعي بالنقاب: "كانت بداية التزامي مع الإخوان، فلقد جذبوني إليهم بأسلوبهم، وهداني الله إلى ارتداء الحجاب، ثم مع تدرجي في الالتزام أحببت النقاب فلبسته، ولكن الإخوان رفضوا ذلك، فاضطررت إلى الانفصال عنهم!!" وعندما أنكرت حديثها لعلمي أن كثيرًا من نساء وفتيات الإخوان منتقبات، ردت عليَّ بأن هذا هو ما حدث!!.

ثم وجدت غيرها من الحاضرت يشاركن في الحوار، وينتقدن جماعة الإخوان المسلمين، في كون منهجها هو الدعوة فقط، واصفات أفراد الجماعة بأنهم يعتمدون على حديث واحد لرسول الله صلى الله عليه وسلم، هو: "بلغوا عني ولو آية"، مهملين بذلك طلب العلم الشرعي الواجب، إلى جانب إحجامهم عن العلماء، وتركهم للكثير من السنن، وعدم استنادهم في أحاديثهم وأقوالهم إلى نصوص من القرآن والسنة، واستغراقهم في العمل السياسي، وتفرقة المسلمين بسبب التحزب والتعصب لجماعتهم.

بعد هذا الحوار الطويل، الذي أرهقني ذهنيا ونفسيا، استأذنت منهن منصرفة، وأنا يأخذني الشرود والتفكير في كل ما سمعت ورأيت، وينتابني شعور واحد، ويلح علي سؤال واحد: لم الفُرقة؟؟ لم أكتب عن هؤلاء بصفة "هم" ؟؟ ولم تعددت هذه الـ  "هم" ؟؟ ولم لا تكون هناك "هم" واحدة، هم المسلمون، أعني .. نحن المسلمون.

شارك برأيك وتعليقك على هذه التجربة:

كنت في درس سلفي (ساحة حوار)


محررة بالنطاق الدعوي بشبكة "إسلام أون لاين.نت".

 

ابحث

بحث متقدم