|
باستثناء اعتداء طفيف على سيارة دعائية للمسيرة الأوروبية لم تكن توجد حاجة لحشد بضعة آلاف من رجال الأمن في العاصمة الألمانية في أثناء القمة الاستثنائية الأوروبية، برغم حضور 27 وفدا على مستوى الرئاسة ورئاسة الوزراء، وبرغم تجوال هؤلاء للمشاركة في عدد من الحفلات الموسيقية والعروض الفنية في متاحف المدينة ومراكزها الثقافية، إلى ساعة متأخرة من الليل. كما بقي رجال الشرطة عاطلين عن العمل عندما احتشد 500 متظاهر ضدّ مسيرة الاتحاد الأوروبي، وكان منظمو المظاهرات ينتظرون مشاركة 10 آلاف شخص فيها على الأقل.
اتحاد دون دستور
ربما كان ضعف حركة الاحتجاج الشعبية، وغياب المخاطر الأمنية، هو العنصر الأكثر مدعاة لسرور أنصار أوروبا الموحّدة، في يومي القمّة، 24 و25/3/2007، احتفالا بمرور 50 سنة على بدء المسيرة بست دول، أنشأت عام 1957 مجموعة اقتصادية صغيرة، ضمّت وفق معاهدة روما آنذاك كلا من ألمانيا وفرنسا وبلجيكا ولوكسمبورج وهولندا وإيطاليا.
أوروبا ابنة الخمسين عاما، التي يقطنها نصف مليار نسمة، عملاق اقتصادي اليوم، ولكنها بعيدة عن ذلك سياسيا وعسكريا، برغم استمرار الجهود المبذولة للتميّز الأمني العسكري وعلى صعيد السياسة الخارجية، وبرغم إلغاء الحدود بين الدول الأعضاء الـ27 في الاتحاد الأوروبي. وينتظر مزيدٌ من الدول الانضمام قريبا أو بعيدا، والأقدم انتظارا تركيا، وهي أيضا الأبعد عن الانضمام، إذا حلّ موعده أصلا، فالاتحاد الأوروبي أشدّ حرصا على "قيمه المسيحية" تحت العباءة العلمانية اليوم منه بالأمس، ويبدو أنّ البابا الكاثوليكي بينديكت السادس عشر لم يعد يذكر تأييده لانضمام تركيا في أثناء زيارته لها في أعقاب إساءته الشهيرة لمقام النبوة، فجدّد الآن دعوته للاتحاد الأوروبي أن يحرص على ذكر عنصر "الدين" في دستوره الجديد، ولكن هل سيصبح للاتحاد الأوروبي دستور جديد فعلا؟.
كان من مفارقات القمّة الاستثنائية أنّ ألمانيا حرصت على إحاطتها بمظاهر الابتهاج والاحتفال، وجدّدت خلالها الحرص على استكمال مهمتها خلال الشهور الثلاثة المتبقية من رئاستها الدورية للاتحاد الأوروبي بوضع مخطط زمني لإقرار الدستور الجديد، ولكنّ ألمانيا لم تستطع، عبر مفاوضات سرية عسيرة سبقت القمة، أن تحصل على موافقة بقية الدول الأعضاء لمجرّد ذكر كلمة "دستور" في نص إعلان برلين، فصدر الإعلان الاحتفالي الكبير دون ذلك، وبدأت التكهنات تنتشر عن أنّ حصيلة العامين الباقيين على موعد الانتخابات الأوروبية القادمة، لن تكون وضع دستور مشترك، وإنما استخلاص بعض ما سبق الاتفاق عليه بشأن نظام التصويت والسياسة الخارجية لتثبيته في شكل من أشكال البنود التنظيمية لعمل الاتحاد العملاق، وإلاّ فقد بات يتهدّده الشلل، كلما خرجت دولة أو دويلة على الإجماع فعطلت قرارا من القرارات.
لعبة الكبار وعبث الصغار
أنجيلا ميركل، مستشارة ألمانيا، باتت بعض وسائل الإعلامية تطلق عليها وصف "المرأة الأكبر سلطة في العالم"، وهو ما شاع أيضا بعبارة "أقوى امرأة في العالم"، تقديرا لازدياد بروز دور ألمانيا عالميا بعد استلامها منصبها قبل عامين، مع عدم إغفال حقيقة أن سلفها جيرهارد شرورد ساهم في ذلك إسهاما كبيرا خلال سنوات حكمه السبع، لا سيّما إبّان حرب احتلال العراق، ولكنّ ميركل لم تستطع في القمة الاستثنائية أن تخفي قلقها على مستقبل أوروبا دون دستور يعزّز مسيرة وحدتها، وربّما كان من مصادر القلق الخشية على مستقبل ألمانيا نفسها، فمكانتها الدولية مرتبطة بمكانة أوروبا، صعودا وهبوطا، وليس من السهل فكّ هذه العقدة، إذا ما انقسمت أوروبا فعلا إلى "قديمة وجديدة" على حدّ تعبير وزير الدفاع أو وزير الحرب الأمريكي السابق رامسفيلد، ولكنّ هذه العبارة بالذات خيّمت على أجواء الاحتفال الكبير في برلين، فقد انتقل الخلاف مع بولندا وتشيكيا إلى العلن بسبب مفاوضاتهما الجارية مع "الأصدقاء الأمريكيين" دون التشاور مع "الأشقاء الأوروبيين" بصدد نشر قواعد لشبكة صاروخية أمريكية جديدة على أراضيهما، رغم الاعتراضات الروسية والتحفظات الأوروبية وتغييب دور حلف شمال الأطلسي كساحة حوار مفترض بين "الحلفاء" في مثل هذه القضايا.
ولئن استطاعت ألمانيا التخلّص من الإرث النازي الثقيل، فما تزال فرنسا فريسة أحلام استعادة العهد الإمبراطوري القديم على أساس قومي وطني، وكوابيس ازدياد ميل ميزان المنافسة لصالح ألمانيا أوروبيا، ولا يُنتظر أن تحدّد موقفا واضحا من الدستور الأوروبي بالذات قبل الانتخابات الرئاسية والنيابية فيها، ولا تكاد تختلف في ذلك كثيرا عن بريطانيا، التي يصعب صدور موقف أوروبي حاسم عنها ما دام توني بلير في السلطة، فبريطانيا التي تضع قدما في أرض اليابسة الأوروبية وأخرى في أقصى الأرض على سواحل الأطلسي الأمريكية، ما تزال ترى نفسها حبيسة القفص الذي وضعت نفسها فيه مع الدولة الكبرى التي كانت مستعمرة بريطانية وراء البحار، وأصبحت تجرّ الدولة الأمّ إلى مغامراتها العسكرية الحديثة وراء البحار. وتأبى بريطانيا الحريصة على أبّهة التاج البريطاني أن ترى في أوروبا الموحّدة مرفأ الأمان لمستقبلها، حتى باتت أشدّ حرصا من الدول الجديدة في شرق أوروبا على وضع العصي في عجلة القطار الأوروبي.
وتظهر العقبات أيضا من جانب أسبانيا، فعلى حسب اتجاه الحكومة القائمة فيها، تارة من اليمين، وتارة من اليسار، تتقلّب السياسة الأسبانية ما بين المحور الأطلسي والمحور الأوروبي، ولا تريد الدولة التي تعدّ من الكبار من حيث عدد السكان في الاتحاد الأوروبي، أن تكون أصغر شأنا من سواها الكبار، في نظام التصويت مثلا، وإن بقيت أقرب إلى مقام الصغار في ميدان التمويل، وذاك شأن إيطاليا، الرقم الأصعب في المعادلة الأوروبية برغم أنّها من المؤسسين للمسيرة المشتركة، فهي بما ضربته وتضربه من أرقام قياسية بتعداد حكوماتها منذ الحرب العالمية الثانية، لا تجد لنفسها مكانا "لائقا" إلى جانب المحور الفرنسي-الألماني، أو في حمأة التنافس البريطاني-الفرنسي، لا سيّما أنّها ليست من دول الوسط الأوروبي كألمانيا، ولا دول الازدهار الاقتصادي والاجتماعي كالدول الإسكندنافية، ولكنّها في خطّ المواجهة، فموقعها وسط ساحل أوروبا على البحر الأبيض المتوسط، يجعل دورها المستقبلي حاسما في إطار ما تراه النظرة الاستشرافية لمستقبل العلاقات الأوروبية مع المنطقة الإسلامية والإفريقية.
وما يشغل الاتحاد الأوروبي من جانب "الكبار" ليس أكبر شأنا ممّا يشغله من جانب "الصغار"، وأبرز الأمثلة على ذلك في الجنوب الأوروبي قبرص بأزمتها المزمنة المستعصية، وانعكاساتها على المسيرة الأوروبية والأطلسية، بينما تبقى "خاصرة أوروبا" البلقانية -كما كانت منذ قرون- مصدرا رئيسيا من مصادر الأوجاع الأوروبية، على شكل حروب في الماضي، وعلى شكل مناوشات لا تنقطع منذ آخر الحروب البلقانية، فكوسوفا على طريق الاستقلال، وروسيا تطلّ على أوروبا عبر صربيا، والبوسنة والهرسك تذكّر الأوروبيين عاما بعد عام بنزاعاتهم من جهة وبوصمات عار لا تمحى من وزن مذبحة تسيبرينيتسا من جهة أخرى، هذا علاوة على أنّ في البلقان التجمّع الإسلامي السكاني الأكبر عددا في أوروبا، ولم يجد الاتحاد الأوروبي حتى الآن نافذة -غير النافذة الأمنية العسكرية- للتعامل مع دول البلقان، ولا يحلّ ضمّ بلغاريا ورومانيا حديثا المشكلة بقدر ما يزيد أعباء الاتحاد الأوروبي.
ويبدو أنّ من المشكلات العويصة في أوروبا أنّها لم تستطع الحفاظ على رشاقتها، ففي أيام شباب الاتحاد الأوروبي، عندما كان يسمّى رابطة أو سوقا أوروبية مشتركة، لم يكن عسيرا على المحور الفرنسي-الألماني أن يقود الركب الصغير نسبيا من بضع عشرة دولة عضوا، أمّا حركة التوسع السريعة خلال بضعة أعوام مضت، فتبدو نوعا من "البدانة" الثقيلة على قدمي هذا المحور، والمحاولات التي بُذلت في عهد شرودر بألمانيا لتحويله إلى محور ثلاثي مع بريطانيا، انكفأت على وقع أصداء الطائرات والدبابات والصواريخ الأمريكية والبريطانية في العراق، وكثير من الدلائل يشير إلى أنّ الخيار الباقي أمام الأوروبيين هو خيار ما يسمّى المسيرة بخطوات متعدّدة السرعة، على غرار النهج الذي اتّبع في تحقيق هدف الوحدة النقدية، بمشاركة 12 دولة. ودعوة ميركل في قمة برلين إلى تكوين جيش أوروبي تأخذ هذا الاتجاه، فالأرجح أنّ البذور التي سبق تكوينها بمشاركة بضعة دول يمكن أن تجد رعاية خاصة في السنوات المقبلة وإن لم تجد إجماعا أوروبيا، مع الاستعداد للمخاطرة بنشوء "أوروبا قديمة" بقوة عسكرية، وأوروبا جديدة بارتباطات أمريكية وأطلسية أوثق، إنّما سيبقى آنذاك السؤال مطروحا عن مدى قدرة الاتحاد الأوروبي في سنّ الكهولة على السير على عدّة أقدام في وقت واحد، طويلة وقصيرة، سريعة وبطيئة، عسكريا ونقديا، وربما على مستويات أخرى مالية واقتصادية في المستقبل المنظور.
مظاهر الشيخوخة
لكنّ أوروبا التي تعرقل نفسها بنفسها، تستفيد في مسيرتها على المستوى الدولي من أخطاء العملاق الأمريكي المصاب بجنون العظمة، ولئن لم تستطع نواتها القديمة حتى الآن أن تبلغ مستوى المخاطرة بسياسات أقرب إلى المواجهة على حساب علاقات الصداقة والتحالف، فقد تجد نفسها مضطرة إلى ذلك ما لم تجد سياسات الهيمنة الأمريكية ما يلجمها داخليا، لا سيّما إذا نجحت موسكو الأقرب جغرافيا إلى أوروبا في تكوين نواة قوى آسيوية جديدة تشغل الأمريكيين في الفترة المقبلة.
على أنّ مشكلة المشاكل تبقى في أوروبا داخليا، والتي ستصبح "القارة العجوز" بمعنى الكلمة عندما يكتمل انقلاب هرم الأعمار السكاني فيها خلال بضعة عقود من السنوات، وهنا يكمن التساؤل ما إذا كانت ستبقى قائمة في شكل اتحاد، وبالتالي في مستوى قوة دولية، بعد أن بلغت مسيرة وحدتها الحديثة الخمسين من العمر، أو ما يمكن وصفه بسنّ اليأس في هذه الحالة. فمكمن القوّة الأوروبية دوليا هو القدرة على الإنجاز، اقتصاديا وتقنيا وعلميا، وأصبح السؤال عمّا يمكن أن ينجزه الأوروبيون عندما يصبح ثلثهم فوق الستين وسدسهم أو أقل دون العشرين. وقد ولّى العهد الاستعماري بوجهه العسكري القديم، بما في ذلك عهد تجارة الرقيق التي أعربت أوروبا -بمناسبة مرور قرنين على وقفها رسميا- عن أسفها لما سببته من مآس للأفارقة ولم تقوَ على الاعتذار، ناهيك عن التفكير بتعويض مالي عن الأسى الإنساني. كما بدأت تترنّح أيضا أقدام العهد الاستعماري بوجهه الاقتصادي الحديث، فالقوى النامية الجديدة فيما سمّي العالم الثالث لن تبقى طويلا مصدرا للمواد الخام، وسوقا للمصنوعات، ومصنعا استثماريا أجنبيا رابحا بأيد رخيصة محلية.
كما يخشى الأوروبيون أن تتحوّل موجات الهجرة سيّان هل وصفت بالقانونية أو غير القانونية، إلى موجات "استعمار بشري" في اتجاه معاكس لِما عرفه التاريخ الأوروبي بعد عصره الوسيط، لا سيّما إذا غلبت المنطلقات الثقافية والعقدية غير الأوروبية على موجات الهجرة تلك. ومعضلة أوروبا هنا لا تجد حتى الآن حلا، فدعم تطوير البلدان مصدر الهجرة البشرية يعني فقدان مصادر الخامات الرخيصة والأسواق الرابحة، ويتناقض تلقائيا مع الجهود المبذولة لتصفية حركة الهجرة، بمختلف الحواجز الممكنة في وجه القادمين طلبا للرزق، مقابل زيادة أعداد القادمين من المتخصصين، فمن ذا يهاجر من هؤلاء إذا وجد عملا كريما في وطنه!
لقد بلغت أوروبا سنّ الكهولة، وما يزال يوجد فيها من المنشّطات ما يمكن أن يحافظ على بعض قوّتها، وقد يزيدها ردحا من الزمن، ولكنّ أخشى ما تخشاه أن تبلغ سن الشيخوخة، وهذه أعجزت من يداويها.
كاتب ومحلل سياسي سوري مقيم في ألمانيا.
|