|
| ناشط يرتدي قناعًاً لوزير الشئون القانونية والنيابية |
القاهرة - على كورنيش النيل بمنطقة المنيل بالقاهرة، كان لافتًا من بعيد وجود مظاهرة تضم عشرات المواطنين يحملون لافتات أمام لجنة الاقتراع في المدرسة القومية بحي المنيل الراقي، في إطار الاستفتاء على التعديلات الدستورية المثيرة للجدل.
قد يتصور الكثيرون من أول وهلة أنها مظاهرة لقوى المعارضة احتجاجًا على التعديلات باعتبارها مقيدة للحريات، لكن من يقترب أكثر من المشهد يكتشف بسهولة أنها مظاهرة لأنصار الحزب الوطني الحاكم الذين حملوا لافتات مؤيدة للتعديلات، وتدعو المواطنين للمشاركة بكثافة في الاستفتاء بجانب صور الرئيس حسني مبارك.
غير بعيد من لجنة الاقتراع هذه، وعند مدخل كوبري (جسر) الجامعة وقف عدد آخر من أنصار الحزب الحاكم يخاطبون المارة ويحثونهم على التوجه للجنة الاقتراع للتصويت بنعم على التعديلات. وحين تعلل أحد المارة بأن لجنته الانتخابية خارج القاهرة، أخبره ممثل الحزب الحاكم قائلاً: "لا تقلق، سنجعلك تصوّت في هذه اللجنة".
وحين تمكن أحد "الباحثين عن الناخبين" من أنصار الحزب الحاكم من إقناع عدد من المارة بالتوجه للجنة الاقتراع، كان لافتًا أنه يبادر لتصويرهم بواسطة كاميرا هاتفه المحمول لإثبات جهده الوفير وإنجازاته لقيادات بالحزب الوطني على ما يبدو.
المشهد نفسه تكرر في عدد كبير من لجان القاهرة والمحافظات، حيث بدت الساحة خالية أمام أنصار الحزب الحاكم لينفردوا بلجان الاقتراع، وبلا أي تواجد يُذكر لقوى المعارضة التي أجمعت على رفض التعديلات الدستورية ودعت لمقاطعتها.
ويقول مراسل "إسلام أون لاين.نت": إن دعوة المعارضة لمقاطعة التعديلات لم تكن هي السبب فقط؛ إذ سبق أن دعت المعارضة لمقاطعة الاستفتاء على تعديل المادة 76 من الدستور في مايو 2005 التي تسمح بأكثر من مرشح لانتخابات رئاسة الجمهورية وفق ضوابط، لكنها تمكنت من التظاهر والاحتجاج أثناء ذلك الاستفتاء.
وينقل المراسل عن مصادر مقربة من الحزب الحاكم تأكيدها أن "خطة أمنية محكمة وضعت هذه المرة؛ لمنع أي مظهر من مظاهر احتجاجات المعارضة في الشوارع على التعديلات الدستورية".
غير أن حجب المعارضة عن مشهد الاستفتاء وانفراد الحزب الحاكم بالساحة لم يؤدِّ إلى ارتفاع واضح في نسبة المشاركة التي لا تتعدى دومًا، بحسب مراقبين مستقلين ومنظمات حقوقية، الـ10%.
تهديدات الوطني
وفي جولة لمراسل "إسلام أون لاين.نت" بمركز العياط بالجيزة (20 كم جنوب القاهرة)، بدا قلق الحزب الوطني من انخفاض نسبة المشاركة، حيث ظهرت لجان الاقتراع بالبلدة خاوية معظم أوقات النهار، فقام أنصاره ظهرًا بالتجول في البلدة بواسطة سيارة نصف نقل وأخذوا يطلبون من الأهالي بواسطة مكبرات صوت التوجه سريعًا "وبدون تباطؤ" للجان الاقتراع في لهجة حملت قدرًا من التهديد.
عدم الإقبال الواضح على لجان الاقتراع انعكس على مدينة القاهرة المزدحمة دومًا طيلة النهار والليل أحيانًا، حيث كانت معظم شوارعها اليوم خالية تقريبًا من حركة المرور ومن المارة.
هذا المشهد على الأرض تناقض مع ما أخذت تردده الإذاعات الرسمية في تغطيتها ليوم الاستفتاء، حيث تحدثت أكثر من مرة عن "تدفق الحشود على لجان الاقتراع في يوم تاريخي مشهود".
التواجد الأمني المكثف في الميادين العامة والشوارع الرئيسية وحول الجامعات والمنشآت الهامة كان أهم ملمح لهذا اليوم، بجانب مشهد آخر متكرر بالنسبة للمصريين.. مشهد سيارات النقل العام والشركات الحكومية والخاصة أحيانًا التي تسير في طابور متجهة لأحد مراكز الاقتراع تحمل الموظفين للتصويت بقبول التعديلات.
حصار بمربع الحرية
في وسط العاصمة، وتحديدًا في المنطقة التي تضم عددًا من النقابات والأحزاب واصطلح على تسميتها "مربع الحرية"؛ نظرًا لاحتضانها الكثير من المظاهرات المطالبة بالإصلاح في العامين الماضيين، بدا المشهد مختلفًا.
فقد كان الانتشار الأمني أكثر كثافة، سواء من جانب رجال الأمن الذين يرتدون الزي الرسمي أو من هؤلاء الذين ارتدوا زيًّا مدنيًّا للتخفي، لكن صار من السهل التعرف عليهم.
في مربع الحرية، اكتفت نقابة المحامين برفع الأعلام السوداء؛ لتغطي مبنى النقابة من الخارج باعتباره يوم حداد وطني، في المقابل فإن نقابة الصحفيين كانت الملاذ الأخير لأعداد محدودة من نشطاء الحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" كان مقررًا أن يتوجهوا مساء الأحد 25-3-2007 إلى ميدان التحرير القريب للاعتصام والمبيت طوال الليل في العراء احتجاجًا على الاستفتاء، لكن قبل أن يصلوا إلى الميدان كانت فرق الأمن قد سبقتهم إليه، ومنعت أي شخص يمر من وإلى الميدان.
ولم يجد هؤلاء المحتجون سوى الاتجاه إلى سلّم النقابة، وهناك حاصرتهم قوات الأمن المركزي، وظلوا طوال الليل محاصرين، حيث جرى فرض كردون (حصار) أمني محكم عليهم.
وفي ساعة متأخرة من ليل الأحد قررت الشرطة إحكام الحصار ومنعهم من الخروج بمن فيهم من السيدات الناشطات، وظل الأمر كذلك حتى الساعات الأولى من صباح الإثنين، وعانى النشطاء من الجوع والعطش إلى أن أرسل محمد عبد القدوس، مقرر لجنة الحريات بالنقابة، أحد المحاصرين، بعض السعاة خلسة لشراء أطعمة سريعة ومياه، ونجح في تهريبها إليهم عبر جراج السيارات الخاص بالنقابة.
مشهد المحاصرين وصراخهم على سلّم نقابة الصحفيين احتجاجًا على حصارهم، يذكر بمشهد مماثل جرت وقائعه في نفس المكان في مايو 2005 عندما تعرضت بعض الصحفيات والمراسلات إلى تحرشات من أنصار للحزب الحاكم، لكن الأمن وقياداته هذه المرة لم تكرر الخطأ بالاعتداء على النشطاء، واختارت تكتيك "الحصار" أسلوبًا جديدًا لعقاب المعارضين، دون أن تلتف أو تتأثر لصراخ واستغاثات النساء لفك الحصار الخانق عليهن لمدة اقتربت من الـ24 ساعة.
|