|
| لا أحتاج مساعدة
|
أنا صحفي وزوجتي صحفية، وابني ليس صحفيا وهذه هي القضية. ومن غير المحتمل أن يصبح صحفيا -ولو بالواسطة- حتى بعد كتابة هذا المقال؛ لأن عمره لا يتجاوز ثلاثة أعوام وبضعة أشهر، وبالتالي فهو الوحيد المتفرغ لمهنة البحث عن اللعب والحنان.
برامجنا اليومية أنا وزوجتي لا تختلف كثيرا، وبصفتي "الرجل" فأنا حر، وخروجي من المنزل يكون في الحادية عشرة صباحا، وعودتي لا تتم قبل مرور 10 ساعات من خروجي في أيام العمل العادية، وأجلس بعدها أمام الكومبيوتر حتى الساعات الأولى من الصباح.
زوجتي تخرج في الثامنة والنصف صباحا مع ابننا، تذهب إلى عملها بعد تسليمه إلى الحضانة، ولا يعودان معا قبل مرور 9 ساعات؛ لينام الطفل المتعب، وتبقى الأم المشغولة بعملها طوال ساعات اليقظة على الكومبيوتر أو بين الورق والأقلام.
كلانا إذن يعمل في مهنة لا تترك مجالا لحياة خاصة –تقريبا- وإذا أضفت أن إجازتنا السنوية أو حتى يوم الراحة الأسبوعي لا تتفق في مواعيدها؛ فإن الكثير من "العزاب" و"المتزوجين" سوف يحسدونني لأني أشعر بالتحرر من قيود الزواج، وأحافظ على وحدتي كل ساعات الأسبوع، وهي ميزة لا أنكرها، لكنها -للحقيقة المرة- مصحوبة بشعور بالذنب والإشفاق معا تجاه ذلك الرجل الصغير الذي لا يعمل صحفيا، ولا أتمنى له ذلك طبعا، لكنه لا يستطيع الاستغناء عن شريك في ساعات يومه.
تعويض
وتعويضا عن عدم تواجدنا معه قررنا إلحاقه بحضانة متميزة –يعني لله يا زمري في المرتب-، تتحدث الإنجليزية وتتبنى نظرية تربوية ناجحة ومثيرة للإعجاب كثيرا، لكن الأزمة أصبحت مركبة؛ فالرجل الصغير أصبح يتحدث بلغة تخلط بين العربية (المكسرة) والإنجليزية (المكسرة)، وبالتالي يصعب فهمه، وأصبح الابن يضيق كثيرا بغبائي وعجزي عن فهم ما يريد التعبير عنه، ويكون رد فعله عنيفا حيث يشيح بوجهه، ويأتي بوسيط أقرب إليه مني، وهي والدته التي اعتادت أغلب مصطلحاته بعد دراسة من خلال التواجد أكثر نسبيا معه.
وكانت النتيجة أن انعدمت لغة الحوار الحقيقي بيني وبينه، رغم أنه الشخص الرئيس في بيتنا، وكم من مرة حاولت صنع هذه اللغة، وجلست معه بعد انتهاء عملي وأنا متحمس تماما، وبعد دقائق أجد نفسي وقد استيقظت على جملة منه وهو يصرخ I said weak up .
اجتماعات
أسفرت الاجتماعات التليفونية لمجلس تحرير بيتنا برئاسة زوجتي عن اتفاق لحمايته من الثقافة الإنجليزية، وحماية هوية الطفل العربي من خلاله؛ فدفعناه لسماع القرآن الكريم على "cd" وتعلم كيف يقوم بتشغيله على الكومبيوتر، وأحبه، وبدأ يستمتع بالسماع والحفظ، وتم خلال ذلك تصحيح أخطاء النطق في حرف الـ"ع" الذي كان ينطقه "أ"، وحرف الـ"ح" الذي كان ينطقه "هاء"، لكن السؤال يبقى عن "بابا".. وبابا مشغول، وحين يعود مبكرا يتآمر على الطفل بهدف دفعه إلى النوم مبكرا، لكن الرجل الصغير ينجح دائما في التغلب على المتآمرين، ويدفعهم للسهر معه أو النوم معه في نفس الموعد.
حالم
في عالم "ابني": ماما.. وبابا.. وتيته، والأولى هي الاحتياج الدائم، والثاني مصدر الحاجات الحلوة، والثالثة للمفاجآت والتدليل؛ فإذا حاولت قراءته على مستوى أعمق أجده مقلدا عظيما؛ فحين أجلس لتناول طعامي أجد عينيه موجهتين إلي، بينما يداه تتحركان بشكل متماثل مع يدي، وحين تنزعج والدته من إحدى حركاته، يرد عليها قائلا: "بابا يعمل كده"! فيكون اللوم والعتاب.. علي..
تعلمت منه إذن آداب الطعام والكلام والانفعال، لكن ما لا أقوى عليه هو تعلم احتياجه لي؛ ففي أحيان كثيرة وحين أكون خارجا إلى عملي، بينما يستمتع هو بإجازة من "عمله في الحضانة" كما يقول دائما، أجده يطلب مني عدم الذهاب للعمل قائلا: اقعد.. أنا want you فألفت نظره لإحدى لعبه.. ثم الـ escape! .
نور أحمر
حانت الفرصة الأسبوع قبل الماضي لتجربة أسرية رائعة أصيب أعضاء مجلس تحرير الأسرة "بدور برد" أعجزهم عن الذهاب للعمل؛ فكانت فرصة لأداء الواجب نحو مخلوق بريء من نظام سياسي اجتماعي يدفعنا للعمل 24 ساعة يوميا، وهكذا ثم تجهيز يوم عائلي، لكن الرجل الصغير انفرد بنفسه معظم ساعات اليوم يشاهد "بكار" و"عالم سمسم".. وإمعانا في الاستغناء قرر أن يذهب للتواليت وحده دون مساعدة.
شارك في ساحة الحوار:
صحفي مهتم بالشأن الاجتماعي والثقافي ، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للصفحة adam@iolteam.com
|